كتب: يوسف أبولوز

هذا عالم غربي آخر اعتنق الإسلام، وآمن بثقافته وأخلاقياته وجوهر العلم والحضارة والفكر الذي ينطوي عليه.. إنه المفكر الألماني «ويلفرد هوفمان» الذي درس القرآن الكريم واعتنق الدين الإسلامي في العام 1980 وغير اسمه إلى «مراد هوفمان».
وضع هوفمان عدداً من الكتب بعناوين إسلامية مثل «الإسلام كبديل» و«يوميات ألماني مسلم» لكن اقتباسنا اليوم سيكون من كتابه «الإسلام في الألفية الثالثة- ديانة في صعود» الذي نقله إلى العربية عادل المعلم ويس إبراهيم، وقد صدرت طبعته الأولى في العام 2003 عن مكتبة العبيكان في الرياض.
يقول هوفمان: «.... يستطيع الإسلام أن يثبت بالدليل القاطع مساهمته في تطور الحضارة الأوروبية، وما توصلت إليه من إنجازات، فتأثيره أعمق وأبلغ من اليهودية، ويكاد يتساوى مع تأثير الحضارة الإغريقية والهلينية، ونحن لسنا بصدد أن نثبت مثل زيغريد هونكه أن شمس العرب تسطع على الغرب، ولكنني أدعو القارئ الغربي إلى أن يتذكر أن نظام الأرقام الذي يستخدمه (بما فيه الرقم صفر) أنجزه عالم رياضيات مسلم، وكذلك معرفته لفلسفة أرسطو إنما يرجع الفضل فيها للمسلمين، ذلك وغيره كثير، وهكذا يصبح الحديث عن أوروبا المسيحية- الرومانية وحضارتها الغربية اليهودية المسيحية غير علمي أو موضوعي، وإهانة للمسلمين وجحود لفضلهم».

عشرة دوافع

قبل التعليق على هذا النص توصل المفكر والباحث محمد حسن غانم في كتابه «مفكرون غربيون.. لماذا أسلموا» إلى عشرة دوافع وراء ما سماه «اللحظة الباهرة، لحظة التحول، لحظة الاختيار» ويقصد بهذه اللحظة اعتناق الإسلام، ومن هذه الدوافع العشرة بحسب د. غانم أن الإسلام يحترم العقل، ويدعو إلى الالتزام بالمنهج العلمي، ويحترم حرية العقيدة، ويخدم إنسانية الإنسان...إلخ.
من الطبيعي إذاً أن يكون الإسلام قد أسهم إسهاماً كبيراً في الحضارة الأوروبية، وعمل على انتشالها من ظلمات الجهل والوثنية الدينية، والمادية الجافة إلى فضاءات المعرفة والنور عن طريق العقل الحر، واستخدام المنهج العلمي الذي كان منهج علماء ومفكرين وفلاسفة مسلمين تعرفهم الثقافة الغربية جيداً: محمد بن موسى الخوارزمي.. العالم الرياضي الذي اخترع الصفر، وهو عالم فلك أيضاً، وأصول علم الجبر والحساب والفلك التي قام عليها العقل العلمي الأوروبي، وهذا العالم المسلم الذي كانت له أيضاً معرفة في رسم الخرائط وعلم المثلثات.
إننا هنا نعرّف بما هو معرّف في الأصل، ولكن نريد القول، إن الإسلام لم يُختزل في ما هو ديني، روحاني، خشوعي فقط، إنه دين الدنيا والآخرة، دين التشريع والفقه والروح، ولكن الإسلام هو أيضاً دين العلم والمعرفة والفكر والقياس والاجتهاد والحكمة.
إن علماء المسلمين باعتناقهم ديناً يطلق حرية العقل والتفكير هم من أسسوا لفكر علمي له دوره في الاختراعات الحديثة، ونستطيع القول وبلا مبالغة، إن البحث العلمي الذي تصرف عليه الملايين اليوم في مراكز البحوث الغربية إنما يرجع في أصوله إلى مختبرات العلماء المسلمين: جابر بن حيان الذي أرسى قواعد وأسس وأخلاط الكيمياء والأسمائي.. عالم النبات والحيوان، أما الطب الذي ينسب دائماً إلى «أبي قراط» فأعلام المسلمين كانوا كأنهم اجتمعوا على هذا العلم «أي الطب» ابن سينا، ابن النفيس، الرازي، ابن رشد، أبو الريحان البيروني، الكندي وغيرهم.. كان الطب هو العلم القاسم بينهم، وقد تجد فيلسوفاً أو شاعراً أو موسيقياً قد ذهب أيضاً إلى الطب الذي يرتبط في الذاكرة الثقافية العربية بالحكمة، وكان يطلق على الطبيب (الحكيم)، في حين ارتبط الطب بالشعوذة والسحر عند الغرب إلى سنوات طويلة.
صحيح أن حضارات مثل اليونانية والإغريقية والفينيقية والهلينية كانت قد سبقت الحضارة الإسلامية، ولها تأثيرها في العقل الأوروبي تالياً، غير أن خصيصة الإسلام تكمن في تحريره للعقل من الخرافة وتحريره النفس البشرية من الجشع والاستحواذ والأنانية، وتحريره للجسد من سلطة الشهوة، وتحريره للروح من العبودية والكهنوتية وسلطة الرهبنة.
كل ذلك كان كفيلاً بأن نقف أمام دين علم ودين دنيا ودين ثقافة وفكر وفلسفة أكثر شمولية وأكثر عالمية وإنسانية من أي معتقد أو عقيدة مادية نفعية.
إن الرأي الذي يصدر عنه المفكر «مراد هوفمان» لم يأت لكونه اعتنق الإسلام، ويريد الدفاع عنه أو شرحه على مادة من يعتنقون هذا الدين الإنساني الذي يستحق كل ذلك من دفاع وحماية وتقريب للروح الغربية، بل الرجل كما يشير د. محمد حسن غانم اكتسب خبرة في جغرافيات واجتماعيات العالم العربي من خلال عمله دبلوماسياً وسفيراً لألمانيا في بلدان عربية وإسلامية، وزياراته المختلفة لعدد من البلدان الإسلامية.
نضيف إلى ذلك أن هوفمان مثله مثل النخب الفكرية والثقافية والنقدية، كان مر على القامات الغربية الكبرى.. سارتر، نيتشه، فرويد، ماركس، وغيرهم من رموز الفلسفات المادية والوجودية والوضعية، الأمر الذي فتح أمامه المجال العلمي والنقدي لكي يقارن بين الإرث الثقافي الفلسفي الديني في الغرب، وبين الإسلام الذي كان خياره الروحي والثقافي والديني الأخير.
هنا نعود ونذكر أن الفلاسفة المسلمين (وفي إطار قراءة فكر الآخر لتكوين رؤية نقدية مقارنة) قد قرأوا، بل شرحوا أرسطو، وسقراط، وأفلاطون، باعتبار أنهم أعمدة الفلسفة اليونانية، وقرأوا أمهات الكتب المرجعية عند الأوروبيين والغرب، وقد ساعدت دار الحكمة (مشروع المأمون الترجماني العظيم) في نقل هذا التراث إلى العربية، غير أن الثقافات والحضارات تشبه طرق الأوتوستراد أحياناً، فالغرب الذي أخذنا عنه يعود هو ويأخذ عنا، يدخل إلى آفاق النور والمعرفة والابتكار والاختراع، ونذهب نحن إلى السبات.
يقرر هوفمان في ضوء ذلك أن وجود الإسلام وحضوره حقيقة لا نقاش فيها، ويضيف «بل هو كذلك وجود مسوغ، فالإسلام له كل الحق في الوجود».
وفي مكان آخر يقول «إذا تعاملنا مع الإسلام بالمعيار الأساسي للتنوير، وهو العقلانية، لأثبت الإسلام أنه مهيأ تماماً ليتماشى مع التنوير».
وهذا جزء يسير من خلاصات مراد هوفمان الذي اقتنع بالإسلام من داخله (أي من خلال قراءة القرآن)، كما اقتنع بالإسلام من خارجه (أي من خلال رؤيته المقارنة مع الأديان الأخرى، والإيديولوجيات والعقائد الفكرية والسياسية الأخرى).
إن إنجازات الحضارة الغربية ذات جذور أو مرجعيات ثقافية عربية إسلامية «أو الكثير منها على الأقل»، خصوصاً في ما يتصل بالمنهج العلمي واحترام العقل الذي كما قلنا قبل قليل فتح قلوب وعقول مفكرين غربيين على الإسلام فاعتنقوه بمنهج علمي أيضاً.

صراع التكنولوجيا الحديثة

في تعريفه لمراد هوفمان يقول د. محمد حسن غانم في كتابه «مفكرون غربيون لماذا أسلموا؟» «ولد مراد هوفمان في 6 يوليو/تموز عام 1931 لأسرة كاثوليكية في «اشافينبرج» في ألمانيا، وأمضى سنواته الأولى معاصراً للحرب العالمية الثانية، فشاهد ويلات الحرب وصراع التكنولوجيا الحديثة وانهيار القيم الإنسانية. وعمل في الخارجية الألمانية، وتخصص في مسائل الدفاع النووي، وعمل سفيراً لبلاده ألمانيا في كل من المغرب والجزائر، ومن مؤلفاته «الإسلام- ترجمة عادل المعلم» و«طريق فلسفي إلى الإسلام» و«دور الفلسفة الإسلامية».
ويرجع مراد هوفمان العداء الأوروبي للإسلام لأسباب عدة منها بحسب د. غانم: الصراع الدموي بين الأوروبيين والمسلمين السياسي والتجاري للسيطرة على البحر المتوسط، ثم عداوة الأوروبيين للإسلام لاعتقادهم أن محمداً ليس نبياً، واعتقادهم بأن الإسلام دين قتال وعدوان، وأنه انتشر بالقوة العسكرية.
فنّد هوفمان هذه الأطروحات التي يروجها عادة بعض المستشرقين بشجاعة فكرية ومواقف مبدئية.
أسس، بحسب الموسوعة الحرة، رابطة محبي الباليه في ميونيخ، وعمل لسنوات طويلة ناقداً لفن الباليه في مجلات متخصصة.
تقول سيرته أيضاً إنه كان منتمياً لشبيبة هتلر عندما كان في التاسعة من عمره.
عمل مديراً لقسم المعلومات في حلف الناتو في بروكسل من عام 1983 إلى 1987.
من دوافعه إلى اعتناق الإسلام كما يقول، ما شاهده في حرب الاستقلال الجزائرية وولعه بالفن الإسلامي.