الحضارة في عمقها وجوهرها هي القدرة العالية على المشاركة في صنع الحاضر وصياغة المستقبل، والفعل الحضاري هو الجهد البشري الذي يبذله الأفراد أو الجماعات لتحقيق هاتين الغايتين، ولا تكتمل لهذه المشاركة شروطها إلا بالتعايش الثقافي الحضاري بين الشعوب والأمم، ذلك التعايش الذي يقوم على قاعدة التعاون الإنساني الرحب والواسع غير المحدود والذي تحكمه القيم الإنسانية النبيلة، وتضبطه القواعد الحكيمة التي تقرب بين الشعوب، ففي ظل هذا التعايش تتفتح الثقافات وتزدهر الحضارات، وتتوطد العلاقات بين الأمم والشعوب، ويسود الأمن بشتى معانيه، والسلام بمختلف دلالاته، العالم أجمع .

التعايش الثقافي والتساكن الحضاري هما اللذان يمهدان للحوار الذي هو ضرورة من ضرورات العيش، فالحوار بين الثقافات والحضارات، وبين الأفراد والجماعات، وبين الشعوب والحكومات، وبين المؤسسات والمنظمات هو الوسيلة المثلى لتحقيق التوازن في الحياة الإنسانية، فالعالم في هذه الظروف الحرجة التي يعيشها في أمس الحاجة إلى الحوار الحضاري منهجا ووسيلة وأداة لتفادي الصدام ومنع نشوب الحروب بين الدول .

من هذه المنطلقات والقراءة الواعية للظروف الدولية والوقوف على نوازع التعصب الفكري والديني والحضاري التي تسود العالم كله، انطلقت دعوة المفكر السعودي د . عبد العزيز بن عثمان التويجري المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة للحوار والتفاهم والتي جسدها في كتابه الحوار من أجل التعايش .

يقول المؤلف في مقدمة كتابه: لقد جاء اهتمامي بقضية الحوار في إطاره الثقافي والحضاري وبأهدافه الإنسانية التي هي موضع الإجماع من البشر على اختلاف ثقافاتهم وتباين حضاراتهم، ولقد دفعني هذا الاهتمام إلى كتابة مجموعة من الدراسات والبحوث حول موضوعات ثقافية وحضارية وتربوية واجتماعية تناولت فيها قضية الحوار في أبعاده وآفاقه ومجالاته وقضاياه اقتناعاً مني بأن الحوار هو اختيار الحكماء والعقلاء في هذا العالم، ولقد عالجت في كتابي هذا قضايا ذات تأثير فاعل على المجتمع العربي الإسلامي، وعلى المجتمع الإنساني قاطبة، وخلصت من هذه الدراسات جميعاً إلى أن العالم الإسلامي مدعو اليوم إلى أن يمد أسباب الاتصال والتعارف بالمدلول القرآني الرحب العميق، والتعاون والحوار إلى أبعد المدى لتشمل شعوب العالم وأممه كافة .

كما أصبحت أكثر قناعة بأن الحوار بمعناه الشامل الجامع هو ضرورة من ضرورات تطوير علاقات العالم الإسلامي مع العالم بما يحفظ المصالح العليا للأمة العربية الإسلامية ويصون حقوقها ويحمي مكاسبها، ويضمن لها الاستفادة الكاملة من مواردها ويصحح كثيراً من المعلومات الخاطئة التي تروج في العالم عن الإسلام والمسلمين وحضارتهم .

قيمة إسلامية

وبعد أن يستعرض المؤلف مفهوم الحوار ودلالاته في الفكر السياسي والثقافي المعاصر يؤكد أن الحوار يكتسب في تراثنا الثقافي والحضاري مساحة كبيرة من الاهتمام والرعاية فضلاً عن معانيه ودلالاته التي يتميز بها عن الآخرين، فالقيم والمبادئ التي ينطلق منها الحوار هي جزء أساسي في الثقافة والحضارة الإسلاميتين، فللحوار في لغتنا وتراثنا معانٍ رفيعة القدر سامية الدرجة تكسوها مسحة حضارية راقية، فتكسبها دلالة عميقة تعبر عن روح الأمة .

فالأصل في الحوار في الثقافة العربية الإسلامية هو المراجعة في الكلام وهو التجاوب بما يقتضي ذلك من رحابة الصدر وسماحة النفس ورجاحة العقل وبما يتطلبه من ثقة ويقين وثبات وبما يرمز إليه من القدرة على التكيف والتجارب والتفاعل والتعامل المتحضر الراقي مع الأفكار والآراء جميعا، وبهذا المعنى يتأكد لدينا بما لا يرقى إليه الشك أن الحوار أصل من الأصول الثابتة للحضارة العربية الإسلامية، ينبع من رسالة الإسلام وهديه، ومن طبيعة ثقافته وجوهر حضارته .

ويوضح المؤلف أن الحوار الراقي الذي تتبناه الحضارة الإسلامية هو حوار عقلاني يقوم على أساس راسخ، ويعتمد وسيلة سليمة، ويهدف إلى غاية نبيلة، ويثبت في الضمير الإنساني فضيلة الاعتراف بالخطأ، ويركز على قيمة عظمى من قيم الحياة الإنسانية، وهي القبول بمبدأ المراجعة بالمفهوم الحضاري الواسع الذي يتجاوز الرجوع عن الخطأ، إلى مراجعة الموقف برمته إذا ما اقتضت لوازم الحقيقة وشروطها هذه المراجعة واستدعى الأمر إعادة النظر في المسألة المطروحة للحوار على نحو يهدف إلى جلاء الحق .

والحوار بهذا المعنى ليس مجرد وسيلة للتعايش مع الآخرين بل هو في منظومتنا الفكرية والثقافية والحضارية قيمة من قيم الحضارة الإسلامية المستندة أساساً إلى مبادئ الدين الحنيف وتعاليمه السمحاء، وهو موقف فكري وحالة وجدانية، وهو تعبير عن أبرز سمات الشخصية الإسلامية السوية وهي سمة التسامح لا بمعنى التخاذل والضعف بوازع من الهزيمة النفسية، ولكن بمعنى الترفع عن الصغائر، والتسامي على الضغائن والتجافي عن الهوى والباطل .

قواعد الحوار

واستنادا إلى هذا المفهوم الواسع والشامل للحوار في الحضارة الإسلامية يؤكد د . التويجري أن فلسفة الحوار في عقيدتنا الدينية وثوابتنا الثقافية والحضارية يقوم على قواعد ثلاث هي:

الإيمان بالله ورسوله وكتابه وتقوى الله والتواضع مع الله، والثقة في نصره والاعتزاز بالحق والتشبث به، فالقرآن الكريم يحضنا على كل ذلك، فالعزة لله ولرسوله وللمؤمنين: ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين فاستشعار العزة والامتلاء بها يحفزان على الثبات في مواقف الحق وعلى عدم الركون إلى الباطل أو الانهزام أمام سطوته، ويقويان في النفس إرادة البقاء الحر الكريم، فالمؤمن دائما عزيز النفس قوي الجانب، حر الإرادة كريم الذات لا يقبل الهوان والانكسار والذلة والصغار لا في دينه ولا في نفسه .

التأدب بأدب الإسلام وأخلاقه والتأسي بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة صحابته الكرام في الحوار، ومخاطبة الناس من منطلق الإيمان بوحدة النوع الإنساني، ومجادلة المخالفين لنا بالتي هي أحسن، فالقرآن هو الذي حدد لنا منهج دعوة الآخرين إلى الحق، وأسلوب محاورتهم ومجادلتهم لصرفهم عن باطلهم إن استطعنا، فيقول الحق سبحانه وتعالى: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن، ويقول سبحانه أيضا: ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن .

السعي إلى الحقيقة والحرص عليها والقصد إلى ما فيه الصالح العام من شتى الطرق التي ليس فيها انحراف عن مقاصد الشرع وبمختلف الوسائل التي تحقق مصالح العباد والبلاد .

وهنا يعلق المؤلف على هذه القواعد الإسلامية للحوار الحضاري قائلا: على الرغم من الطبيعة المتشعبة للحوار، فإنه ليس دعوة ولا مناظرة ولا مجادلة، ولكنه صيغة جامعة وأسلوب من أساليب التقارب والتجاوب والتفاعل، ولذلك فإن من شروط الحوار الجاد الهادف أن يتصف بالحكمة، والحكمة هي جماع العلم والمعرفة ومن عناصرها الفطنة وحسن الفهم وعمق الوعي وسعة الإدراك والرشد والتنبه والقصد والاعتدال، يقول الحق سبحانه: يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وإذا كانت الحكمة قرينة الدعوة فإنها من شروط الحوار وعوامل نجاحه .

المحاور الناجح

وعن المقومات التي ينبغي أن يتصف بها المحاور المسلم يقول د . التويجري: لابد أن يكون المحاور حكيماً فطناً، عالماً بالعصر، فقيها في قضاياه ومشكلاته قوياً مستقيماً عارفاً بالدنيا، مدركاً لرسالته، مفتتح العقل، ذكي الفؤاد واسع الأفق، محيطاً بمعارف شتى، على قدر كبير من الثقافة والخبرة والتخصص .

وهنا يؤكد المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة على ضرورة اختيار العناصر الفاعلة لمحاورة المخالفين لنا في العقيدة والمنافسين لنا في الميدان الثقافي والحاقدين على حضارتنا والمنكرين لرسالتنا الحضارية .

ثم ينطلق المؤلف ليوضح بمزيد من التفصيل منطلقات الحوار وموضوعاته وأهدافه ويقول: مادام الحوار الراقي هو مظهراً حضارياً يعكس تطور المجتمع ونضج فئاته الواعية، فإنه لابد أن يستند إلى أسس ثابتة وضوابط محكمة، وأن يقوم على منطلقات ثابتة يمكن حصرها في: الاحترام المتبادل، والإنصاف والعدل، ونبذ التعصب والكراهية .

وعن موضوعات الحوار الحضاري بين المسلمين وكل أمم الأرض يقول الدكتور التويجري: كل ما فيه المصلحة للفرد والمجتمع يصلح أن يكون مجالاً للحوار، وكل ما يحقق المنفعة للمجتمع الإسلامي جدير بأن يكون موضوعاً للحوار، فلا يقتصر الحوار على موضوع دون آخر، مادامت المنافع والمصالح هي محوره الرئيس ومجاله الحيوي .

الانفتاح على العصر

ويقول المؤلف: لا شك في أن المجتمعات الإسلامية في المرحلة الراهنة في حاجة إلى أن ينفتح فيها الحوار على آفاق العصر، ولن يتيسر هذا إلا بسلوك أحد السبيلين أولهما: الدخول في حوار مع العصر، بلغة العصر وبأسلوبه ليكون الحوار مدخلاً للتعايش مع العصر بكل معطياته، وثانيهما: تحصين الذات بإصلاح أحوال الفرد والمجتمع إصلاحاً عميقاً، ومن كافة النواحي حتى تسود روح الحوار العالم العربي والإسلامي، ويتعمق ما يصطلح عليه بالحوار الوطني من جهة والحوار العربي العربي من جهة ثانية والحوار العربي الإسلامي من جهة ثالثة، ثم الحوار بين المسلمين وغيرهم من الأمم والشعوب الأخرى .

ثم ينتقل المؤلف للحديث عن مستقبل الوطن العربي في إطار التعاون العربي الإسلامي، وآفاق مستقبل الحوار بين المسلمين والغرب، ومخاطر العولمة على الهوية الثقافية والتنوع الحضاري، ويبرز دور الإسلام كدين خاتم في تحقيق التعايش بين أتباع الأديان السماوية وكل أمم الأرض وغير ذلك من القضايا المتعلقة بالعلاقة بين المسلمين وغيرهم في عالم اليوم .