سيف الدولة وكافور الإخشيدي . مشروع لمقال يصب حتماً في مصلحة المتنبي من باب الترويج للشاعر الكبير . الاثنان عرفناهما من خلال شعر المتنبي، وشتان ما بين الاثنين . المتنبي شاعر كلامه العادي شعر وحياته قصيدة، ومتى ما ارتجل فلأن الرأس ممتلئ . ومتى ما امتلأ فاض .

فلا يُخطئنّ أحدهم يوماً في دعوته إلى مدحه وهو غير مؤهل لهذا الشرف . القصائد ستحملها الرياح إلى كل مكان، وكافور في مصر سيعرفه البدوي القح في شبه الجزيرة العربية، فسيف الدولة في حلب ظلّ يخاف من هذا المديح إلى اليوم . كل قصيدة قالها في سيف الدولة، قالها بحب فوصلت، وقال في كافور بكرهٍ فوصلت أيضاً . رغم أن قصائد المتنبي في ذم كافور قليلة قياساً بسيف الدولة، لكن الشتيمة تصل بسرعة، السب مشهور والمدح مغمور . خلق شاعرنا الكبير شخصيات الفرح والسعادة والبهجة في شخص سيف الدولة . نسميها الكوميديا الآن . أما الغضب والسب في كافور فنسميه التراجيديا . الكوميديا مضحكة دائماً وليس لها حدود تختلف عن الحزن في التراجيديا .

الكوميديا معناها ارتياح الوجه والوصول به إلى اللامتناهي من الحركة والاهتزاز . . أن يضحك الوجه فيشرق ويضيء . . أن يضحك فهي عملية شد للوجه تعيد إليه صباه وشبابه . اضحكو تصحوا هذه هي نصيحة المتنبي لكم، لكن الضحية رجل أخذ الملك عنوة قبيح المنظر حتى إن قدميه بلا نعل لكنه يبدو كأنه منتعل . هذه صفات كافور كما أرادها المتنبي وكما سمعناها منه . رجل قبيح يحكم مصر وهذا القبح مادة غنية للسخرية منه . أراد كافور في دعوته المتنبي للذهاب إلى مصر أن يمدحه كحال سيف الدولة، لكن اللسان أبى . مدحه في البداية، ثم ذمه وفضحه . . غاب مديح المتنبي لكافور وبقي هجاؤه .

اختلف الناس في المعنى لكن هناك معنى واحداً فقط أراد المتنبي أن يوصله إلى البشرية وإلى سيف الدولة وإلى كافور وإلى باقي الأمراء والوجهاء . أراد أن يقول إنه شاعر وأحذروا من لسان الشاعر إن مدح أجلس ممدوحه على القمر، وإن ذم وهجا أحرقته ناره المشتعله فاشتهر .

عاشر سيف الدولة ووجد فيه البطولة الغائبة . . هذا البطل في حاجة إلى أبطال يعاونونه في مجده وليكن هو أحدهم بل على رأس القائمة . بطل سيفه لسانه وجواده الحكمة، وإذا أراد أن يصيب أحدهم بلطمة يكفي أن يدحرج بعض الأحرف الصغيرة ومع الوقت تكبر وتضرب . لا يستخدم يده إلا نادراً . أليس جديراً أن يكون محظياً؟

جلس في مجلس سيف الدولة ورأى وتعجب فمدح الأمير وذم كافور، لأنه النقيصة والخساسة والدناءة . ليس هذا حكمي فيه هذا حكم الشاعر:

لا يمسك الموتُ نفساً من نفوسهم

إلا وفي يده من نتنها عُودُ

ماذا جنيت على نفسك وأهلك؟ لو تعرف أمك نهايتك ما ولدتك . يسبك شاعر وتضحك مصر من شعره، وكأنها تقول نحن أهل الضحك جعلتنا سخريه للألسن الحداد . ستسلخ جلودنا بلسانه . . لم أرَبك هكذا . هذا ما قالته والدة كافور لأبنها، وعندما همت أن تغادر قالت له:

ومثلك يؤتى من بلاد بعيدة

ليضحك ربات الحداد البواكيا

هكذا انتهت حالك مهرجاً . . لن أذهب لأعزي أحداً بعد اليوم . فلتة من لسانك قادتك إلى هذه النهاية المحزنة والمضحكة، وأنت الملقب بالأستاذ وتفاخر بالذكاء . قصيدة واحدة كانت تكفي، ضربة واحدة بلسانه فضحتك وأخرى أدمتك .