قال تعالى: «فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره.. ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره»، (سورة الزلزلة).
قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: نزلت «إذا زلزلت الأرض زلزالها» وأبو بكر الصديق - رضي الله عنه - قاعد فبكى أبو بكر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما يبكيك يا أبا بكر؟» قال: أبكاني هذه السورة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أنكم لا تخطئون ولا تذنبون لخلق الله أمة من بعدكم يخطئون، ويذنبون فيغفر لهم».
وقال الشيخ أبو إسحق الحويني: «كلما مرت بي هذه الآية لا أكاد أرى رحمة الله، هل يحاسبنا بالذرة ومثقال الذرة؟ وهل يمكن أن يفلت أحد منا، وكيف يفلت؟ إن حساب الله شديد، ومن نظر إلى عقوبة الله لم يطمع في رحمة الله، ومن نظر في رحمة الله عز وجل لم ينظر قط إلى عقابه، وهكذا يعبد العبد ربه بين الخوف والرجاء».
الميزان الحق
وذكر صاحب «أسباب النزول» قول مقاتل في الآيتين قال: «نزلت في رجلين كان أحدهما يأتيه السائل فيستقل أن يعطيه التمرة والكسرة والجوزة ويقول: ما هذا شيء، وإنما نؤجر على ما نعطي ونحن نحبه، وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير: الكذبة والغيبة والنظرة ويقول: ليس عليَّ من هذا شيء، إنما أوعد الله بالنار على الكبائر، فأنزل الله عز وجل يرغبهم في القليل من الخير، فإنه يوشك أن يكثر، ويحذرهم اليسير من الذنب، فإنه يوشك أن يكثر». (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره) هي إحدى القواعد التي تمثل أصلاً من أصول العدل، وتضع الميزان الحق للجزاء والحساب، جاءت بها سورة الزلزلة، التي بدأت بالحديث عن بعض من أهوال ذلك اليوم العظيم، الذي تشيب لهوله الولدان، وتذكر بيوم الحساب، وتشير إلى أن الحساب على مثقال الذرة إن خيراً وإن شراً، وهي موعظة حسنة لمن يفقه، وفي الحديث أن أعرابياً جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا محمد عظني ولا تطل، فتلا عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - قول الله تعالى: في سورة الزلزلة: (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره)، قال الأعرابي: كفيت، فقال صلى الله عليه وسلم: «فقه الرجل».
«الجامعة الفاذة»
وهذه الآية معدودة من جوامع الكلم، وقد وصفها النبي - صلى الله عليه وسلم - «بالجامعة الفاذة»، فهي جمعت الخير والشر، وفيها الترغيب والترهيب، والحث على الخير والتحذير من الشر، وأن العبد لا يضيع عليه شيء من عمله الصالح، وأن سيئاته سوف يلقاها ويراها، إلا أن يتوب الله عليه، ويعفو عنه، ففي الموطأ: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الحُمر، فقال: «لم ينزل عليّ فيها إلا هذه الآية الجامعة الفاذة: (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره)».
وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: «هذه أحكم آية في القرآن»، وقال الحسن: «قدم صعصعة بن ناجية جد الفرزدق على النبي - صلى الله عليه وسلم - يستقرئ النبي القرآن، فقرأ عليه: (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره)، فقال صعصعة: حسبي فقد انتهت الموعظة لا أبالي ألا أسمع من القرآن غيرها»، وقال كعب الأحبار: لقد أنزل الله على محمد آيتين أحصتا ما في التوراة والإنجيل والزبور والصحف: (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره).
لا اتكال ولا يأس
وفي السنة الصحيحة من الأمثال والقصص ما يبين بجلاء معنى هذه القاعدة العظيمة، فقد جاء في صحيح مسلم قوله صلى الله عليه وسلم: «بينما كلب يطيف بركية (أي بئر) قد كاد يقتله العطش، إذ رأته بغي من بغايا بني «إسرائيل»، فنزعت موقها (خفها) فاستقت له به، فسقته إياه فغفر لها به»، واتفق البخاري ومسلم على الحديث الذي يخبر فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - عن «امرأة دخلت النار في هرة، ربطتها فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض، حتى ماتت هزلاً»، والمقصود ألا يتكل رجل، ولا ييأس رجل، ولا يزهد المؤمن في أي عمل صالح وإن ظنه صغيراً؛ لأنه لا يدري ما العمل الذي يدخله الجنة، وقد أوصانا نبينا - صلى الله عليه وسلم - بذلك، فقال فيما رواه مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه: «لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق».
وعلى هذا الفهم العام لهذه الآية الكريمة، سار الصحابة - رضي الله عنهم - في فهمهم الذي تعلموه من النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن ذلك أن عائشة - رضي الله عنها - جاءها سائل فقالت لجاريتها: «أطعميه»، فوجدت تمرة، فقالت: «أعطيه إياها، فإن فيها مثاقيل ذر إن تُقبلت»، وروي أن عمر رضي الله عنه، أتاه مسكين وفي يده عنقود من عنب فناوله منه حبة وقال: «فيه مثاقيل ذر كثيرة»، وقد روي نحو هذا عن أبي ذر، وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم أجمعين».