تحقيق: بكر المحاسنة

أرض حباها الله بحسن الطالع، وأنارها بنوره الذي ينثر عبق الحسن على جيدها فيغدو عسلاً يرطب ريق زوارها، أهلها جذور كذلك الطلع العتيق فيها، زوارها كأنهم من مواكب أخرى يزفهم أهل الحويلات على الأكفّ، ويحتفون بهم كأقمار في ليالي ديسمبر، إنه إكرام الضيف، سلعة هؤلاء القوم التي لا يبيعونها بأي ثمن، أرض خلابة وقرى أكثر بهاء، قرية الحويلات الساحرة شامة على وجه هذه الأرض وجبالها الوادعة.

تتميّز قرية الحويلات التابعة لمنطقة المنيعي بإمارة رأس الخيمة، بمناطقها الجبلية الساحرة الهادئة ووجودها على أطراف وادي القور أكبر الأودية التي تجري به المياه في مواسم هطل الأمطار في جنوب رأس الخيمة، كما تتميّز بكثرة الأودية والانحدارات الرأسية التي لا تخلو من جمال الطبيعة الخلابة.

تشتهر المنطقة التي تقع على مسافة 140 كيلو متراً عن رأس الخيمة، بوجود الكثير من المعالم التي تدل على العمق التاريخي لها، وظهر ذلك من خلال الآثار التي وجدت في القرية من بقايا الحصون التاريخية وأحجار البناء القديمة، وعدد من بقايا البيوت وآبار وقنوات المياه القديمة، إلا أن التفاصيل عن القيمة التاريخية والأثرية للقرية، ما زالت غير معروفة.

وتشتهر قرية الحويلات التي تُعدّ من أكثر المناطق الجبلية ذات الطبيعة الجميلة بكثرة انتشار المزارع المزروعة بأشجار النخيل، وكل أنواع المحاصيل الزراعية وبكثرة الأودية التي تمرّ في أراضيها في مواسم هطل الأمطار، كما تشتهر بمقومات طبيعية رائعة، فجوّها معتدل في أيام الصيف ويميل إلى البرودة في الشتاء، كما أنها منطقة تحتضنها الجبال العالية من كل الجهات.
علي بن سعيد الدهماني (أبو سعيد)، مسؤول منطقة الحويلات والمناطق التابعة لها، يعرف بمحبته للجميع ويتصف بالحكمة والوفاء للوطن، من منزله حدثنا عن منطقة الحويلات في الماضي والحاضر قائلاً: «يتميّز أهالي المنطقة منذ القدم بالكرم والشجاعة وحسن استقبال الضيف، كما يتميّزون بالوفاء وحب الوطن والقيادة الحكيمة وبالترابط والتراحم في كل الأوقات، استمراراً لعادات الآباء والأجداد الذين عاشوا على أرض المنطقة لمئات السنين، كما اجتمع سكان الحويلات على الحب والتعاون وعشق الأرض التي لا تنبت إلا الطيب، حيث لم تحدث منذ القدم حتى وقتنا الحاضر أي منازعات، كما اشتهرت منطقة الحويلات بشكل خاص وكل مناطق المنيعي منذ القدم بكرم وطيبة سكانها وشجاعتهم، وبقوة التقارب والتراحم مع جميع أهالي المناطق المجاورة، وذلك لترسّخ العادات والتقاليد العربية الأصيلة القائمة بين جميع سكانها في الماضي والحاضر».
وأوضح الدهماني ان المنطقة تشتهر بوجود عدد قليل من البيوت القديمة والآبار التي استخدمها السكان قديماً، وهم من قبائل الدهامنة نسبة إلى الدهماني، وهي من القبائل ذات الجذور العربية الأصيلة التي شكلت في مجملها مجتمعاً هادئاً يعيش على العادات والتقاليد العربية الأصيلة، كما تتميّز الحويلات بوجود بقايا حصن قديم وجبل عال يسمى جبل الحويلات الكبير، كان يستخدم للمراقبة وحماية المنطقة ومزارعها، وكان مطلاً على الطريق الذي يأتي من سلطنة عمان المجاورة للمنطقة يقبع فيه حارس، وفي حال دخول سيارة أو قافلة تجارية إلى المنطقة للاستراحة، يقوم بإطلاق النار لكي يخبر الأهالي وأصحاب الاستراحة بوجود سيارة أو قافلة في الوادي، ويكون على رأس الجبل شخصان أحدهما في الصباح والآخر في المساء.. وهكذا.
وتتميّز المنطقة بوجود عدد من الطوي (الآبار) التي ما زالت تكثر فيها المياه في مواسم الأمطار، وبوجود عدد من أفلاج المياه القديمة، كما تتميّز بوجود الكثير من مزارع النخيل القديمة التي ما زال هناك الكثير منها تزرع فيها كل أنواع أشجار النخيل والعديد من المحاصيل، حيث تتميّز بأنها منطقة ذات طبيعة خلابة وعامرة بالخضرة معظم أيام السنة، ويزداد جمالها الطبيعي في مواسم هطل الأمطار.
وعن تسمية المنطقة يقول: «سُمّيت المنطقة بهذا الاسم، نسبة لاشتهارها في الماضي بوجود الكثير من المزارع الصغيرة المتقاربة من بعضها والتي تسمى الحول، لذلك سميت بالحويلات، وهي منطقة جبلية خلابة كانت تُشتهر بزراعة أشجار النخيل بأنواعه وزراعة الغليون، حيث كان أهالي المنطقة يحترفون زراعته وإعداده وتجفيفه، لبيعه للتجار البحرينيين والإيرانيين الذي يأتون للمنطقة لشرائه ببعض الروبيات، أو لمقايضته ببعض احتياجات الأهالي.
ويوضح الدهماني أن مناطق المنيعي بشكل عام، ومنطقة الحويلات بشكل خاص، نالت الحظ الوافر من التطور، وانتهت المعاناة التي عرفها الأهالي قديماً، حيث انتشرت المدارس الحكومية والعيادات الصحية ودوائر المؤسسات المحلية والاتحادية في المنيعي والمناطق المجاورة لها، فضلاً عن بناء المساكن الجديدة وتمهيد الطرق الداخلية والخارجية، وتوافر خدمات الكهرباء والمياه والإنترنت والاتصالات، وتوافر سبل العيش الكريم.
يقول سالم علي سالم أبو جمعة: «عرفت المنطقة منذ الماضي بالزراعة بأنواعها وتربية الحيوانات وجمع الحطب وتحويله إلى سخام (فحم)، بالإضافة إلى جمع العسل من الجبال وبيعه في أسواق رأس الخيمة والشارقة، وكانت القرية تشتهر بوجود ينابيع ووديان غزيرة المياه، منها وادي القور وأودي والرافاق، والنصلة والعديد من الشعاب الصغيرة ما أسهم في انتشار المزارع واهتمام أهلها بمهنة الزراعة حتى وقتنا الحاضر، وتتميّز قرية الحويلات في الماضي والحاضر بزراعة أشجار النخيل ونبات الغليون والمانغو والليمون والسدر وحبوب الذرة والشعير والغليون، والكثير من الخضراوات، منها البصل والطماطم والفلفل والخيار واليح وغيرها من المحاصيل، وكان الأهالي يقومون بأعمال الحراثة والسقي والعناية بالأشجار وفرش الأرض التي تزرع فيها الحبوب، دون الاعتماد على أحد. وكان الاعتماد في ريّ المزروعات على الأمطار والأفلاج، كما اعتمدوا على تربية المواشي بكل أنواعها وتسويق منتجاتها إلى أسواق الشارقة ورأس الخيمة.
وأضاف: «منطقة الحويلات كانت تعرف منذ القدم ولها تاريخ عريق والكل يعرفها من أهالي الأمارات وسلطنة عُمان، حيث كانت المنفذ الرئيسي الذي ربط الإمارات بعُمان في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، وكان الأهالي يتنقلون بواسطة الخيول والجمال والحمير، وفي مدة السبعينات ظهرت في المنطقة سيارات»لاند روفر«للتنقل، وكانت الحياة رغم صعوبتها وكثرة المشقة فيها التي نعيشها يومياً، أجمل من حياة اليوم، نظراً لقوة العلاقات الاجتماعية بين الأهالي ووجود صلة الرحم بين الجميع وتوافر التعاون ومبدأ المساعدة بين الجميع، أما في الوقت الحاضر، فلم تعد العادات كما كانت عليه في الماضي، كما تعلمنا من الحياة في الماضي بمنطقة الحويلات القوة والمهابة والشجاعة وقوة التحمل والصبر».
سيف علي سالم معلا يقول: «كانت المنازل بمنطقة الحويلات قديماً لا تتعدى 18 منزلاً، منها الصيفية والشتوية المبنية من الأحجار والطمي، وكانت أسطح المنازل الشتوية مبنية من خوص النخيل وأغصان أشجار السمر والسدر، وكان الأهالي يقومون بصنعها بطريقة لا تسمح بتسرب مياه الأمطار إلى داخلها، وما زالت هناك بقايا من تلك المنازل حتى وقتنا الحاضر إلى جانب الحصن، أما المنازل الصيفية التي تسمى «العريش»، فكان الأهالي يقومون ببنائها في أيام مواسم الصيف «القيض»من خوص النخيل وبعض أغصان الأشجار البرية بطريقة متقنة الصنع، وكانت تقام متقاربة بعضها من بعض، والكل يعيشون فيها على البركة وحب الخير، وظل أهالي المنطقة يعيشون في تلك البيوت خلال مدة السبعينات، أي بعد قيام الاتحاد، حتى بُنيت منازل حديثة من الطوب والأسمنت، بناها لنا الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله، ومنذ تلك الفترة تغيرت أوضاع الحياة على أرض الحويلات والمناطق المجاورة، وأصبح المواطن الإماراتي يعيش في أفضل مما كان عليه في الماضي كله».
ويشير إلى أن المنطقة قديماً كانت تتضمن العديد من المزارع الخضراء المملوءة بأشجار النخيل ونبات الغليون والمحاصيل المتنوعة، وذلك لكثرة الأفلاج وآبار المياه العذبة الموجودة في أراضيها التي لا تنقطع المياه منها على مدار أيام السنة، ولكثرة الأودية التي تمرّ عبر أرضي القرية، لكن في وقتنا الحاضر قل عدد المزارع بالمنطقة ومات الكثير من أشجار النخيل، نظراً لارتفاع نسبة الملوحة بالتربة والمياه وقلة تساقط الأمطار، وعلى رغم من ذلك القرية تتميّز بجوّها النقي والعليل والبعيد عن الرطوبة، وتتميّز بكثرة نموّ النباتات البرية الطبية في جبالها في مواسم هطل الأمطار.
عن التعليم بمنطقة الحويلات يقول معلا:»التعليم في الماضي كان بسيطاً يقوم على يد المطوّع الذي يعلم الناس، ويصلي بهم في مسجد القرية القديم، حيث كان يتجمع أبناء مناطق المنيعي في المسجد أو تحت شجرة كبيرة تسمى شجرة المطوّع، وأقيم بجانبها في الوقت الحاضر مسجد كبير، وكان المطوّع يعلم الأبناء القرآن قراءة وكتابة، وأداء الصلاة وكيفية الضوء، والكثير من الأمور الدينية والحياتية في جوانبها كافة. كما كان يعلمهم الحساب، وكان التعليم مقابل إهداء المطوع بعض التمور أو شيئاً بسيطاً من المحاصيل الزراعية أو منتجات الحيوانات، وكان يتمتع باحترام الكبير والصغير من أهالي المنطقة، ويحظى بمكانة كبيرة وعالية بينهم، ولكن بعد قيام الاتحاد بفترة قصيرة انتشرت المدارس في منطقة المنيعي لكل المراحل الدراسية، وكان أبناء وبنات القرية يذهبون إلى تلك المدارس بوساطة الجمال والخيول، وكان عددهم بسيطاً، وأصبحت المنطقة في وقتنا الحاضر تضمّ الكثير من الأبناء والبنات المتفوقين في كل مجالات الحياة، حيث نبغ من أبنائها المدرسون والمهندسون والأطباء والطيارون.. وغيرهم.

التمسك بمعالم الماضي

يقول سيف عبدالله معلا: «تتميّز منطقة الحويلات بشكل خاص، ومناطق المنيعي بشكل عام، بطبيعة خلابة وجميلة، نظراً لوجودها بين الجبال العالية التي تنتشر بداخلها المزارع الخضراء وأشجار السمر والسدر والغاف البرية. كما تتميّز باحتضانها الكثير من المواقع الأثرية والتاريخية التي تعبّر عن التاريخ المجيد للأجداد والآباء، وأهمها بقايا المنازل القديمة وبقايا الحصون والآبار القديمة»، مؤكداً أن هناك الكثير من الأهالي ما زالوا محافظين على تاريخهم وعلى هوية الأرض، من خلال تمسكهم بكل ما هو قديم، مثل بيوت أجدادهم وبعض الأدوات والمقتنيات التي كان يستخدمها الأهالي في الماضي، ومحافظين على بعض العادات والتقاليد المتوارثة من الآباء والأجداد، على الرغم من مظاهر الحياة الرغيدة والرفاهية، والتطور والتحديث. وهناك الكثير من أبناء المنطقة ما يزالون يقومون ببناء منازل العريش في المزارع والمناطق القرية من المنازل الحديثة، لأنها تذكرهم بتاريخ الأجداد والآباء، وتجعلهم يقضون فيها أجمل الأوقات، في أحضان الطبيعة الجبلية الخلابة.