قال النبي صلى الله عليه وسلم لا حليم إلا ذو عَثْرة، ولا حكيم إلا ذو تجربة فالحليم عظيم الشأن، رفيع المكان، محمود الأمر مرضيّ الفعل والحلم: اسم يقع على ذم النفس عن الخروج عن الورود عليها ضد ما تحب الى ما نهي عنه. فالحلم يشتمل على المعرفة والصبر والأناة والتثبت. ولم يقرن شيء إلى شيء أحسنَ من عفو الى مقدرة. والحلم أجمل ما يكون من المقتدر على الانتقام، وقد قيل: الحلم أرفع من العقل، لأن الله تبارك وتعالى تسمى به. وقد أنشد البغدادي:

ألم تر أن الحلم زَينٌ مسَوّد

لصاحبه والجهل للمرء شائن

فكن دافناً للشر بالخير تسترح

من الهم، إن الخير للشر دافن

وقد حدثنا عمرو بن الحارث أن رجلاً كتب الى أخ له، فقال: اعلم أن الحلم لباسُ العلماء فلا تعرين منه قال أبو حاتم رضي الله عنه: العاقل يلزم الحلم عن الناس كافة فإن صعب ذلك عليه فليتحالم، لأنه يرتقي به الى درجة الحلم وأول الحلم: المعرفة، ثم التثبت، ثم العزم، ثم التصبر، ثم الصبر، ثم الرضا ثم الصمت والإغضاء وما الفضل إلا للمحسن الى المسيء، فأما من أحسن الى المحسن، وحَلِم عمن لم يؤذ فليس ذلك بحلم، ولا إحسان. وذكر عن المازني أنه قال: يا بني لا تجادلن العلماء فتهون عليهم فيرفضوك، ولا تمارين السفهاء فيجهلوا عليك ويشتموك، فإنه يلحق بالعلماء من صبر ورأى رأيهم، وينجو من السفهاء من صمت وسكت عنهم ولا تحسبن أنك إذا ماريت الفقيه إلا زدته غيظاً دائباً عليك ولا تحمينّ من قليل تسمعه فيوقعك في كثير تكرهه، ولا تفضح نفسك لتشفي غيظك، فإن جهل عليك جاهل فلينفعن إياك حلمُك وإنك إذا لم تحسن حتى يحسن إليك فما أجرك وما فضلك على غيرك؟ فإذا أردت الأجر والفضيلة فأحسن إلى من أساء إليك، واعف عمن ظلمك، وانفع من لم ينفعك، وانتظر ثواب ذلك من قبل الله، فإنها الحسنة الكاملة التي لا يريد صاحبها عليها ثواباً في الدنيا. وقد صدق الشاعر حينما قال:

احفظ لسانك إن لقيت مشاتماً

لا تجرينّ مع اللئيم إذا جرى

من يشتري عرض اللئيم بعرضه

يحوي الندامة حين يقبض ما اشترى

وقد ذكر لنا التاريخ مواقف عديدة في الحلم منها ما ذكره ابن المبارك في قوله إنه دعاه عبدالله ابن عون إلى طعامه، فكنا نأكل فجاءت الخادمة ومعها صحفة فعثرت في ثوبها، فسقطت الصحفة، من يدها فقال لها ابن عون: مترس آزادي هذه جملة فارسية معناها: لا تخافي أنت حرة. وقال محمد بن السعدي لابن عروة لما ولّي اليمن: إذا غضبت فانظر إلى السماء فوقك وإلى الأرض تحتك ثم عظّم خالقهما. قال أبوحاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل إذا غضب واحتدّ أن يذكره كثرة حلم الله عنه مع تتابع انتهاكه محارمه وتعديه حرماته ثم يحلم ولا يخرجه غيظه إلى الدخول في أسباب المعاصي. وقال أبوحاتم رضي الله عنه أيضاً: ما ضُمّ شيء إلى شيء هو أحسن من حلم إلى علم وما عدم شيء في شيء هو أوحش من عدم الحلم في العالم ولو كان للحلم أبوان لكان أحدهما العقل والآخر الصبر وربما يُدفع العاقل إلى الوقت بعد الوقت إلى من لا يرضيه عنه الحلم ولا يقنعه عنه الصفح فحينئذ يحتاج إلى سفيه ينتصر له، لأن ترك الحلم في بعض الأوقات من الحلم. وقال المأمون: يحسن بالملوك الحلم عن كل أحد إلا عن ثلاثة: قادح في ملك، أو مذيع لسر، أو متعرض لحرمة. وقيل أيضاً عن الحلم انه على ضربين أحدهما: ما يرد على النفس من قضاء الله من المصائب التي امتحن الله بها عباده فيصبر العاقل تحت ورودها ويحلم عن الخروج إلا ما لا يليق بأهل العقل، والآخر: ما يرد على النفس بضد ما تشتهيه من المخلوقين فمن تعوّد الحلم فليس بمحتاج إلى التصبر لاستواء العدم والوجود عنده.

ومن أجمل ما ذكر في الحلم عن امرأة بالبصرة متعبدة تصيبها المصائب فيذكر من صبرها حتى أصابتها مصيبة موجعة فصبرت، فذكرت ذلك لها فقالت: ما من مصيبة تصيبني فأذكر معها النار إلا صارت في عيني مثل التراب. وصدق الشاعر في قوله بين الحلم والجهل حين قال:

إذا كنت بين الحلم والجهل قاعداً وخيّرت أنى شئت فالحلم أفضل

ولكن إذا أنصفت من ليس منصفاً ولم يرض منك الحلم فالجهل أفضل.

[email protected]