اتصلت المنشآت المدنية في الإسلام، بوظيفتها الاجتماعية أو الدينية . إذ هناك من هذه المنشآت ما أنشئ لخدمة الناس عامة من أهل المدينة الإسلامية كالحمامات العامة التي كثر انتشارها وانشاؤها في المدينة المنورة اولاً، ثم عمت المدن الإسلامية التي أنشئت على نموذجها وفق تخطيط المدينة الأولى التي أنشأها النبي صلى اللّه عليه وسلم والتي يتعين في وسطها المسجد الجامع ودار الإمارة والسوق، ومن ثم الحمامات . وحول ذلك سكك الأحياء والقبائل . أما وظيفة الحمامات، فهي مرتبطة بدعوة الإسلام للنظافة والتطهر، وبعدم قدرة العامة جميعاً على تضمين منازلهم حمامات خاصة . وبرغبة القادرين على إنشاء هذه الحمامات في وقفها على الانفاق العام .

ونظم الخليفة المنصور انشاءها وما يتصل بذلك من شق الترع والقنوات من دجلة والفرات، لتزويدها بمصادر الماء وقنوات الصرف، وما يصدر عن بنائها من دخان، يتحكم أحياناً في تحديد مواضعها ووحداتها .

حمام المنصور

وكان الحمام الذي أنشأه المنصور إلى جانب المسجد الجامع والسوق، يشتمل معمارياً كما يقول المؤرخون، على مدخل صغير يؤدي إلى ممر منكسر، ينتهي إلى المشلح الذي يشتمل على مواضع لخلع الملابس وحفظها . وبه مجلس معلم الحمّام الذي يأخذ الأجور ويشرف على العمل بالحمام . ويتصل المشلح بالحجرة الأولى من الحمام، وهي التي تسمى الحجرة الباردة أو بيت أول . وهي مزودة بأحواض الماء أو الهواء الساخن الذي يمر عبر أنابيب فخارية بحيطان القاعة، آتية من جهة المستوقد . وتتصل هذه الحجرة بحجرة ثالثة هي بيت النار أو الحجرة الساخنة . وهي مزودة بمغطس يبلغ فيه الماء الساخن أقصى درجة الحرارة التي يمكن أن يتحملها جسم الإنسان . ويقول الأركيولوجيون، إن أرضيات الحجرات في حمام المدينة المدورة، كانت مفروشة بالرخام، ليسهل تنظيفها . كما أن سقوفها كانت معقودة بقباب بها فتحات، تغطيها قطع الزجاج التي تسمح بمرور الضوء فتوفر الإضاءة الطبيعية من دون السماح بمرور الهواء . وغالباً ما يستخدم في بناء الحمامات الآجر والحجر والرخام . وهي مواد تتحمل الماء . وهذا ما جعل هندسة الحمام تتناسب مع مواد بنائه في أداء وظيفة الحمام التي تعتمد على الماء .

وعثر العلماء على موقع المستوقد خلف حمام في بغداد . حيث كان يتم فيه، تسخين الماء في قدور نحاسية كبيرة، وكان الماء والبخار يمران عبر أنابيب فخارية إلى وحدات الحمام المختلفة . كما عثروا على الباب الخلفي للمستوقد، حيث كان يزود بالوقود من حطب وأزبال ونفط .

وحرص الخليفة المنصور في تصميم حمام جامع القصر على طهارة الماء، ما استوجب تصميم أحواض الماء وقنواته بطريقة معينة تكفل ذلك . وقام بتكليف محتسب السوق بالإشراف على العمل داخل الحمام، نظراً لأهمية وضرورة المحافظة على الشروط الإسلامية الفقهية فيه . وقد جعله يخضع خضوعاً تاماً لإشراف المحتسب، بحيث يضمن استمرار العمل فيه ضمن الشروط والقواعد الإسلامية وقيمها بعامة . إذ كان حمام المنصور، يعين أوقات محددة لاستخدامه بواسطة الرجال، كما يعين أوقات محددة أخرى، لاستخدامه من قبل النساء . ثم سرعان ما ألحقت بالمجموعات المعمارية الدينية الضخمة، حمامات خصصت لخدمة أهلها، إضافة إلى خدمة الناس عامة .

إحصاءات المؤرخين

ولقد كثرت الحمامات في بغداد بعد توسعها، كثرة بالغة . فمع نمو مدينة السلام/ بغداد، كانت تزداد الحمامات فيها زيادة عظيمة . وتكشف روايات المؤرخين عن احصاءات عديدة لهذه الحمامات توضح ذلك . فقد أحصى اليعقوبي (ت 282 ه) حمامات بغداد بعشرة آلاف حمام . وأحصاها الصابي (ت 448ه) بستين ألفاً . ويكشف الفارق بين الاحصائين عن الزيادة في عددها انعكاساً لنمو المدينة في ذلك الزمن .

وربطت بعض الاحصاءات بين عدد الحمامات، وبين المساجد في مدينة السلام/ بغداد . إذ ذكر ابن الأثير أن ببغداد ستين ألف حمام بإزاء كل حمام خمسة مساجد . وإذا كانت احصاءات الحمامات في كثير من الأحيان تبدو عليها مسحة المبالغة، فإنها تدل أيضاً على أن الحمامات البغدادية، كانت من المنشآت البارزة بين التكوينات المعمارية لمدينة السلام، خصوصاً إذا قورنت بالكشوف الأثرية للحمامات في بعض المدن الإسلامية الأخرى مثل القاهرة وفاس وقرطبة، وما ورد في وثائق الوقف من أوصاف لهذه الحمامات، باعتبارها من المنشآت الموقوفة على المباني الدينية .

وفي كتاب بغداد لابن أبي طاهر، كما يقول ابن الجوزي في كتابه مناقب بغداد، قال: قال أحمد بن أبي طاهر: ذكر أن عدد الحمامات بها كان ستين ألف حمام . وأقل ما يكون في كل حمام خمسة نفر: حمامي، وقيم وزبال ووقاد وسقاء وذكر أنه بإزاء كل حمام خمسة مساجد، فتكون 300 ألف مسجد . . وقيل : عدت الحمامات ببغداد في أيام المقتدر، فكانت سبعة وعشرين ألف حمام . وعدت في زمن أبي علي بن بويه، فكانت عشرة آلاف حمام . وعدت في زمن عضد الدولة، فكانت خمسة آلاف حمام . ويقال إن معز الدولة البويهي أمر أن تسجل حمامات بغداد، فكانت أربعة آلاف حمام، وذلك في أواسط القرن الرابع الهجري . ومن الحمامات الشهيرة في بغداد والتي وصلتنا تفاصيل بنائها وتصميمها الحمام الذي أنشأه شرف الدين هارون بن شمس الدين محمد الجويني .

وكان لشرف الدين دار على شاطئ دجلة الشرقي . وأقام فيها حماماً متقن الصنعة حسن البناء، كثير الأضواء . واتخذت له أنابيب من الفضة المطلية بالذهب وغير المطلية . ومنها ما هو على هيئة طائر . فإذا خرج منها الماء صوتت بأصوات طيبة . وفي الحمام أحواض من الرخام بديعة الصنعة . تخرج منها المياه واردة من الأنابيب إلى الأحواض . وترمي جميعها إلى بركة حسنة الاتقان . ثم تخرج منها إلى بستان .