يعكف بيتر لارسون عالم الصخور الأمريكي في معهد بلاك هيلز للأبحاث الجيولوجية في ساوز داكوتا، ود .فيل مانيننج المحاضر في أبحاث الجيولوجيا في جامعة مانشستر بالمملكة المتحدة، وزميله في الجامعة الكيميائي الجيولوجي روي ووجيلياس، على دراسة حفرية ديناصورية داخل حجرة مبطنة بالرصاص في معامل جامعة ستانفورد بكاليفورنيا . وكان البرنامج يتضمن أن يجري العلماء الثلاثة بعض التعديلات ثم يغادروا المكان .
يصعد بيتر وفيل فوق آله تعمل بمحرك صغير ليصلا إلى سطح الحفرية، بينما يسلط روي أشعة إكس على سطحها، في مشهد يذكرنا بمحاولة فيكتور فرانكينشتاين، الشخصية الأسطورية بطل رواية ماري شيلي، الذي درس التفاعلات الكيميائية وكيفية تحلل الكائنات الحية، فحاول بما كان لديه من فطنة وبصيرة نافذة استعادة الحياة في ما عرف باسم شبح فرانكينشتاين .
ويعد المشروع الذي تبناه العلماء الثلاثة أحد التحديات التي تواجه الاعتقاد القائل بأنه عندما يموت الحيوان ويتحول إلى حفرية فإن كل ما به من مواد عضوية من الدم إلى العظام يختفي تماماً .
ونجح الفريق الثلاثي في العثور على مواد كيميائية في حفرية لطائر يعود إلى 145 مليون سنة، ويعتقدون أنها كانت موجودة بالفعل في الطائر الحي . وأوردت جماعة أخرى من العلماء أنها وجدت بروتينات وأوعية دموية داخل عظام ديناصورية وأثار مواد صبغية في ريش يعود إلى 108 ملايين سنة .
وبالرغم من الجدل الكبير حول هذه التصريحات، فإنه إذا ثبت صحتها فسوف تغير من مفاهيمنا تجاه أشكال الحياة في الماضي البعيد .
يقول باتريك هور، من جامعة دبلن في إيرلندا، إن البحث سوف يسهم أيضاً في تحديد أماكن طبقات من التربة لم تعرف من قبل طمرت تحتها حفريات، مثل جبال روكي الكندية في كولومبيا البريطانية التي عثر فيها على حفريات يعود تاريخها إلى 450 مليون سنة في منتصف العصر الكمبري، وتتميز المنطقة بحفريات لحيوانات متنوعة ذات هياكل ملساء واكتشفها في 1909 تشارلز والكوت وصنفت موقعاً أثرياً عالمياً، وأماكن طينية رطبة في الصين عثر فيها على حفريات لديناصورات ذات ريش . وكان لاكتشاف الموقعين الفضل في تفسير الكثير من الأسرار حول عملية النشوء والتطور .
ويعثر المستكشفون على مواقع مثل هذه بالصدفة البحتة، إلا أنه كلما تعمق فهمنا للظروف التي أوجدتها زادت فرص العثور على أماكن مماثلة .
وعكف علماء الحفريات لسنوات طويلة على دراسة عملية التحجر (تحول الكائن الميت إلى حفرية) وهو من المجالات العلمية المعروفة باسم تافونومي ويهتم بدراسة الظروف التي تؤدي إلى تحول الكائنات إلى حفريات . وتمر هذه الدراسة بعدة مراحل تبدأ بمراقبة ما يؤول إليه مصير الحيوانات النافقة واكتشاف ما يحدث للمادة العضوية فيها . وفي معظم الأحيان، لا يعثر الباحثون على أنسجة الحيوان النافق الناعمة، إما لأنها تحللت أو أن أزالها عمال النظافة أو التهمتها الحيوانات الجارحة مخلفة وراءها أشلاء من العظام والأسنان المتناثرة والتي لو تحولت إلى حفريات فإنها تتحول إلى مادة معدنية بينما تتحول المادة العضوية إلى مواد صخرية .
وكثيراً ماتظهر الطبيعة كرمها تجاه العلماء والمستكشفين، فتحتفظ لهم عبر ملايين السنين بتفاصيل دقيقة حول الأنسجة المرنة والملساء للحيوانات الميتة .
الحفريات التي عثر عليها في جبال روكي الكندية مثلاً كانت دفنت بسرعة تحت تربة ينقصها الأكسجين، مما ساعد على تحول الأنسجة المرنة الملساء إلى حفريات احتفظت بتفاصيل عالية الدقة والوضوح، وتكونت حفريات الديناصورات الأم مثل التي عثر عليها في داكوتا، وهي ديناصورات ذات منقار شبيه بمنقار البطة المعروف باسم إدمونتوصورز، تكونت عندما دفنت الحيوانات سميكة الجلد بسرعة في الرمال الناعمة في قيعان الأنهار، فتركت بصمات مطبوعة للجلد في الرمال قبل أن تتحلل الأنسجة . كما عثر العلماء على بصمات لريش الديناصور أركايوبتيريكس في رواسب الجير الناعم أسفل إحدى البحيرات الراكدة في الصين، التي تحولت إلى حفريات انطمرت تحت الطمي الأملس وتحت طبقات الرماد البركاني الذي استقر في قاع البحيرات منذ 125 مليون سنة .
وحتى هذه الظروف الاستثنائية لم تنجح في الاحتفاظ بالمادة العضوية الأساسية، فكانت الحفريات التي عثر عليها في الصين مغطاة بطبقة رقيقة سوداء من الكربون، التي اعتقد أنها بقايا بكتريا التهمت الأنسجة المرنة قبل دفنها تحت الصخور، ولم يقدم المستكشفون دليلاً مقنعاً على أن المادة الأساسية العضوية المرنة تعود إلى ماقبل العصر الجليدي، ولم يكن سبب ذلك عدم المحاولة .
وليس هناك أهم من الحامض النووي بالنسبة للمستكشفين، لقدرته على كشف الكثير من أسرار الحيوانات المنقرضة وعلاقاتها بتلك التي مازالت على قيد الحياة .
وعرض في العام 1933 فيلم عن حديقة الديناصورات جوراسيك بارك الذي حفز الكثيرين للبحث عن الحامض النووي للديناصورات، وبعد عام من عرض الفيلم قال سكوت وودوارد، من جامعة بريجهام في بروفو بولاية أوتاه الأمريكية، إنه عثر على الحامض النووي في حفرية عظام ديناصور يعود إلى 80 مليون سنة، ونشر تقريره في مجلة العلوم، بيد أن هذا الحامض النووي كان تعرض للتلوث عندما طالت الحفرية أيد بشرية . ومنذ ذلك الحين شهدت التكنولوجيا تقدماً هائلاً فأمكن استخلاص الحامض النووي من الماموث، ومن عظام إنسان نياندرتال ومن دب الكهوف المنقرض ووضعه في ترتيب تسلسلي، وبالرغم من هذا ظل الحصول على الحامض النووي من الديناصورات ضرباً من الخيال، فالحامض النووي يفسد بسرعة بعكس البروتينات ولا الأنسجة اللينة الأخرى، ولايعتقد أحد أنه بالإمكان الحصول على حامض نووي لحيوان نفق منذ مليون سنة .
وليس الحامض النووي هو العقبة الوحيدة، فالجدل الذي أثير حول إمكانية الحصول على حامض نووي من حفريات ديناصورية جعل ماري شويتزر التي كانت آنذاك طالبة في جامعة مونتانا في بوزيمان تنشر تقريراً بعد مرور سنوات عشر ذكرت فيه أنها تمكنت من استخلاص أنسجة مرنة ولينة من عظمة ساق التيرانوصور ريكس الذي يعود إلى 68 مليون سنة، وقالت إن هذه الأنسجة كانت أوعية دموية .
واكتشف هذا التيرانوصور في كانيون في أقاصي الجنوب من داكوتا في 2002 فريق من المستكشفين من متحف روكيز . وكانت عظام الفخذ سليمة ولكن لثقل وزنها لم يتمكن الفريق من نقلها كقطعة واحدة، فقاموا بتجزئتها، ففوجئ الفريق بأن داخل العظمة كان أجوف، بالرغم من أن حفريات العظام تكون دائماً محشوة بالمواد المعدنية . وقام الفريق بأخذ عينات منها وإرسالها إلى شويتزر لتحليلها، فوضعت شويتزر العينات في محلول لإذابة ما بها من مركبات الكالسيوم، فتبقى لديها نسيج مرن قالت إنه أوعية دموية .
وشكك الكثيرون في ما قالته شويتزر، بسبب عمر الحفرية البالغ القدم كما قال ديريك بريجز من جامعة ييل . كما قال توم كاي من جامعة واشنطن في سياتل إنها ربما تكون قد عثرت على بيوفيلم (مجموعة من الكائنات الحية المجهرية التي تلتصق ببعضها البعض للبقاء على قيد الحياة) خلفته وراءها بكتريا تغذت على الحيوان النافق .
وفي 2007 انتقلت شويتزر إلى جامعة نورث كارولينا وأورد زملاؤها أن عظام التيرانوصور ريكس احتوت على بروتين الكولاجين، وهو عنصر رئيس في أنسجة الحيوان الترابطية، وكان العثور عليه أهم بكثير من البروتين الذي وجده العلماء من قبل في حفرية حيوان الماستودون (حيوان بائد يشبه الفيل)، ويعود إلى 600 ألف سنة .
وبالرغم من عدم إمكانية حفظ بروتين الديناصورات، إلا أن العثور على الكولاجين دحض فكرة البيوفيلم، فالميكروبات لاتصنع الكولاجين حسبما قالت شويتزر، وعليه فان البيوفيلم جاء من الديناصور . وبينت أيضاً أن أجساماً مضادة لكولاجين الدجاج تفاعلت مع العينات التي توقع أنها لطيور منحدرة من ديناصورات . وعزز زميلها جون أسارا من جامعة هارفارد الطبية نظرياتها بعدما نجح في تحليل سلسلة أجزاء من بروتين ووجدها مماثلة لأجزاء من كولاجين عينات حية، منها الطيور .
وفي 2009 نجحت شويتزر وفريقها في استخلاص الكولاجين، والهيموجلوبين، والالاستين واللامنين، ومركبات تشبه الخلايا الدموية والعظمية، من عظمة ساق براتشيلوفوصور الذي يعود تاريخه إلى 80 مليون سنة . وتختلف هذه البروتينات من عينة لأخرى، لذا فإن ترتيبها يمكن أن يؤدي إلى اكتشاف العلاقة بين الديناصور والحيوانات الأخرى .
ووردت تقارير مماثلة حول العثور على نفس الأشياء ليس من داخل العظام فقط . وقال مانينج ووجيلياس إنهما عثرا على أحماض أمينية في مخالب وجلد إدمونتوصورز الذي يعود تاريخه إلى 66 مليون سنة، الذي عثر عليه في داكوتا . كما قالت ماريا نكامارا تلميذة أور إنها عثرت على نخاع داخل العظام المتحجرة للضفادع وللسماندر داخل طبقات في قاع بحيرة أسبانية . والنخاع من أوائل الأنسجة التي تفسد، ولكنها عثرت في الحقيقة على بقايا المادة العضوية التي كانت محتفظة باللون الأصلي وبتركيبة النخاع .
ويقول بريجز إن العلماء نجحوا في تطوير تقنية حديثة تسمى السينكروترون يمكنهم من خلالها النظر داخل الحفرية للكشف عما تحويه من تفاصيل لم تر من قبل .
وتولد السينكروترون أشعة إكس عالية الطاقة تستطيع تفجير الإلكترونات داخل الطبقات الصخرية للحفرية، وعندها تنتشر الإلكترونات الخارجية لتملأ الفجوات الفارغة مما يطلق إشعاعاً تستخدم موجاته الطولية في التعرف إلى الذرة التي انطلق منها .
واستخدم العلماء السينكروترون في دراسة عينة اركايوبتيريكس الموجودة في مركز ديناصورات وايومينج في ثيرموبوليس بالولايات المتحدة، وأظهرت بعض صور أشعة إكس أن العظام وأعمدة الريش غنية بالفوسفور وهو عنصر مهم يوجد في هذه الأجزاء من الطيور الحية، ما يعني أن الحفرية احتفظت ببعض من المادة العضوية الأساسية .
وبالرغم من ذلك فلم تجب التقنيات الحديثة على أسئلة مهمة تتعلق بالديناصورات .