للمرة الرابعة على التوالي منذ عام 2005 تلتئم طاولة الحوار الوطني في لبنان . يجلس أقطاب الطبقة السياسية، أو ممثلوهم على اختلاف انتماءاتهم، جنباً إلى جنب في قصر بعبدا وبرئاسة رئيس البلاد ميشال سليمان هذه المرة لمناقشة الأحداث الجسام التي تعصف بالبلاد على أمل ايجاد حلٍ وقواسم مشتركة لها، أو على أمل خفض منسوب الاحتقان السياسي والأمني في البلاد بعدما تكون بلغت ذروتها وعادت إلى الأذهان الصور البشعة والقاسية للحرب الأهلية التي عاشها لبنان على مدى نحو 15عاماً (من عام 1975 وحتى اتفاق الطائف عام 1990) .

لأن الأزمة في لبنان صارت سمة لازمة لحديث كل الناس، جلس أقطاب السياسة المتنازعين، الاثنين الماضي، في قصر الرئاسة الأولى في مدينة بعبدا التي تشرف على العاصمة من بعيد . طاولة الحوار الجديدة هذه لم تكن مكتملة من حيث حضور الأقطاب إذ لم يتشارك فيها كما العادة الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، وهو الذي دأب على عدم المشاركة فيها شخصياً بعيد الحرب الإسرائيلية على لبنان في صيف عام 2006 لأسباب أمنية معلومة، وافق عليها الجميع في حينه، وهذه المرة أيضاً افتقدت الطاولة إياها زعيم تيار المستقبل الرئيس سعد الحريري الذي وكما هو معلوم موجود في الخارج بين باريس والرياض بعيد وقت قصير على مغادرته رئاسة الحكومة قسراً في مطلع عام 2011 لأسباب متعددة، وإن كان أقطاب تياره يعزونها إلى أسباب أمنية ومخاطر على حياته أيضاً .

الغائب المستجد هذه المرة كان رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، الغائب لاعتبارين اثنين، الأول، أنه مقاطع علني للحوار كونه لا يؤمن به ولا بجدواه، حسبما برر مراراً وتكراراً، معتبراً أن اللبنانيين بحاجة إلى خطوات عملية في قضية الحوار وليس إلى صورة فقط . بل وذهب إلى أبعد من ذلك عندما اعتبر أن الحوار فخ لأنه يأخذ انتباهنا إلى وضع آخر ويبعد انتباهنا عن غياب الحكومة .

أما الاعتبار الثاني، فهو أمني، إذ وبعد محاولة الاغتيال التي تعرض لها جعجع قبل أسابيع إبان وجوده في فناء دارته في بلدة معراب ونجا منها بإعجوبة كما قال في حينها، فإنه أبلغ زواره أنه بات عازماً على عدم الخروج نهائياً من دارته الحصينة في جرود منطقة كسروان في قلب الجبل اللبناني، ولم يتوان عن القول لزواره بصريح العبارة أنا لم أسمح للسوريين وحلفائهم في لبنان بقتلي يوم كانوا هنا وأقوياء ولن أسمح لهم باصطيادي والنظام السوري يتداعى .

لكن ذلك على أهميته لا يعني بالنسبة للمراقبين أن ثمة أسباباً ومقاصد أخرى لدى جعجع أملت عليه قرار مقاطعة طاولة الحوار الوطني فيما حلفاؤه في قوى 14 آذار حاضرون على الطاولة نفسها، وأبرز هذه الأسباب أن جعجع منذ زمن وهو يحاول أن يميز نفسه حتى عن حلفائه في الأداء وفي إطلاق الرؤى، ومع ذلك فيبدو جلياً أن مسألة التئام أقطاب السياسة المتنافسين والمتصارعين في لبنان مأخوذ ومدروس، وأن الكل له مصلحة كبرى في انعقاده بمن فيهم قوى 14 آذار التي ترددت وماطلت كثيراً قبل أن تأخذ قرارها النهائي بالمشاركة عبر أبرز رموزها الرئيس فؤاد السنيورة .

موقف جنبلاط

صحيح أن الدعوة إلى الحوار الوطني أطلقها وأصرّ عليها رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان لكن بدا واضحاً في الأيام القليلة الماضية أنه صار من الصعب على أيٍ كان من أطراف السياسة في لبنان أن يقاطع هذه الدعوة، حتى إن كان مقتنعاً بأن ثمارها لن تظهر في وقت قصير، إذ إن ثمة شعوراً لدى كل هذه الأطراف بأن الوضع السياسي والأمني في الآونة الأخيرة، وبالتحديد بعد تطور الأحداث الميدانية في الساحة السورية وبلوغ النار في سوريا لمراحل غير مسبوقة، أوشك على أن يخرج من نطاق سيطرة الجميع، بما فيهم الدولة اللبنانية ومؤسساتها وأجهزتها السياسية والأمنية لاسيما بعد تطورات الأحداث في طرابلس وعكار والشمال اللبناني عموماً . ولعل اللافت في هذا الإطار كان موقف رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط الذي بدا في الفترة الأخيرة متحمساً أشد الحماسة لانعقاد طاولة الحوار الوطني، مستهجناً موقف قوى 14 آذار المتردد في المشاركة في جلسات هذه الطاولة .

وأكثر من ذلك بدا جنبلاط كأنه غيّر من خطابه إزاء الأحداث في سوريا، فبعدما كان مندفعاً إلى أقصى حدود الاندفاع في تأييد المعارضين للنظام في دمشق ومن أشد الدعاة إلى إسقاط هذا النظام، بدا يعتبر في الآونة الأخيرة أن الوضع في سوريا أكبر من قدرات وتمنيات اللبنانيين، وبدا متخوفاً من امتدادات النار السورية ومن تداعيات الأحداث في الشمال اللبناني .

ومهما يكن من أمر، وفيما لا أحد في أوساط بيروت السياسية يعلق أوهاماً وآمالاً كبار على الحوار الوطني الذي انطلق قطاره نهار الاثنين المنصرم ولا يبالغ في التوقعات، انطلاقاً من جملة اعتبارات ووقائع أبرزها: أن صورة الوضع في سوريا غير محسومة والرؤية في المنطقة عموماً ضبابية، والأطراف في لبنان ثابتة على مواقفها وترفض أن تتنازل أو تساوم وتحاور، فإن الكل في بيروت يعلق أهمية استثنائية على طاولة الحوار انطلاقاً من اعتبار أساسي وهو أن صورة الحوار بحد ذاتها وجلوس أقطاب المتصارعين إلى جانب بعضهم بعضاً من شانه أن يخفف من وطأة الاحتقان الحاصل حالياً ومن التداعيات المحتملة لهذا الاحتقان .

فعشية انعقاد طاولة الحوار كانت التقارير الأمنية الواردة إلى بيروت من الشمال اللبناني تتحدث عن ارتفاع منسوب التوتر الأمني، بعيد عمليات خطف وخطف مضادة على الهوية في منطقة وادي خالد في أقصى منطقة عكار النائية والمتاخمة للحدود السورية، فيما كانت المعلومات عينها تتحدث أيضاً عن عمليات حرق لمحلات ومؤسسات في أحياء طرابلس وشوارعها تعود لأبناء الطائفة التي يقطن أغلب سكانها في جبل محسن ما رفع منسوب الاحتقان الأمني، في منطقة ومدينة لم تبرأ بعد من أحداث أمنية جسام سقط بنتيجتها أكثر من 15 ضحية وعشرات الجرحى، فضلاً عن خسائر مادية كبرى .

مخاوف أمنية

وفي كل الأحوال، ذهب أصحاب الحل والربط في لبنان إلى طاولة الحوار طائعين أو مكرهين، ولكنهم هذه المرة ذهبوا وثمة مخاوف حقيقية تتملكهم من فقد السيطرة على زمام الأمور . وثمة شعور حقيقي يتملكهم أيضاً يكتمونه وفحواه أن النار المندلعة من الساحة السورية التي بنوا على أساسها حسابات ورهانات متعددة وكل من منظاره الخاص باتت تلفح وجوه الجميع وتهدد بأكثر من ذلك . لدرجة أن رئيس مجلس النواب والسياسي المخضرم نبيه بري لم يكتم حقيقة مرة وهي أن شكل صورة الحوار في هذه اللحظة صار جزءاً من المضمون . بحيث أن مجرد جلوس القيادات جنباً إلى جنب حول طاولة واحدة سينعكس إيجاباً بشكل تلقائي على المناخ السياسي والنفسي في البدء أياً تكن مجريات الحوار لاحقاً .

والواضح أن قوى 14 آذار ليست بعيدة عن هذا المناخ نفسه، فهي وإن تمنعت في البداية من التجاوب المطلق مع دعوة الرئيس سليمان إلى طاولة الحوار عادت وأعطت مشاركتها طابعاً آخر، عندما رفعت إلى رئيس الجمهورية مذكرة بمطالب اعتبرتها شروطاً أو تبرئة ذمة للمشاركة في الحوار، ومن بينها شرطها الأساسي المعروف وهو إسقاط حكومة الرئيس نجيب ميقاتي الحالية، والاستعاضة عنها بحكومة حيادية تشرف على الانتخابات النيابية المقبلة، بعدما صارت هذه الحكومة عبئاً على الاستقرار السياسي والأمني الحالي في البلاد .

ولم ينس فريق 14 آذار في مذكرته الإشارة إلى موضوع السلاح والربط بين سلاح حزب الله والسلاح المنتشر في الشمال وسواه من المناطق اللبنانية وضرورة إيجاد حل للسلاحين معاً . في حين بادر حزب الله بالقول إنه مستعد لمناقشة موضوع السلاح مجدداً من خلال الحديث عن الاستراتيجية الدفاعية الوطنية مكرراً مقولته المعروفة إن كل من يطرح موضوع نزع سلاح المقاومة إنما يخدم أجندة خارجية .

ومهما يكن من أمر فثمة قناعة لدى جميع الأطراف في العاصمة اللبنانية فحواها أن الحوار الذي بدأ لتوه في بيروت ليس لسد أي فراغ محدد، بل هو لمنع الفوضى السورية الحاصلة من عبور الحدود اللبنانية، وذلك بناء على نصيحة عربية هذه المرة مؤداها الحاجة إلى التزام اللبنانيين بالحد الأقصى من الهدوء والسكينة في انتظار جلاء صورة الموقف في الساحة السورية .

ولكن ذلك التحليل على بلاغته لا يمنع من طرح السؤال الذي يطل برأسه بقوة عما إذا كان بمقدور اللبنانيين فعلاً أن يلتزموا بهذه الشروط، وبالتالي يبقوا حراكهم وتعاطفهم مع الانتفاضة في سوريا أو مع النظام هناك في حدود ما قاموا به في الأشهر القليلة الماضية .

وإذا كانت طاولة الحوار الوطني هي إحدى وسائل خفض منسوب الاحتقان الحاصل، وهي في رأي البعض تضع الجميع أمام مسؤولياتهم بمبادرة من الرئاسة الأولى التي بدت في الآونة الأخيرة مربكة وحائرة، فإن ثمة بادرة إيجابية أخرى برزت في الأيام القليلة الماضية تتعلق بمسألة اللبنانيين ال 11 الذين اختطفوا قبل أكثر من ثلاثة أسابيع بالقرب من حلب إبان عبورهم الأراضي السورية عائدين من زيارة العتبات الدينية في إيران . فبعدما عرضت صور لهؤلاء المختطفين ثبت أنهم مازالوا على قيد الحياة وأنهم في صحة جيدة وهذا التطور الإيجابي ألقى بظلاله على الساحة اللبنانية، خصوصاً أنه اقترن مع معلومات سرت في الآونة الأخيرة، وشاركت فيها مصادر تركية فحواها أن قضية هؤلاء في طريقها إلى الحل الوشيك، لذا فلا ضرورة إطلاقاً لمواقف وخطوات تصعيدية تساهم في تعقيد الموقف، وتعرقل الجهود التي تبذلها أنقرة وجهات أخرى للوصول إلى خواتم سعيدة لهذه القضية التي شغلت الرأي العام اللبناني، وأرخت بثقلها على بيروت، خصوصاً بعدما بادر ذوو المخطوفين إلى النزول إلى الشوارع حيث قطعوا طريق مطار بيروت الدولي أكثر من مرة .

حراك متسارع

ومن المحطات التي برزت لتهدئة الساحات المتوترة في لبنان كان الحراك المتسارع الذي بدأته تنظيمات المجتمع المدني في عاصمة الشمال اللبناني الرامي إلى تهدئة الوضع الهش في المدينة، والحيلولة دون استخدامها مجدداً كصندوق بريد لتبادل الرسائل السياسية المتفجرة، والعمل سريعاً لإجراء مصالحة بين أحيائها المتصارعة وتكليف الجيش اللبناني حفظ الأمن بعد رفع الغطاء السياسي بشكل فعلي عن المسلحين والعابثين بالأمن .

ولم يعد خافياً أنه رغم عودة الهدوء إلى المدينة إثر التفاهمات الأخيرة، إلا أن الوضع فيها مازال يشهد بين الحين والآخر عودة للمظاهر المسلحة وسقوط ضحايا مما يؤثر سلباً في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والأمنية في المدينة الثانية في لبنان، وهو وضع دفع فعاليات المدينة إلى التحرك ونقل شكاواهم إلى بيروت .

في غضون ذلك، شهدت الحياة السياسية والحكومية في بيروت في الأسبوع الماضي تكريساً عملياً للتفاهم الذي انعقد بين المكونات الأساسية للحكومة اللبنانية، فهذا التفاهم الذي انعقد بشكل رئيسي بين رئيس الحكومة نجيب ميقاتي وثلاثي الأكثرية أي وزراء التيار العوني وحركة أمل وحزب الله . وجوهر هذا التفاهم أعاد بعث الحياة في عمل الحكومة وتزخيم دورها ووجودها من خلال إقرار سلة تفاهمات حول ملفات وقضايا متنازع عليها منذ انطلاقة قطار الحكومة قبل أكثر من عام .

وأبرز هذه التفاهمات يقوم على الآتي:

1 البحث عن حل حقيقي وعاجل لمشكلة الإنفاق الحكومي من خارج الموازنة يلحظ إقرار مبلغ قدره مئة مليون دولار لإنماء طرابلس وهو ما من شأنه تلبية مطلب أساسي للرئيس ميقاتي وفريقه السياسي بغية تعزيز حضوره في مدينته التي تعيش، كما هو معلوم، تحت ظروف أمنية واجتماعية قاسية، ولمواجهة خصوم الحكومة ولاسيما، من جهة المعارضة .

واللافت في هذا المجال أن معالجة مشكلة الإنفاق الحكومي من خارج الموازنة تعني بشكل أو بآخر معالجة تناقض ظهر قبل فترة بين رئيس الجمهورية ميشال سليمان والثلاثي الأساسي في الحكومة بعدما رفض سليمان استخدام صلاحياته الاستثنائية للتوقيع على مرسوم سلفة مالية طلبتها الحكومة اللبنانية لتسيير عمل الدولة ومؤسساتها في انتظار إقرار الموازنة العامة وذلك تحت ذريعة أن المرسوم والسلفة يمكن الطعن بهما دستورياً، وهو أمر عده الثلاثي الحكومي في يومها تعطيلاً يخدم المعارضة وتوجهاتها .

2 معالجة ملف التعيينات الإدارية وملء الشواغر في الإدارات العامة وهو أمر، إن تحقق من شأنه أن يرضي إلى حد بعيد رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون، ويخفف من حدة الاحتقان والقطيعة بينه وبين رئيس الجمهورية، خصوصاً أن عون يتهم سليمان بتعطيل التعيينات لاسيما في الحصة المسيحية لأنه يريد حصته الوازنة فيها .

وفي كل الأحوال، بدا واضحاً في الآونة الأخيرة أن المسؤولين في لبنان بدأوا يستشعرون بأن سياسة النأي بالنفس التي رفعوا شعارها بعد اندلاع الأحداث في سوريا قد استنفذت أغراضها ولم تعد تنفع، لذا عادوا إلى طاولة الحوار الوطني رغم اقتناعهم أنها لن تكون أحسن من سابقاتها، وبادر أركان الأكثرية إلى تفعيل عمل الحكومة وإعطائها جرعة تخرجها من صورة العجز والقصور التي لحقت بها منذ أسابيعها الأولى بفعل التناقضات والخلافات بين مكوناتها . وبدا واضحاً أيضاً أن المعارضة اللبنانية جنحت نسبياً نحو الهدوء وإن كانت ما برحت ترفع شعار إسقاط الحكومة لأنها باتت تدرك مخاطر الآتي، وما يمكن أن يؤثر في مكانة شارعها . ومع ذلك فالسؤال المطروح هو: هل تنجو الساحة اللبنانية من الأسوأ؟