غرس رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفوسنا حب الحلال وكراهية الحرام والخوف منه، وعلمنا كيف نحرص على الحلال الطيب، ونتجنب كل ما فيه شبهة حرام، وأخبرنا في العديد من التوجيهات والوصايا الكريمة أن الحرص على الحلال يجلب لنا رضوان الله عز وجل فضلا عن البركة في الرزق والصحة والولد، وأن اقتراف الحرام يلحق بنا أعظم الضرر في عقيدتنا، وفي حياتنا المعيشية، فالحرام كله مساوئ وخسائر، ويكفي أنه سبب مباشر في فساد الأخلاق وفي عدم استجابة الخالق لدعائنا .

والحلال الذي حثنا رسولنا الكريم على الالتزام به والحرص عليه واضح جليّ، والحرام الذي نهانا عنه كذلك، فقد أوضحت لنا شريعة الإسلام ما هو حلال وما هو حرام . . لكنه صلى الله عليه وسلم بحكمته وحرصه علينا علمنا كيف يكون موقفنا في المنطقة الوسط بين الحلال والحرام .

ومن أبرز التوجيهات النبوية الكريمة في مسألة الحلال والحرام قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: إن الحلال بيّن وإن الحرام بيّن وبينهما متشابهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا إن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب .

هذا الحديث الشريف كما يقول الفقيه الأزهري د .عبد الفتاح الشيخ، الرئيس الأسبق لجامعة الأزهر، عضو هيئة كبار العلماء يناقش قضية الصراع بين الحلال والحرام، وهو في واقع الأمر صراع بين الخير والشر، بين الحق الذي أراده الله لصلاح عباده، والباطل الذي حذر منه كل خلقه، حيث جاءت رسالة السماء بجملة من المبادئ التي يقوم عليها أمر الحلال والحرام فأقام خالق هذا الكون ومنظم شؤونه الموازين بالقسط، وأعاد العدل والتوازن في كل ما يحل وما يحرم، وبذلك كانت أمة الإسلام أمة وسطا كما وصفها الله الذي جعلها خير أمة أخرجت للناس .

وأول مبدأ قرره الإسلام لتوضيح الخطوط الفاصلة بين الحلال والحرام أن الأصل في ما خلق الله من أشياء ومنافع هو الحل والإباحة، ولا حرام إلا ما ورد نص صحيح وصريح من الشارع بتحريمه .

وعلى ذلك فإن ما لم يرد نص صريح صحيح بحله أو حرمته فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، وواجب المسلم أن يقف عند حدود الحلال والحرام ولا يتجاوزها .

توضيح نبوي

أخبرنا الرسول الصادق الأمين بداية أن الحلال بيّن والحرام بيّن، أي أن كلا من الحلال والحرام قد أبانه وأوضحه الخالق المشرع لعباده في قرآنه وفي ما يوحي إلى نبيه وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وهذه العبارة النبوية الكريمة تؤكد أن الإسلام في جميع تشريعاته واضح لا لبس فيه ولا غموض . ولذلك فإن واجب المسلم كما يوضح د .الشيخ أن يقف عند حدود الحلال والحرام التي جاءت واضحة صريحة، فلا يحوّل الحلال إلى حرام أو العكس .

وقوله صلى الله عليه وسلم: وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس توضيح من رسول الله بأن من رحمة الله بعباده أن أوجد هذه المشتبهات، وهي أمور ليست بواضحة الحل ولا الحرمة، لهذا لا يعرفها كثير من الناس، أما العلماء فيعرفونها ويبينون حكمها إما بنص أو قياس أو استصحاب فإذا تردد الشيء بين الحل والحرمة ولم يكن نصا ولا إجماعا اجتهد فيه المجتهد فألحقه بأحدهما بالدليل الشرعي .

ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام فقد استبرأ لدينه وعرضه . أي استبرأ لدينه من الذم الشرعي ولعرضه من كلام الناس فيه .

وقوله صلى الله عليه وسلم: ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام، أي ساقه فعل ما اشتبه حرمته إلى فعل الحرام المحض أو قارب أن يقع فيه، ومعنى هذا أن من كثرة تعاطيه الشبهات قد يقع في الحرام وإن لم يتعمده، وقد يأثم إن كان في تقصير أو معناه أن من يعتاد التساهل والجرأة على الوقوع في الشبهات جره ذلك إلى الوقوع في الحرام .

احذروا محارم الله

وقوله: كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، فيه تشبيه من يقترف الشبهات براع يرعى ما اشتبه حول أرض حماها الملك لما اشتبه فإنه لا يسلم من أن يرتع فيها .

وقوله صلى الله عليه وسلم: ألا إن لكل ملك حمى الحمى أماكن الرعي الخاصة بماشية الملك والتي لا يسمح بالاقتراب منها فضلا عن الوقوع فيها .

والمراد بمحارمه في قوله: ألا إن حمى الله محارمه، فعل المنهي عنه المحرم كالقتل والسرقة والزنى أو ترك المأمور به الواجب كالصلاة والزكاة والصيام وغيرها . فتلك محارم الله وهي حدوده التي يجب على المسلم الالتزام بها حتى لا يتعرض لغضب الله وسخطه، قال تعالى: ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين .

ولما كانت الأعضاء تابعة للقلب في ما يريد وما لا يريد فقد أكد صلى الله عليه وسلم أنه المضغة التي يترتب عليها صلاح الجسد وفساده فقال: ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب .

يقول العلماء: إن أعظم ما يفسد القلب الجهل الذي يقع فيه الاعتقاد الفاسد والجرأة على الله بانتهاك محارمه، ويكفيه شرفا أنه من بين أعضاء الجسم موضع نظر الرب قال صلى الله عليه وسلم: إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم .

وبعد فإذا كانت فطرة الله في الإنسان هي التي تحفزه على كل ما يصلح شأنه في معاشه ومعاده فقد زوده خالقه بالعقل يميز به بين الحلال والحرام، بين الخير والشر وقدم له الدليل الذي يرشده إلى الحق والعدل والصواب . وهذا الدليل هو ما أشار إليه الله سبحانه بقوله: قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم .

لمصلحة الإنسان

ولأن هدف شريعة الإسلام دائما مصلحة الإنسان والرحمة به والتخفيف عنه، فقد رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم شعار التيسير ودعا المسلمين جميعا في كل عصر وفي كل مكان إلى هذا المنهج السماوي فقال: يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا وأوضح أنه من رحمة الله بالإنسان أنه بيّن له الحلال من الحرام، والطيب من الخبيث، وتكفل سبحانه بشأن التحليل والتحريم عن طريق الوحي الإلهي المعصوم، مصداقا لقوله سبحانه: ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وقامت السنة النبوية الشريفة كمصدر ثان للتشريع بجوار القرآن بتفصيل ما أجمل، وبيان ما يحتاج إلى توضيح، قال تعالى: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم . وقال سبحانه وتعالى على لسان رسوله الكريم: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا .

يقول عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر: الله سبحانه وتعالى لم يحرم على الإنسان شيء إلا وكان في هذا التحريم رحمة به وحماية له من أضرار المحرمات، فالتحريم في الإسلام لا يأتي من باب التضييق والحرمان، ولكن التحريم يتبع الخبث والضرر . . فما كان خالص الضرر فهو حرام، وما كان خالص النفع فهو حلال، وما كان ضرره أكبر من نفعه فهو حرام، وما كان نفعه أكبر فهو حلال، وهذا ما صرح به القرآن الكريم في شأن الخمر والميسر: يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما، وكانت هذه هي المرحلة الأولى لتحريم الخمر والميسر حيث كانا متأصلين في المجتمع الجاهلي، ثم جاء التحريم البات لهما بعد أن مهد الخالق لهذا الأمر حتى لا يواجهه المجتمع الجاهلي بالرفض .

والمسلم في كل الأحوال مطالب شرعا بالاستجابة لما أمر الله سبحانه وتعالى بتجنبه والانصراف عنه، وليس من اللازم أن يكون المسلم على علم تفصيلي بالخبث أو الضرر الذي حرم الله من أجله شيئا من الأشياء، فقد يخفى عليه ما يظهر لغيره، وقد لا ينكشف خبث الشيء في عصر، ويتجلى في عصر لاحق، وعلى المؤمن أن يقول دائما سمعنا وأطعنا .

المنطقة الرمادية

وفي ختام حديثه الشامل الجامع في قضية الحلال والحرام يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلوب التعامل مع الأمور المشتبه فيها، أي التي تقع في المنطقة الرمادية بين الحلال والحرام، فقال: وبينهما متشابهات لا يعلمهن كثير من الناس، أي بين الحلال والحرام أمور مشتبه على حكمها على كثير من الناس فلا يقطعون فيها برأي ولا يقفون على حكمها بالتعيين أتكون من الحلال أم لا؟ والسبب في هذا، أنه قد يظهر ما يبدو دليل حل فيظن المسلم أنها حلال، ودليل حرمة فيظن مسلم آخر أنها حرام .

وهذه الأمور كما يقول الفقيه، د .محمد رأفت عثمان، أستاذ الشريعة الإسلامية، عضو هيئة كبار العلماء ينبغي على المسلم أن يسأل بشأنها الراسخين في العلم الذين أوتوا بصيرة مستنيرة وعقلية علمية راجحة ولديهم القدرة على الجمع بين الأدلة التي ظاهرها التعارض . . حيث يقول الحق سبحانه: ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه، أي لو ردوه إلى أهل العلم الثقات لعرفوا حقيقته الشرعية وما إذا كان حلالا أو حراما .

أما في حالة اختلاف أهل العلم، فعلى المسلم أن يحتاط لدينه فيتوقف عن هذه الأمور، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه . أي أن من حذر من الشبهات وتوقى الاقتراب من مواطنها فقد طلب البراءة وحصل عليها فحافظ على دينه من النقص، وعلى عرضه من الطعن فيه .

ثم يبين رسول الله صلى الله عليه وسلم في نهاية توجيهه الكريم أن من يقترف الأمور المشتبهة، أي من يقع فيها يقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتفع فيه، ذلك أن فعل الشبهات يقرب من الحرام، لأن الكثرة منها تجعل صاحبها يفعل الحرام من دون أن يشعر أو أن كثرة تعاطي الشبهات والتساهل في أمرها تجعل المسلم يجرؤ على الوقوع في الحرام .

ما أحوجنا الآن إلى توجيهات ووصايا رسول الله حتى تستقيم حياتنا على منهج الله، فنستمتع بالحلال الطيب المبارك، ونتجنب كل ما فيه شبهة حرام .