تشكل التجارب القيم والقناعات الشخصية التي تؤطر حياة الانسان في التعامل مع الآخرين ضمن قواعد تلخصها الحكم والأمثال الشعبية التي هي حصيلة تجارب حياتية وتراكم اجتماعي لآلاف المواقف التي تؤدي إلى نتيجة مشابهة في ظروف معينة، وهو ما أدى إلى انتقال هذه الحكم والأمثال عبر الأجيال حتى يومنا. وهناك من استنبط حكماً أخرى جديدة وفقاً لتجربته الخاصة.
إلى أي مدى تمثل الحكم والأمثال مرجعية في حياة شباب اليوم بحيث يستفيدون من أخطاء ونجاحات السابقين؟ وهل يقبل الشباب كل ما ورثناه من حكم وأمثال بلا مراجعة لها، أم يحاولون تفسيرها بشكل آخر عن المعروف؟
في هذا التحقيق نتعرف إلى رؤية مجموعة من الشباب لهذا الموضوع.
يقول حميد إبراهيم، طالب جامعي: حكمتي في الحياة جاءت نتيجة تجارب عملية وليست من تلك الحكم الجاهزة التي يأخذ بها الآخرون لمجرد أن هناك من يمتدحها، وهي اعمل لنفسك قبل أن تعمل لغيرك، وفحواها ان الاهتمام المبالغ فيه بالآخرين يجعلنا ننسى أنفسنا، وبناء الذات يجب ان يكون الأولوية لأننا كثيرا ما نهدر وقتاً وجهداً في محاولة مساعدة أناس ولا نستطيع ويضيف: سابقا كنت أفسر الحكمة الشعبية التي تقول اللهم نفسي بشكل سلبي لأني كنت اعتقد أنها تقودنا إلى مفهوم سلبي في التعامل مع الآخرين وأنها تحض على الأنانية، ومن خلال التجارب اكتشفت الجانب الآخر منها وهي انه من دون بناء الذات أولا فإنه لا يمكننا خدمة أحد بشكل حقيقي، وبالتالي اعمل لنفسك قبل أن تعمل لغيرك تعني في النهاية معرفة كيفية مساعدة الآخرين على نحو أفضل وليس إنكارا لمساعدتهم كما قد يفهمهم البعض.
معاوية عبد الرحمن عجيب (25 عاماً) ويعمل مشرفاً أمنياً في أحد المعاهد الدراسية، يرى انه لا توجد حكمة أو أقوال مأثورة غير صحيحة لأنها جزء لا يتجزأ من منظومة القيم في الحياة، لكن لكل منها زمان ومكان ورجال، ويقول من خلال تجربتي في الحياة اقتنعت تماما أن من لا سند له يسقط على بطنه، وهذه المقولة تعني المعارف الذين يلعبون دورا في نجاح الأشخاص سواء كانوا يستحقون أم لا، وفي مجتمعاتنا العربية لا تزال الكثير من الوظائف تحتاج إلى تزكية ويضيف: تخرجت عام 2005 بتخصص التجارة والاقتصاد، وبدأت البحث عن عمل من دون جدوى مع العلم ان الكثير من عديمي الخبرة وجدوا وظائف لهم في شركات كبيرة، في النهاية وجدت عملا بعد ان لجأت إلى طريقة التزكية من خلال أحد الأشخاص.
ياسر عبد الرحيم (30 عاماً) ويعمل سائقا في قطاع الفندقة، يرى أن الحكم تستخلص من التجارب في الحياة، مشيراً إلى اقتناعه بالحكمة التي تقول صديقك من صدقك وليس من صدّقك، ويقول: الكثير من الأصدقاء الذين كانوا أقرب الناس إلي في يوم من الأيام ابتعدوا عني لمجرد ان حالهم تغيرت نحو الأفضل. ويضيف: هذه الحكمة إعادة تصحيح للحكم الأخرى التي تقال عن الصداقة وتؤكد قيمتها، لكن التجارب تثبت أن الكثير من هذه الحكم بحاجة في مرحلة ما إلى تقنينها بحيث لا ترتد سلباً على الآخذين بها.
حفظ
عمر الطيان (19 عاماً)، وطالب جامعي، يرى أن المدرسة، وخاصة في المرحلة التأسيسية، هي المكان الذي تلقى فيه غالبية الحكم والأقوال المأثورة، ويضيف: كنا نحفظها ونرددها من دون ان نفهم مضمونها، ومع التقدم في السن يصبح لبعض هذه الحكم مكان في الحياة التي تصبح المختبر الحقيقي لمدى صحة هذه الحكمة أو تلك، وفي النهاية قد يجد الانسان نفسه في إطار حكمة واحدة هي كل ما بقيت له. وانا مقتنع تماما بالحكمة التي تقول سياج الدار رجالها وليس حجارتها.
حسن مهفان (26 عاماً) ويعمل في شركة سياحية، يعتبر أن هناك نوعين من الحكم، ويقول: الأولى نتاج تجربتي الشخصية، ومنها مثلاً إذا لم تستطع مساعدة نفسك فلن يساعدك احد، اما الثانية فهي نتاج تجارب أشخاص آخرين عبر التاريخ لكن تجربتهم تصلح لإسقاطها على الواقع الحالي، فالمثل الذي يقول الصديق عند الضيق ينطبق في كل زمان ومكان. ويضيف: ألاحظ في هذه الفترة بروز الحكم والأمثال السلبية أكثر من الايجابية، وحتى الأخيرة تستخدم للتهكم والسخرية في الكثير من الأحيان، وهذا انعكاس لتغير طبيعة الحياة الاجتماعية نتيجة التطور المتسارع وهو ما ترك تأثيراً في الكثير من الأمثال الشعبية.
محمود أبو أسعد (17 عاماً) في الصف الثاني عشر، يقول: حكمتي المفضلة هي قول الشاعر من يتهيب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر، لأن هذا يشجع على المغامرة والنجاح بدلا من الانتظار واجراء الحسابات الدقيقة لكل خطوة ويضيف: يعود الفضل للمدرسة في تعرفي إلى الحكم والأمثال الشعبية، وأشهرها من جد وجد ومن سار على الدرب وصل، أو لكل مجتهد نصيب، وهناك قبل ذلك كله الأحاديث النبوية الشريفة المملوءة بالحكمة والموعظة.
فاطمة المزروعي، كاتبة وقاصة من الامارات، تروي تجربتها مع الحكم والأمثال المفضلة لديها، وتقول: حاليا حكمتي المفضلة إذا لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب، بالطبع هذه الحكمة كنت أسمعها عندما كنت صغيرة، لكن كانت أقوال أخرى تجذبني، وبما أن عالم المدرسة صغير ولا توجد فيها تجارب حياتية كبيرة فإنه لم تكن لدينا اهداف كبيرة، واحتكاكنا يكون من خلال الأمور البسيطة. ومع تقدم الانسان في السن فإن الحكم الجديدة تتشكل لديه كعملية مرافقة لتحقيق الأهداف، وهي غالبا ما تعكس طبيعة المحن التي يمر بها الانسان سواء حقق هدفه أم لا. وتضيف: الحكمة المفضلة مرتبطة بالعمر والبيئة والثقافة، فعندما كنت أدرس في الجامعة تخيلت عالم أفلاطون وتأثرت بالمثالية، وهذا أثر في سلباً كنت أتخيل عالما ليس موجودا ولن يوجد، وضحيت كثيرا من أجل الآخرين، لست نادمة على المساعدة من حيث المبدأ، لكن أحيانا نساعد أشخاصا نكتشف أخيراً أنهم لا يستحقون.
المعلم يغذي القيم
خلدون مروة، يعمل مدرساً للمرحلة الثانوية، يتحدث عن دور المعلم في تغذية القيم الحميدة في نفوس الطلبة وحضهم على الأخذ بالحكم التي ترسخ القيم الاجماعية وتبعدهم عن الفردية والأنانية، باعتبار المدرسة مؤسسة اجتماعية وتعليمية ويرى أن من أهم الأمور التي يتعلمها الطالب من أستاذة السلوك والأخلاق والمعالجة المنطقية للأحداث والمواقف التي يعايشها.
ويقول: هذه المعالجه تقتضي تحلي المعلم مسبقاً بكثير من الحكمة الخبرة والصبر، وعليه ان ينظر لنفسه في كل حركة تصرف وأن يتوخى الاستفادة من كل موقف وان يوظفه في ايصال معلومة أو قيمة سلوكية أو اخلاقية أو عقائديه لنفوس طلابه. ويضيف: كلما ازدادت محبة المعلم في نفوس طلابه، ازداد تأثيره وازداد تقمص الطالب لاخلاقيات وسلوكيات المعلم، وفي هذه السن الخطيرة من التكوين يستطيع الشاب أن يشكل شخصيته ونظرته للحياة من خلال ما يستقيه من الكبار، كل حسب محبته وقربه من نفسه ورغبته في تقمص شخصيته وتقليده. وكثيرة هي الحكم التي تعلمناها من معلمينا في صغرنا ساهمت بشكل أو بآخر في تكوين شخصيتنا.