الحنية إحدى مناطق إمارة الفجيرة وتقع على طريق المنامة رأس الخيمة وتبعد عن مدينة الفجيرة ما يقارب 80 كيلومتراً ويعيش فيها أكثر من ألف مواطن معظمهم كان في الماضي القريب يعمل بالزراعة والرعي والبحث عن العسل في رؤوس الجبال كما كان جزء كبير منهم يعمل بتربية الماشية وخاصة الجمال التي تشتهر بها منطقة الحنية دون غيرها من المناطق في الفجيرة.

تغيرت الحياة في الحنية بشكل جذري مثلما تغيرت في جميع مناطق الإمارة والدولة مع قدوم عصر النفط وقيام الاتحاد المبارك.. فمع قدوم النفط تحولت الحنية طواعية إلى منطقة أخرى أكثر مدنية واحتكاكاً بتطورات العصر الحديث التي بدت أمام أعيننا على الطريق وداخل بيوتها الجديدة.

يغلب على نمط الحياة في الحنية برغم التقدم وظواهره التي بدت لنا الطابع الصحراوي. وقال لي رفيقي في رحلتي إلى الحنية المواطن ضاوي راشد محمد وهو من سكان الحنية: تشتهر الحنية بوجود الغزلان وبعض الحيوانات الأخرى التي تعد هدفاً للقناصين من مختلف إمارات الدولة ودول الخليج المجاورة وأنا في كثير من الأحيان أخرج معهم في رحلات صيد كدليل للمكان لأن المنطقة عندنا صحراوية وتوجد سلسلة جبال تمتد إلى مناطق أخرى غير الحنية وجميعها مناطق تجذب هؤلاء القناصين الذين يعودون دائماً من رحلاتهم بالصيد الوفير وإن كان أغلبهم يأتي للتمتع برحلة الصيد بغض النظر عما يجنيه من صيد.

تاريخ قبلي طويل

وقال ضاوي راشد: أهم القبائل التي تسكن الحنية منذ سنين طويلة قبائل الطنيج والدهامنة والزحمي وهذه القبائل لها تاريخ طويل في هذا المكان وتحمل أفرادها أشد الصعاب في الماضي ولم يبرحوا المنطقة ولم يتركوها بحثاً عن الحياة الأفضل في الأماكن الأكثر راحة وغنى وحتى بعد ظهور النفط وقيام الدولة لم تترك هذه القبائل موطنها الأصلي في الحنية فهناك كثير من الشباب الذين تعلموا وحصلوا على أعلى الشهادات العلمية سواء الجامعية أو ما بعد ذلك ويعملون في إمارات أخرى بعيدة عن الحنية إلا أنهم لا بد أن يعودوا إلى مسقط رأسهم مع بداية كل إجازة. إنه الحنين إلى الوطن الأصغر الذي يحركنا دائماً ويكون مثل البوصلة التي مهما ابتعدنا ترشدنا إلى أماكننا الأولى وهكذا في الحنية حيث يسافرون ويرحلون هنا وهناك بحثاً عن العمل ومواطن الرزق والفرص الجيدة أملاً في مستقبل أفضل لأبنائهم إلا أنهم في نهاية المطاف لا بد أن يعودوا ويشعروا بحلاوة ومذاق جلساتهم مع أهاليهم وذويهم ويسمعوا من الشواب حكايات الماضي المملوء بقصص الكفاح.

البئر المهجورة

وعرج بنا رفيقي ضاوي على منزل أحد المواطنين وهو سعيد بن سالم بن خليف الطنيجي الذي رحب بنا وانضم إلينا في الرحلة القصيرة إلى الحنية وأشار إلى ضاوي بأن يذهب إلى البئر القديمة وحين وصلنا إلى البئر قال الطنيجي: هذه البئر هي الأقدم في الحنية وربما في المنطقة كلها حيث كان المواطنون وعابرو الطريق يعرجون على هذه البئر لأخذ ما يكفيهم من الماء الوفير طوال رحلتهم إلى دبي والشارقة كما كانت تعتمد عليها كثير من المناطق المجاورة للحنية في الشرب لأنها البئر الوحيدة التي لم تنضب فيها المياه على مدى السنين على الرغم من أزمة المياه الكبيرة التي مرت وتمر بالمنطقة نظراً لتراجع كميات المطر عن ذي قبل.

وأضاف: لقد ولدت منذ أكثر من ستين عاماً فوجدت هذا الطوي عامراً بالماء ويأتيه الناس من كل حدب وصوب ومع أنه دخل في ذمة الآثار أو التاريخ إن صح التعبير إلا أنه لم يهرم حتى الآن بل ما زال يعمل بكفاءة عالية لأن المياه به على بعد خمسة أمتار فقط في حين أن معظم الآبار في الفجيرة توجد المياه بها في حال سقوط المطر على بعد عشرين أو أربعين متراً في أحسن الأحوال إلا ما ندر منها.

ولنا أن نذكر هنا أن هذا الطوي لم يكن يستخدم فقط في الشرب بل كنا نستخدمه أيضاً في الزراعة حيث كنا نحمل منه الماء بطرق تقليدية وعبر القنوات التي يتم حفرها إلى المزارع وهو أسلوب معروف بطريقة الري بالغمر ولازال موجوداً حتى الآن وإن كانت هناك مزارع بدأت تستخدم أسلوباً آخر جديداً يعتمد على شبكات الري الحديث.

الدكان القديم

انتقلنا إلى مكان آخر بعيد نوعاً ما عن مساكن الحنية الشعبية الجديدة وأشار سعيد سالم بن خليف قائلاً: هنا يوجد أول وأقدم دكان في منطقة الحنية والمناطق الأخرى والمبنى عبارة عن جدران مازالت قائمة بلا سقف ويبدو عليها من الشكل الخارجي أنها بالفعل قديمة للغاية وتحولت إلى أطلال لمبنى كان يوماً ما عامراً بالحياة وضجيج المشترين والآن دخل هو الآخر ذمة التاريخ.

وأضاف: كان صاحب الدكان وهو سالم بن صروخ يذهب بشكل مستمر إلى إمارتي الشارقة ودبي ليحضر من هناك المواد الغذائية التي يبيعها للمشترين هنا في الحنية والمناطق الأخرى لا سيما أن الدكان ذاعت شهرته وكان معروفاً في جميع المناطق المجاورة وأحياناً كان البيع يتم بطريقة المقايضة ولكن هذا الأسلوب لم يكن منتشراً كثيراً هنا خاصة أن صاحب الدكان كان يريد البيزات من أجل شراء مواد غذائية جديدة للدكان حيث كان للدكان وصاحبه سمعة طيبة.

ويصل عمر هذا الدكان إلى ما يزيد على خمسين عاماً والصعوبة كلها كانت في إحضار المواد الغذائية من دبي والشارقة حيث كانت الطرق وقتها وعرة وضيقة وغير معبدة وشديدة الخطورة في وقت كان اللصوص منتشرين على هذه الطرق.

عسل الجبال

وكانت للحنية في السابق شهرة تضاهي شهرة المناطق الأخرى الجبلية في دبا الفجيرة في البحث عن العسل الجبلي الأصلي وإعادة تصنيعه بطرق بدائية كما أورد المواطن محمد جمعة بن نايم الذي قال: نعم بالتأكيد كانت للحنية ولبعض الأسماء بها من الشواب تاريخ طويل في البحث عن العسل وإن كانت المهنة قد انقرضت بشكل كبير نظراً للمخاطر التي يتعرض لها الباحث عن العسل وسط كهوف جبلية بالغة القسوة وما تحتويه من حشرات وثعابين سامة ولكن كان المبدأ في ذلك الوقت أن الحاجة أم الاختراع والحاجة دفعت الناس إلى امتهان مهن صعبة ومع تقدم أسلوب الحياة ووجود بدائل كثيرة بدأت المهنة تتلاشى في الحنية ومناطق أخرى كثيرة باستثناء القليل من المواطنين الذين يعلمون أولادهم الصغار أسرار مهنتهم الشاقة التي ورثوها أباً عن جد.

وأضاف: ليس هذا فقط سبب تسرب الكثير من المواطنين من المهنة بل كان هناك سبب آخر يتمثل في قلة الأمطار التي تتساقط على المنطقة خلال السنوات العشر الأخيرة مما أدى إلى جفاف كثير من الأشجار وخاصة الأشجار المثمرة التي يعتمد عليها النحل في امتصاص الرحيق ومن ثم إيجاد العسل وهذا دفع النحل إلى الرحيل نحو أماكن أخرى يجد فيها ما لم يجده هنا في الحنية.

تربية الإبل

وتشتهر الحنية كذلك بتربية الإبل التي قال عنها رفيق رحلتي ضاوي راشد محمد: هذه الإبل الموجودة هنا تتكاثر منذ مئات السنين حيث اشتهرت الحنية بترتيبها وهناك من الإبل ما جيء بها من أماكن أخرى لإحداث نوع من التهجين واستحداث سلالات جديدة أفضل وأحسن.

وقال معدداً أنواع الإبل ومنها ما هو موجود في الحنية ومنها ما لم يعدم وجوداً لظروف مشابهة لظروف تراجع أسراب النحل في المنطقة: الهجين تعد أشهر أنواع الإبل وهي مخصصة للركوب أما راحلة فهي نوع من الإبل مخصصة لحمل الأثقال وغالباً ما كان الأجداد يستخدمونها في الرحلات الطويلة وفي رحلات التجارة الكبيرة. أما الجيث فهي الإبل التي تحمل المقاتلين وكانت منتشرة قديماً ويطلق على راكبها الهجان وبشكل عام فإن دولة الإمارات مشهورة بالإبل منذ سنوات طويلة وتمتلك سلالات عربية أصيلة منها ظبيان وصوغان والوري وميصحان وهناك سلالة بنت الوري وخرج منها بنات هملول وبنات شمطير وبنات صوغان وبنات مصيحان وبنات عرجة.

وقال: كانت في الحنية أنواع جيدة جداً من الإبل مثل الحزمية المشهورة بكثرة الحليب ووفرة اللحم والوبر وكانت تعيش في شكل جماعي.

وهكذا تمضي الأيام والسنون في الحنية لتولد أجيال جديدة تحمل أفكار الأجيال السابقة وجميعها مستمدة من ديننا الإسلامي الحنيف وتقاليدنا العربية الأصيلة إلا أن المكان يظل كما هو يعيش عليه الجميع في هذه الحياة الدنيا ويحويهم أيضاً تحت ثراه عندما يصبحون ذكرى طيبة لهذا المكان.