فردريك جوانيو
جون - ماري غوستاف لوكليزيو، الحائز جائزة نوبل في ،2008 ولد في مدينة نيس عام ،1940 حائز الجنسيتين الفرنسية والموريشيوسية . سافر كثيراً، وانشغل بالثقافات الهندو -أمريكية، وحكى بطريقته الصحراء الغربية، التي مكث بعض الوقت فيها اثر زواجه من امرأة مغربية وله رواية بعنوان "صحراء" .
في هذا الحوار، الذي نشرته "الليموند الفرنسية" مؤخراً يحدثنا عن تعددية الثقافات، المذمومة اليوم .
* من خلال سيرتك الشخصية، تعتبر متعدد الثقافات بالميلاد، هل يمكنك محادثتنا عن هذا الشأن؟
- ولدت في فرنسا عام 1940 لعائلة من أصل بروتاني (إقليم فرنسي) هاجرت إلى جزرموريشيوس ولذلك أنا فرنسي، ولكن بالتأثير . والدي موريشيوسي، وبالتالي بريطاني . من الضروري أن يفهم المرء أن موريشيوس عرفت حالة من الشيزوفرينيا، إذ تم استعمارها في عام 1715 من قبل فرنسا، وبعدها من قبل الإنجليز . ولذلك تأرجح عدد كبير من العائلات الموريشيوسية بين من يساندون إنجلترا ومن يقاومونها، دوما كانت النساء اللائي لم يتابعن أي دراسات ينفرن من تبني اللغة الإنجليزية، ما أنتج عائلات غريبة الأطوار: الرجال متحزبون لإنجلترا والنساء متحزبات لفرنسا . ولم تفر عائلتي من هذه الوضعية، ولا أنا .
* وبالتالي كنت بروتانياً (نسبة إلى الإقليم الفرنسي)، وأيضاً موريشيوسيا، ثنائي اللغة تحيا في فرنسا .
- في الواقع، كنت حائزاً الجنسية البريطانية، بينما كانت أمي تحب فرنسا وتتهم إنجلترا بأحط الاتهامات: حرق جان دارك، تدمير الطوافة الفرنسية في المرسى الكبير *(1)، وهلم جرا . وحينما عرفت والدي، وأنا في سن العاشرة، طالبني بمحادثته بالإنجليزية . لم يتوقف عن نقد فرنسا، كان يدافع عن الكولونيالية الإنجليزية، التي يرى أنها تحترم الشعوب أكثر من الفرنسيين، كان تربويا على نمط العسكرية البريطانية، ويوجهنا - أنا وأخي - بعصا خشبية . وفي الوقت نفسه، كان لديه مكتبة إنجليزية، وجدت على أرففها كتب شكسبير، كونراد وديكنز . والدتي، من ناحيتها، ورثت مكتبة كلاسيكية عن والديها، تحتوي على كتب من شاتوبريان إلى آلفونس دوديه . قرأت كثيراً باللغتين . والنتيجة، كنت منقسماً بينهما، مع هوية مركبة، تتغذى على ثقافات عدة .
* هل كانت هذه الهوية "شقية"، باستعارة عنوان إحدى دراسات "آلان فينكلكراوت" الأخيرة؟
- يتبدى لي أن هذا الكتاب أحد أكثر الكتب إثارة للقلق في السنوات الأخيرة . يدافع عن فكر ثقافة وحيدة . على عكس مؤلفه، طرحت على نفسي سؤال الكتابة بالفرنسية أو الإنجليزية بينما أحيا في فرنسا . لأنني، ولكي أثير إعجاب والدي، بدأت بكتابة نصوص بالإنجليزية، ولكن لحسن الحظ أو لسوئه، لا أعرف، رفضها الناشرون البريطانيون . ولذا اتجهت إلى الفرنسية، لغة جميلة للغاية، وهذا لم يمنعني من تثمين الإنجليزية . وقتما كنت طالبا، فكرت أن أكون مواطناً إنجليزياً كاملاً، حتى وإن حملت حرف (السي C)، "قنصلي"، الذي يعني أن ميلادي تم إعلانه في القنصلية . أقمت في بريستول ولندن الذي أمضيت فيهما سنوات عدة . ثم، واتتني الرغبة بالعودة إلى فرنسا . أخيراً، لم تكن هويتي "شقية: وإنما متعددة، مثلما لدى كثير من الناس" .
* في جزيرة موريشيوس، هل من الممكن بالتالي الكلام عن مجتمع متعدد الثقافات؟
- الجزيرة متعددة الثقافات منذ فترة طويلة، بما أن مختلف الجماعات تعيش عليها منذ القرن السابع عشر، حينما استولى الهولنديون عليها وجلبوا إليها العبيد من إفريقيا ومالاغاش . وبعد ذاك، احتلها الفرنسيون، وجلبوا إليها عبيداً جدداً، ثم الإنجليز برفقة الهنود الهندوس والمسلمين، من دون نسيان قدوم الصينيين . هذه التعددية طبقت بشيء من التسامح، إلى حد أن الإنجليز شجعوا تعدد الثقافات بوضع قوانين تحترم أديان ولغات كل جماعة . في الجزيرة، في كل حي، ومن وقت إلى آخر، تسمع أجراس الكنائس تدق، الصنوج ترن في معبد تاميلي، أو الآذان بصوت المؤذن، ولذا تكون مستعداً للتعايش مع أناس مختلفين . وبذلك، بصرياً، تجد في الشوارع أناساً من بشرات مختلفة الألوان، أساليب كثيرة للكلام، قواعد حياة متباينة، مطابخ خاصة . وهذا يؤدي إلى الاهتمام بكل الناس . ولكن لا يتعلق الأمر بعيش الناس فقط جنباً إلى جنب، فالتعايش، في هذه الظروف، يتضمن فهما لكل ما يهين الآخر .
* كنت على وشك القيام بالخدمة العسكرية في الجزائر، خلال الحرب الكولونيالية . كيف عشتها؟
- عرفت النظام الكولونيالي . في جزيرة موريشيوس، هناك نخبة أوروبية صغيرة، من أصل فرنسي على وجه الخصوص، عملت طويلاً على الحفاظ على امتيازاتها، وهي تراقب كافة الأعمال وتحمل شيئاً من الاهتمام بالشعوب الأخرى التي تحيا على هذه الجزيرة، بل وإلى حد ما بثقافتها . رأيت الوضعية في الجزائر كامتداد لمثيلتها في موريشيوس . كنت قلقاً من إرسالي إلى هناك بعد الثانوية . زميل لي، رسب في الثانوية، توفي بعد أربعة أيام من تطوعه . قال لي والدي: "لا تستطيع أن تذهب لكي تقاتل الناس الذين يطالبون بالاستقلال" . أراد أن أتنازل عن الجنسية الفرنسية وطالبني بقراءة الصحف الإنجليزية التي لا تجامل فرنسا . كانت خالتي، التي تعمل في البحرية الوطنية في المغرب، توافينا بوثائق رهيبة عن مصائب الجيش الفرنسي . كنت وأخي نعلم جيداً، في تلك السن، بأن الأمر يتعلق بحرب ضروس، دمرت قرى، ومورست حالات تعذيب كثيرة، بينما كان كثير من الفرنسيين يؤمن بالدور النهضوي للجمهورية . ظلت هذه الحرب مرض فرنسا الطفولي . وهذا المرض يتأسس على أن هذه الشعوب غير ناضجة حتى تطالب بالاستقلال وعليها أن تدين بهويتها ومصيرها للقوة الكولونيالية الوحيدة .
* في آخر الأمر، أديت خدمتك العسكرية بالتجوال حول العالم، مكتشفاً ثقافات جديدة .
- خلال فترة دوغول، كان من الممكن أن يقوم المرء بخدمته العسكرية في إطار التعاون الثقافي . طلبت الذهاب إلى الصين، بيد أنهم أرسلوني إلى تايلاند . وبعدها إلى المكسيك . أشكر فرنسا على انفتاحها على العالم، الذي منحني هذه الإمكانات . في المكسيك، عرفت صدمة حضارية كبيرة . قابلت المؤرخ "جون ماير" الذي أصبح فيما بعد صديقاً عزيزاً . بفضله، اهتممت بتاريخ المكسيك والحضارات الوطنية . قرأت مدوني الأخبار الإسبانيين خلال القرون السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر، وشغفت بالميتولوجيات الهندية، وشرائع الأزتيك والمايا، وترجمت "نبوءات شيلام بالام" (غاليمار 1976) . حينما كنت أستقل المترو في المكسيك، أجد الهنود حولي، يتبادلون الأحاديث بلغتهم، بملابسهم المميزة . أفهم أن جميع هذه الثقافات، المدمرة والمحتقرة، تقاوم، تتعايش، وتلك الظاهرة جعلت من المكسيك مجتمعا متعدد الثقافات على الدوام .
* في السبعينات، التقيت بهنود "هويشول"، الذين قمت بالدفاع عنهم في عام ،2012 فاضحاً مشروعاً منجمياً يهدد أراضيهم .
- وددت أن أتعرف إلى هذه الشعوب، وأعرفها، وقتما قيل عنها إنها متخلفة، عقبة أمام التقدم، طبقة دنيا . شاركت في احتفالات عيد الفصح لدى هنود "الهويشول" في سلسلة جبال سييرا مادري، احتسيت معهم حساء "البيتول" (نبات صباري)، شاركت في هذه الطقوس حيث يقوم الناس بجرح ألسنتهم بشوكة صبار لكي ينشروا دمهم على الأرض ويخصبونها . بفضلهم، جددت الصلات مع ورع ديني عرفته في طفولتي، وفهمت كيف أن جزءاً خفياً من الإنسانية حط قدره في عالمنا الغربي . حتى إن الثوريين، مناضلي العالم الثالث يحتقرون هذه الشعوب، أفكر في ريجيس دوبري، في شي غيفارا، اللذين لم ينشغلا أبداً بمعرفة كيف يعيش الهنود، ما هي أساطيرهم، عاداتهم، وأخذا يتهمونهم بالظلامية . في كتابي "الحلم المكسيكي أو الفكر المقطوع" (سلسلة فوليو، 1988)، سعيت إلى تخيل مصير الحضارة المكسيكية إذا لم يكن الإسبان تركوها على حالها .
* حسب وجهة نظرك، لدينا الكثير لكي نتعلمه من هذه الحضارات الهندية . .
- في المكسيك، صادقت طالب طب يرحل بانتظام للدراسة لدى معالجي "بورخوس" في إقليم شياباس . بتشجيع من الجامعة، درس وصفاتهم عن الأعشاب الطبية، علاجهم، تقنياتهم النفسية المؤسسة على التطابق مع الغير والاقناع .
* تريد القول إن فرنسا لم تنظر إلى الأفارقة والمغاربة كحاملي حضارة حقيقية؟
- يرى كثير من المفكرين الفرنسيين، على أعتبار انهم ورثة التقاليد الثقافية الأحادية، أنها تقاليد عالمية، جمهورية، مؤسسة على تعلم الفرنسية، تاريخ فرنسا واحترام حقوق الإنسان . ومع ذلك، حينما تأسست الجمهورية، كان من الممكن اختيار الفيدرالية، احترام الهويات الإقليمية، لغاتها، تقاليدها، مثلما جرى في إسبانيا . كان من الممكن تخيل دستور أكثر مرونة، متعدد الثقافات . ولكن المركزية والتشدد ترسخا . حتى إن الإرادة العالمية وجهت الكولونيالية . حينما نقرأ نصوص هذا العصر، نرى وجود مشروع إقامة جمهورية ممدنة تعمل على جلب حضارتنا إلى الهمج الجهلاء والطفوليين، الذين بحاجة إلى العناية بهم . من دون نفي المساهمات الثقافية والعلمية الفرنسية في المغرب، علينا أن نذكر أن بلداً ما فرض قوانينه ولغته وأزياءه بقوة القانون على الشعوب، ولذلك نجد أن الإجبار يجعلها شعوباً ضعيفة . لا ننسى أن مئات الآلاف من الجزائريين قتلوا خلال حرب الجزائر . حتى اليوم، لم تهضم فرنسا هذه الحرب . يرى بعض الفرنسيين أن جميع المهاجرين وأبنائهم تنقصهم الثقافة، غير مهذبين، أو مسلمين قصيري النظر، ومن الصعب التعايش معهم .
* كيف تجهز الجمهورية مجتمعاً متعدد الثقافة ومتعدد العقائد لا ينكر أسسها العلمانية واحترام حقوق الانسان؟
- ليس لدي أي وصفة . ربما من اللازم العمل مثل بوليفيا . الرئيس ايفو موراليس عدل الدستور، واعترف بالقوميات الوطنية ورسم لغاتها التي كانت ممنوعة في المدارس والإدارة . دافع عن الوضع "المتعدد القوميات" و"المتعدد اللغات" . في بوليفيا اليوم، منذ المدارس الابتدائية، يتعلم كل تلميذ ثلاث لغات: الإسبانية، ولغته الأمومية - سواء كانت الآيمارا أو الكوشوا - ولغة أخرى للانفتاح على العالم . نرى جيداً أن هذه التعددية للغات تسهل التبادل "الثقافي" بين مختلف الطوائف، بين سكان المدن والريف، وكذا مع الغرباء .
جون - ماري غوستاف لوكليزيو، الحائز جائزة نوبل في ،2008 ولد في مدينة نيس عام ،1940 حائز الجنسيتين الفرنسية والموريشيوسية . سافر كثيراً، وانشغل بالثقافات الهندو -أمريكية، وحكى بطريقته الصحراء الغربية، التي مكث بعض الوقت فيها اثر زواجه من امرأة مغربية وله رواية بعنوان "صحراء" .
في هذا الحوار، الذي نشرته "الليموند الفرنسية" مؤخراً يحدثنا عن تعددية الثقافات، المذمومة اليوم .
* من خلال سيرتك الشخصية، تعتبر متعدد الثقافات بالميلاد، هل يمكنك محادثتنا عن هذا الشأن؟
- ولدت في فرنسا عام 1940 لعائلة من أصل بروتاني (إقليم فرنسي) هاجرت إلى جزرموريشيوس ولذلك أنا فرنسي، ولكن بالتأثير . والدي موريشيوسي، وبالتالي بريطاني . من الضروري أن يفهم المرء أن موريشيوس عرفت حالة من الشيزوفرينيا، إذ تم استعمارها في عام 1715 من قبل فرنسا، وبعدها من قبل الإنجليز . ولذلك تأرجح عدد كبير من العائلات الموريشيوسية بين من يساندون إنجلترا ومن يقاومونها، دوما كانت النساء اللائي لم يتابعن أي دراسات ينفرن من تبني اللغة الإنجليزية، ما أنتج عائلات غريبة الأطوار: الرجال متحزبون لإنجلترا والنساء متحزبات لفرنسا . ولم تفر عائلتي من هذه الوضعية، ولا أنا .
* وبالتالي كنت بروتانياً (نسبة إلى الإقليم الفرنسي)، وأيضاً موريشيوسيا، ثنائي اللغة تحيا في فرنسا .
- في الواقع، كنت حائزاً الجنسية البريطانية، بينما كانت أمي تحب فرنسا وتتهم إنجلترا بأحط الاتهامات: حرق جان دارك، تدمير الطوافة الفرنسية في المرسى الكبير *(1)، وهلم جرا . وحينما عرفت والدي، وأنا في سن العاشرة، طالبني بمحادثته بالإنجليزية . لم يتوقف عن نقد فرنسا، كان يدافع عن الكولونيالية الإنجليزية، التي يرى أنها تحترم الشعوب أكثر من الفرنسيين، كان تربويا على نمط العسكرية البريطانية، ويوجهنا - أنا وأخي - بعصا خشبية . وفي الوقت نفسه، كان لديه مكتبة إنجليزية، وجدت على أرففها كتب شكسبير، كونراد وديكنز . والدتي، من ناحيتها، ورثت مكتبة كلاسيكية عن والديها، تحتوي على كتب من شاتوبريان إلى آلفونس دوديه . قرأت كثيراً باللغتين . والنتيجة، كنت منقسماً بينهما، مع هوية مركبة، تتغذى على ثقافات عدة .
* هل كانت هذه الهوية "شقية"، باستعارة عنوان إحدى دراسات "آلان فينكلكراوت" الأخيرة؟
- يتبدى لي أن هذا الكتاب أحد أكثر الكتب إثارة للقلق في السنوات الأخيرة . يدافع عن فكر ثقافة وحيدة . على عكس مؤلفه، طرحت على نفسي سؤال الكتابة بالفرنسية أو الإنجليزية بينما أحيا في فرنسا . لأنني، ولكي أثير إعجاب والدي، بدأت بكتابة نصوص بالإنجليزية، ولكن لحسن الحظ أو لسوئه، لا أعرف، رفضها الناشرون البريطانيون . ولذا اتجهت إلى الفرنسية، لغة جميلة للغاية، وهذا لم يمنعني من تثمين الإنجليزية . وقتما كنت طالبا، فكرت أن أكون مواطناً إنجليزياً كاملاً، حتى وإن حملت حرف (السي C)، "قنصلي"، الذي يعني أن ميلادي تم إعلانه في القنصلية . أقمت في بريستول ولندن الذي أمضيت فيهما سنوات عدة . ثم، واتتني الرغبة بالعودة إلى فرنسا . أخيراً، لم تكن هويتي "شقية: وإنما متعددة، مثلما لدى كثير من الناس" .
* في جزيرة موريشيوس، هل من الممكن بالتالي الكلام عن مجتمع متعدد الثقافات؟
- الجزيرة متعددة الثقافات منذ فترة طويلة، بما أن مختلف الجماعات تعيش عليها منذ القرن السابع عشر، حينما استولى الهولنديون عليها وجلبوا إليها العبيد من إفريقيا ومالاغاش . وبعد ذاك، احتلها الفرنسيون، وجلبوا إليها عبيداً جدداً، ثم الإنجليز برفقة الهنود الهندوس والمسلمين، من دون نسيان قدوم الصينيين . هذه التعددية طبقت بشيء من التسامح، إلى حد أن الإنجليز شجعوا تعدد الثقافات بوضع قوانين تحترم أديان ولغات كل جماعة . في الجزيرة، في كل حي، ومن وقت إلى آخر، تسمع أجراس الكنائس تدق، الصنوج ترن في معبد تاميلي، أو الآذان بصوت المؤذن، ولذا تكون مستعداً للتعايش مع أناس مختلفين . وبذلك، بصرياً، تجد في الشوارع أناساً من بشرات مختلفة الألوان، أساليب كثيرة للكلام، قواعد حياة متباينة، مطابخ خاصة . وهذا يؤدي إلى الاهتمام بكل الناس . ولكن لا يتعلق الأمر بعيش الناس فقط جنباً إلى جنب، فالتعايش، في هذه الظروف، يتضمن فهما لكل ما يهين الآخر .
* كنت على وشك القيام بالخدمة العسكرية في الجزائر، خلال الحرب الكولونيالية . كيف عشتها؟
- عرفت النظام الكولونيالي . في جزيرة موريشيوس، هناك نخبة أوروبية صغيرة، من أصل فرنسي على وجه الخصوص، عملت طويلاً على الحفاظ على امتيازاتها، وهي تراقب كافة الأعمال وتحمل شيئاً من الاهتمام بالشعوب الأخرى التي تحيا على هذه الجزيرة، بل وإلى حد ما بثقافتها . رأيت الوضعية في الجزائر كامتداد لمثيلتها في موريشيوس . كنت قلقاً من إرسالي إلى هناك بعد الثانوية . زميل لي، رسب في الثانوية، توفي بعد أربعة أيام من تطوعه . قال لي والدي: "لا تستطيع أن تذهب لكي تقاتل الناس الذين يطالبون بالاستقلال" . أراد أن أتنازل عن الجنسية الفرنسية وطالبني بقراءة الصحف الإنجليزية التي لا تجامل فرنسا . كانت خالتي، التي تعمل في البحرية الوطنية في المغرب، توافينا بوثائق رهيبة عن مصائب الجيش الفرنسي . كنت وأخي نعلم جيداً، في تلك السن، بأن الأمر يتعلق بحرب ضروس، دمرت قرى، ومورست حالات تعذيب كثيرة، بينما كان كثير من الفرنسيين يؤمن بالدور النهضوي للجمهورية . ظلت هذه الحرب مرض فرنسا الطفولي . وهذا المرض يتأسس على أن هذه الشعوب غير ناضجة حتى تطالب بالاستقلال وعليها أن تدين بهويتها ومصيرها للقوة الكولونيالية الوحيدة .
* في آخر الأمر، أديت خدمتك العسكرية بالتجوال حول العالم، مكتشفاً ثقافات جديدة .
- خلال فترة دوغول، كان من الممكن أن يقوم المرء بخدمته العسكرية في إطار التعاون الثقافي . طلبت الذهاب إلى الصين، بيد أنهم أرسلوني إلى تايلاند . وبعدها إلى المكسيك . أشكر فرنسا على انفتاحها على العالم، الذي منحني هذه الإمكانات . في المكسيك، عرفت صدمة حضارية كبيرة . قابلت المؤرخ "جون ماير" الذي أصبح فيما بعد صديقاً عزيزاً . بفضله، اهتممت بتاريخ المكسيك والحضارات الوطنية . قرأت مدوني الأخبار الإسبانيين خلال القرون السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر، وشغفت بالميتولوجيات الهندية، وشرائع الأزتيك والمايا، وترجمت "نبوءات شيلام بالام" (غاليمار 1976) . حينما كنت أستقل المترو في المكسيك، أجد الهنود حولي، يتبادلون الأحاديث بلغتهم، بملابسهم المميزة . أفهم أن جميع هذه الثقافات، المدمرة والمحتقرة، تقاوم، تتعايش، وتلك الظاهرة جعلت من المكسيك مجتمعا متعدد الثقافات على الدوام .
* في السبعينات، التقيت بهنود "هويشول"، الذين قمت بالدفاع عنهم في عام ،2012 فاضحاً مشروعاً منجمياً يهدد أراضيهم .
- وددت أن أتعرف إلى هذه الشعوب، وأعرفها، وقتما قيل عنها إنها متخلفة، عقبة أمام التقدم، طبقة دنيا . شاركت في احتفالات عيد الفصح لدى هنود "الهويشول" في سلسلة جبال سييرا مادري، احتسيت معهم حساء "البيتول" (نبات صباري)، شاركت في هذه الطقوس حيث يقوم الناس بجرح ألسنتهم بشوكة صبار لكي ينشروا دمهم على الأرض ويخصبونها . بفضلهم، جددت الصلات مع ورع ديني عرفته في طفولتي، وفهمت كيف أن جزءاً خفياً من الإنسانية حط قدره في عالمنا الغربي . حتى إن الثوريين، مناضلي العالم الثالث يحتقرون هذه الشعوب، أفكر في ريجيس دوبري، في شي غيفارا، اللذين لم ينشغلا أبداً بمعرفة كيف يعيش الهنود، ما هي أساطيرهم، عاداتهم، وأخذا يتهمونهم بالظلامية . في كتابي "الحلم المكسيكي أو الفكر المقطوع" (سلسلة فوليو، 1988)، سعيت إلى تخيل مصير الحضارة المكسيكية إذا لم يكن الإسبان تركوها على حالها .
* حسب وجهة نظرك، لدينا الكثير لكي نتعلمه من هذه الحضارات الهندية . .
- في المكسيك، صادقت طالب طب يرحل بانتظام للدراسة لدى معالجي "بورخوس" في إقليم شياباس . بتشجيع من الجامعة، درس وصفاتهم عن الأعشاب الطبية، علاجهم، تقنياتهم النفسية المؤسسة على التطابق مع الغير والاقناع .
* تريد القول إن فرنسا لم تنظر إلى الأفارقة والمغاربة كحاملي حضارة حقيقية؟
- يرى كثير من المفكرين الفرنسيين، على أعتبار انهم ورثة التقاليد الثقافية الأحادية، أنها تقاليد عالمية، جمهورية، مؤسسة على تعلم الفرنسية، تاريخ فرنسا واحترام حقوق الإنسان . ومع ذلك، حينما تأسست الجمهورية، كان من الممكن اختيار الفيدرالية، احترام الهويات الإقليمية، لغاتها، تقاليدها، مثلما جرى في إسبانيا . كان من الممكن تخيل دستور أكثر مرونة، متعدد الثقافات . ولكن المركزية والتشدد ترسخا . حتى إن الإرادة العالمية وجهت الكولونيالية . حينما نقرأ نصوص هذا العصر، نرى وجود مشروع إقامة جمهورية ممدنة تعمل على جلب حضارتنا إلى الهمج الجهلاء والطفوليين، الذين بحاجة إلى العناية بهم . من دون نفي المساهمات الثقافية والعلمية الفرنسية في المغرب، علينا أن نذكر أن بلداً ما فرض قوانينه ولغته وأزياءه بقوة القانون على الشعوب، ولذلك نجد أن الإجبار يجعلها شعوباً ضعيفة . لا ننسى أن مئات الآلاف من الجزائريين قتلوا خلال حرب الجزائر . حتى اليوم، لم تهضم فرنسا هذه الحرب . يرى بعض الفرنسيين أن جميع المهاجرين وأبنائهم تنقصهم الثقافة، غير مهذبين، أو مسلمين قصيري النظر، ومن الصعب التعايش معهم .
* كيف تجهز الجمهورية مجتمعاً متعدد الثقافة ومتعدد العقائد لا ينكر أسسها العلمانية واحترام حقوق الانسان؟
- ليس لدي أي وصفة . ربما من اللازم العمل مثل بوليفيا . الرئيس ايفو موراليس عدل الدستور، واعترف بالقوميات الوطنية ورسم لغاتها التي كانت ممنوعة في المدارس والإدارة . دافع عن الوضع "المتعدد القوميات" و"المتعدد اللغات" . في بوليفيا اليوم، منذ المدارس الابتدائية، يتعلم كل تلميذ ثلاث لغات: الإسبانية، ولغته الأمومية - سواء كانت الآيمارا أو الكوشوا - ولغة أخرى للانفتاح على العالم . نرى جيداً أن هذه التعددية للغات تسهل التبادل "الثقافي" بين مختلف الطوائف، بين سكان المدن والريف، وكذا مع الغرباء .
* تشير التسمية إلى الهجوم الذي شنته البحرية البريطانية في 3 يوليو 1940 على سرب للبحرية الفرنسية راس في الميناء العسكري لقاعدة المرسى الكبير (خليج وهران، الجزائر) . وسجل الهجوم 1297 حالة وفاة . كانت المملكة المتحدة قد خشيت من أن تؤدي الهدنة التي وقعتها الحكومة الفرنسية مع ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية إلى وقوع الأسطول في أيدي هتلر، ما يسمح له بالتفوق على البحرية البريطانية، وتهديده لها .
ترجمة: أحمد عثمان