الحياة الزوجية ليست وردية على الدوام كما يتخيل بعض المقبلين على الزواج ولكنها مهما بلغت درجة الحب والود والعشرة بالمعروف لا تخلو من الخلافات والمشكلات التي تؤثر مباشرة في العلاقة بين الزوجين كما تؤثر في الأبناء، والخلافات مهما صغرت أو كبرت فإن حلولها تكون في البداية بسيطة إذا تم حصرها بين الزوجين فقط . . ولكن تدخل أي طرف ثالث قد يفسد العلاقة المقدسة ويزيد الأمور تعقيداً .

ويؤكد علماء الدين والاجتماع والنفس أنه لابد أن يعرف كل طرف حقوقه وواجباته وأن يتسامح مع شريك حياته بالاحترام المتبادل والطاعة والإحسان، وأن المنهج الإسلامي القويم قد وضع أسساً راسخة تضمن حياة أسرية خالية من المشاكل لأن هذا المنهج يعالج الخلافات قبل وقوعها بل ويضع إطاراً سليماً إذا ما استرشد به الزوجان عندما يدب خلاف بينهما فلن تصل الأمور بينهما إلى طريق مسدود .

في البداية تؤكد الدكتورة عفاف النجار أستاذة الشريعة وعميدة كلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر أن الإسلام الحنيف وضع أسساً ثابتة لقيام الحياة الزوجية السعيدة الخالية من المشكلات، لكن قد تحول سلوكيات أو مشاعر من جانب الزوج أو الزوجة من دون تحقيق هذا الهدف النبيل الذي يسعى إليه الإسلام من تكوين الأسرة، فيحدث الشقاق ويغيب التفاهم والوفاق وفي هذه الحالة لابد من علاج حاسم لهذه الخلافات حتى يعود الهدوء والاستقرار إلى الأسرة، فالنشوز وكثرة الخلاف ظاهرة غير صحية في الحياة العائلية .

وتضيف: وحتى تستقيم العلاقة بين الزوجين منح الإسلام الزوج حق التأديب في حالة النشوز، فإذا خرجت الزوجة عن طاعته كأن تمتنع عن حقوقه الشرعية أو خرجت من دون إذن منه أو تركت حقوق الله تعالى فإن الزوج حينئذ من حقه تأديبها، ويبين الإسلام كيف يكون ذلك فيقول الحق سبحانه وتعالى: واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا .

لكن بعض الزوجات ينكرن هذا الحق للزوج ويعتبرن ذلك تعدياً على كرامتهن وحقوقهن وكذلك فإن كثيراً من الأزواج لا يمارسون هذا الحق كما بينه وفصله القرآن الكريم، فيبدأ الزوج بالهجر القاسي أو الضرب المبرح ويتصور أنه بذلك يُقَوم زوجته .

وفي المقابل كما تقول الدكتورة عفاف النجار أساء بعض الرجال استخدام حق القوامة فظنوه مطلقاً وحكماً دكتاتورياً وطاعة مسلمة ففهموا الأحاديث الواردة في طاعة المرأة لزوجها فهماً غير صحيح حيث فهموا من قوله صلى الله عليه وسلم: لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها إنه يأمر المرأة بالخضوع المطلق لزوجها مع أنه يمنع المرأة من الخضوع والذلة إلا لله والحديث النبوي لا يقصد أن تتحول المرأة إلى جارية في بيت زوجها .

وترى د . عفاف النجار أن العلاج في الحلول التي جاء بها الإسلام، فعندما تتمرد الزوجة على زوجها وتحاول الإساءة إليه يكون الزوج مطالباً بتطبيق ما أمر به الحق سبحانه وتعالى في قوله: واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً إن الله كان علياً كبيراً، وهذه الآية الكريمة توضح مراتب إصلاح الزوجة في الوعظ والنصح والإرشاد بما يصحح الفكر وينبه العقل ويوقظ الضمير .

ثم الانتقال إلى المرحلة الثانية وهي الهجر في المضاجع فلا يعاشر الرجل زوجته المعاشرة الزوجية ولا يلتقي معها بوجه في الفراش وهذا الأمر شديد على المرأة التي تحترم مشاعرها .

مراحل متلاحقة

أما الدكتور محمد نبيل غنايم أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة فيوضح أنه ينبغي على الزوجين أن يقضيا وقتاً في دراسة وضعهما ومعرفة الأسباب التي تزعج الزوج والأسباب التي تؤلم الزوجة، ويتفقان على تجنب كل واحد منهما ما يغضب الآخر، لكن إذا ما بدأت الخلافات تدب بينهما وبدأت الزوجة تضيع حقوق زوجها فقد قال المولى عز وجل: الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعضٍ وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان علياً كبيرا، وهنا لابد للزوج أن يبدأ في إصلاحها وفقا للمنهج الإسلامي في التعامل مع الخلافات الزوجية .

والوسيلة الأولى أن يعظها فيخوفها مثلاً من عدم رضا الله عنها مبيناً حقه عليها وما أوجبه الله عليها من طاعتها لزوجها وبأن الضرر سيلحقها بسقوط نفقتها ولا يضر بها في البدء .

ويشير د . غنايم إلى أنه لا يجوز للزوج أن ينتقل من مرحلة إلى أخرى بعد لحظات من استخدامها بل إن كل مرحلة يجب أن تأخذ وقتا يمكن فيه للزوجة مراجعة نفسها فتعود إلى رشدها لأنها في أغلب الأحوال تكون حريصة على استمرار حياتها الزوجية وإن كانت تعتريها بعض حالات الاضطراب الفكري والسلوكي لأسباب طبيعية خارجة عن إرادتها فإنها بزوال تلك الأسباب تعود إلى رشدها وتفكيرها السليم وتكتشف الخطأ وتعمل على تخطي العقبات والمشكلات .

أما الوسيلة الثانية والكلام للدكتور غنايم في إصلاح الزوجة المتمردة، وهي الهجر في المضاجع، فتكون بعزل فراشه عن فراشها وترك مباشرتها، لقوله تعالى: واهجروهن في المضاجع والهجر في المضاجع وسيلة فاعلة لمواجهة تمرد الزوجة وعصيانها، فيظهر النشوز منها فيتبين أن النشوز من قلبها، وإن كانت محبة للزوج فذلك يشق عليها فترجع للصلاح .

والهجر غايته عند العلماء شهر، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسر إلى زوجه حفصة بأمر فأفشته إلى عائشة وتظاهرا عليه، كما أن الهجر يعني ترك المضاجعة فقط، لا ترك الكلام معها مطلقاً .

وإذا لم يفيد الهجر ينتقل الزوج إلى الخطوة الثالثة وهي الضرب وهو مجرد تعبير رمزي عن غضب الزوج من زوجنه، وهو ضرب غير مبرح مثل ضرب الأب لابنه والأستاذ لتلميذه، وليس ضرب عدوان أو تشف بل ضرب محبة تصحبه عاطفة المربي، وقد قدر الخالق العليم ببواطن الأمور وأسرار الخلق هذا العلاج، وشرعه القرآن ووضحت السنة النبوية حق المرأة على زوجها قال صلى الله عليه وسلم: يطعمها إذا طعم ويكسوها إذا اكتسى ولا يقبح الوجه ولا يضرب إلا ضرباً غير مبرح ولا يهجرها إلا في المبيت، وعند انتهاء المرأة عن النشوز وحصول طاعتها يحرم ما سبق ويصبح بغيا عليها، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا .

أما في حالة حدوث نشوز وخلاف بين الزوجين فهناك وسيلة أخرى للعلاج يقول الله تعالى: وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما إن الله كان عليماً خبيرا، وذلك عن طريق اختيار كل من الزوجين لحكم من أهله يرتضيه ويكون أميناً راغباً في الخير والإصلاح، ومادام الحكمان من أهل المرأة وأهل الزوج فهما بلا شك حريصان على أسرار البيت الزوجي من التعرض للتشهير، غيوران على سمعة العائلتين، فإذا كان في نفس الزوجين رغبة الإصلاح والخير فإن الله تعالى يوفق الحكمين ويصلحا بين الزوجين .

فرص ذهبية

الدكتور محمد سيد خليل أستاذ علم النفس بجامعة عين شمس يحذر من خطورة إهمال الخلافات بين الزوجين حتى تصل الأمور إلى درجة الشقاق، فأي خلاف لا يعالج في بدايته يهدد الحياة الزوجية ويعرضها للانهيار والتفكك وهناك أنواع من النساء يختلقن المشاكل ويكن السبب الرئيس في الطلاق والخلافات، فالزوجة النكدية كثيراً ما تختلق المشاكل مع زوجها والزوجة المتسلطة التي تحاول السيطرة على زوجها وتجريده من مسؤولياته كزوج، والزوجة التي تهمل واجباتها وترفض الاستجابة للنصائح والتوجيهات هؤلاء الزوجات بسلوكهن يتحملن جزءاً كبيراً من المسؤولية، خاصة أننا نعيش في عصر كله ضغوط نفسية واجتماعية واقتصادية وينبغي على كلا الزوجين أن يعين الآخر على مواجهة هذه الضغوط .

ويشير الدكتور سيد خليل إلى ضرورة أن يقضي الزوجان على الخلافات في مهدها، ويلجآ إلى وسيلة الحوار والتفاهم ولن يحدث ذلك إلا إذا راعى الزوجان عدم تجنب الكلمات الحادة والعبارات العنيفة لأنها تؤدي إلى صدمات وجروح عاطفية . . وألا يلجأ أحدهما إلى الصمت لأن ذلك حل سلبي يؤدي إلى العقد النفسية وضيق الصدر كذلك عدم اتباع أسلوب التهكم والسخرية ولا التشبث بالرأي والإنكار والرفض، وليحذر الزوجان أسلوب التعالي بالنسب أو المال أو الجمال أو الثقافة لأنه أحد الأسباب الرئيسة لانهيار جسور الود ومن الأفضل أن يلجآ إلى محاسبة أنفسهما والاعتراف بالخطأ والاعتذار إذا لزم الأمر لأن ذلك يذيب كل خلاف .

اخلع همومك

الدكتور علي المكاوي أستاذ علم الاجتماع في جامعة القاهرة يبدأ حديثه بنصيحة للأزواج ألا يجعلوا ضغوط الحياة والعمل والمشكلات المادية تنعكس على علاقاتهم الأسرية بالزوجة والأبناء ويجب على الإنسان أن يخلع همومه على باب بيته كما يخلع ملابسه . . ولابد أن يتعامل الزوج مع زوجته وهو خالٍ من أي انفعالات أو توترات حتى ولو كان غاضباً منها، لأن الشدة ومحاولة فرض الرأي على المرأة ستأتي بنتائج وخيمة على الأبناء .

وقبل ذلك كله فإنه ينبغي على الزوجين أن يرضيا بما قسم الله تعالى، وأن يعلم الرجل أنه ليس الوحيد الذي يختلف مع زوجته، لذلك ينبغي التنازل عن بعض الحقوق، لأنه من الصعب جداً أن يضخم كل منهما حقوقه ويطالب بها كلها من دون تنازل .

وأخيراً يرجع الدكتور مكاوي أي خلاف أو عنف بين الزوجين أو داخل الأسرة إلى إهمال وتجاهل القيم المنظمة للعلاقة بين أفراد الأسرة والتي رسمها الإسلام في قواعد متينة لا تزعزعها العواصف ولتضعفها التقلبات .