قيمة الحياء التي جاءت العديد من التوجيهات النبوية الكريمة تحث عليها وتؤكد على ضرورة التحلي بها، وتبين فضل من يتخلق بها تجسد صورة رائعة من صور الذوق العام التي أشاعتها شريعة الإسلام.. فالإنسان الذي يتخلق بخلق الحياء لا يصدر عنه إلا كل ما هو خير ،كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الحياء خير كله فالحياء قيمة تبعث على اجتناب القبيح وتمنع من التقصير في حق ذي الحق، ويعصم الحياء صاحبه من مزالق الشر، ويفضي به إلى كل فضيلة وبر ومعروف.
وقد خص رسول الله صلى الله عليه وسلم فضيلة الحياء بالذكر في عدد من الأحاديث دون سائر القيم والخصال الحميدة تنبيها على ما للحياء من أثر في سلوك الإنسان، فالحياء يدعو إلى سائر الخصال الحميدة، وصاحبه دائما يخشى ربه، ويخاف فضيحة الدنيا والآخرة، ويأتمر بأمر ربه، وينتهي بنهيه.. أما من لا حياء عنده فلا خير فيه، لأنه لا يرى بأسا في إعلان فسقه أو شره، ومن هنا وجب تحذير الإنسان منه.
وخلق الحياء كما يؤكد الدكتور أحمد عبدالرحمن أستاذ علم الأخلاق في جامعة الأزهر يضبط سلوك الإنسان بميزان حساس، فكل من يتحلى بهذا الخلق النبيل ليس إنسانا ضعيفا كما يتصور البعض، بل هو إنسان قوي الإيمان لديه كامل الثقة في نفسه، يعرف كيف يعطي الناس حقهم دون أن يجور على حق نفسه أو أهله.. إنه إنسان مهذب عفيف اللسان، يعرف قيمة غض البصر، ويدرك أهمية العفة وتأثيرها في حياته وحياة الآخرين، ويعرف كيف يقصد في الحديث، وكيف يسير بين الناس دون تكبر أو خيلاء.. إنه إنسان كامل الصفات الكريمة لأن الحياء كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كله خير.
بين سلوكين
ويختلف الحياء عن مجرد الخجل.. فالخجل كما يقول علماء النفس والتربية له جوانب سلبية.. أما الحياء فهو إيجابي دائما، ولا يجوز أن يفهم الحياء على أنه أداة مانعة من فعل ما يشين فحسب، فالحياء يشتمل على ذلك وأكثر منه.. إنه مانع ودافع في الوقت نفسه.. مانع من الأفعال المرذولة، ودافع إلى الأعمال المحمودة، لأنه إذا كان شعبة من شعب الإيمان، وإذا كان الإيمان لا ينفصل عن العمل، فإن الحياء بالتالي لا ينفصل عن العمل.
والحياء والنفاق كما يقول الدكتور محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري لا يجتمعان، فالحياة الخلقية للإنسان لا تسمح له بأن يكون ذا وجهين يفعل أمام الناس شيئا وبينه وبين نفسه يفعل شيئا آخر مخالفا، فهذا ليس من المروءة ولا من الأخلاق الكريمة في شيء.. فالمسلم الحق هو الذي يستحي من نفسه كما يستحي من غيره.. ومن هنا قيل: إن المروءة ألا تفعل سرا أمرا وأنت تستحي أن تفعله جهرا.. فالحياء إذن سياج خلقي يمنع المرء من فعل أي أمر لا يتفق مع القيم الأخلاقية والدينية، ويهيئه في الوقت نفسه للالتزام بما يمليه عليه الضمير من سلوك فاضل.
وعلى النقيض من ذلك إذا فقد الحياء أو سقط عن المرء برقع الحياء كما يقال فإنه لا يجد حرجا في فعل أي شيء يتنافى مع القيم الأخلاقية والدينية ولا يخشى في سلوكه هذا لومة لائم، ومن أجل ذلك قيل: إذا لم تستح فاصنع ما شئت وما يصنعه المرء لا يقتصر عليه فقط، بل يتعداه إلى غيره في المجتمع، وهذا يعني أن الحياء ليس فضيلة فردية تقتصر على صاحبها فحسب، وإنما هو بالإضافة إلى ذلك فضيلة اجتماعية أيضا تتعدى صاحبها إلى دائرة أوسع وتشمل المجتمع بأسره.. كما أن نقيض الحياء من الصفاقة والفحش يتجاوز بدوره أيضا دائرة الفرد إلى دائرة المجتمع.
من أجل كل ذلك كان تأكيد الإسلام على ضرورة أن يتحلى المسلم بهذا الخلق النبيل، والذي يعد جزءا لا يتجزأ من الإيمان.. فهو بحق خلق الإسلام كما ورد في الحديث الصحيح إن لكل دين خلقا وخلق الإسلام الحياء وفي ضوء ذلك ينبغي أن يظل الحياء قيمة أخلاقية وفضيلة اجتماعية لا تتأثر بظروف الزمان والمكان.
تخريب فكري
رغم كل هذا الحرص على إشاعة خلق الحياء بين المسلمين لكي يتحلوا بالفضائل وتختفي الرذائل بكل أشكالها من سلوكياتهم وتصرفاتهم اليومية.. فإن البعض يتبنى إشاعة رذيلة التبجح في حياة الكبار والصغار تحت شعارات زائفة ومفاهيم خاطئة.. فبعض دعاة البلطجة في بلادنا العربية والإسلامية يحرضون الآن على خلع برقع الحياء سواء على مستوى الأسرة أو على مستوى المجتمع ككل.. فنجد مثلا من يحرض الأبناء على التبجح في التعامل مع آبائهم وأمهاتهم بدعوى المطالبة بالحقوق.. وعلى التمرد على المدرسين والمربين بل والتمرد على القيم والمبادئ والتشريعات الإسلامية تحت شعارات المدنية والتحضر والتقدم. وهكذا يصور هؤلاء الحياء على أنه علامة من علامات التخلف ومظهر من مظاهر الضعف والخنوع يؤدي في النهاية إلى إهدار الحقوق.
وهذا التمرد الذي تقوده للأسف تيارات سياسية وفكرية وثقافية وتدعمه وسائل إعلام في مجتمعاتنا سيلحق بمجتمعاتنا إن عاجلا أو آجلا كما يقول الدكتور سيد صبحي أستاذ التربية في جامعة عين شمس المزيد من التخريب الفكري والسلوكي، لأن إشاعة رذيلة البلطجة ورفع برقع الحياء سيؤديان إلى إزالة كل الحواجز بين الصغار والكبار، وستضيع كل القيم التربوية الفاضلة وكل الأخلاقيات الإسلامية النبيلة.
ويحذر د. صبحي من محاولة إهدار القيم التربوية تحت مسميات وشعارات جوفاء.. ويؤكد أن الإسلام جاء بقيم تربوية من شأنها إصلاح كل مظاهر الخلل والعوج في حياتنا التربوية والاجتماعية.. ويقول: فضيلة الحياء تربي الإنسان على كل الفضائل، فلا تمتد يداه إلى الحرام، ولا يمتد بصره إلى ما حرم الله، ولا يتطاول لسانه على أحد، ويعرف جيدا حقوق الآخرين عليه، ويوقر الكبير ويحترم والديه وكل من له فضل عليه، ويرحم الصغير ويقدم له كل مساعدة وعون. وهذا يفرض علينا أن نربي أبناءنا على قيمة الحياء، وأن نواجه بكل صلابة كل التيارات والثقافات الوافدة أو النابعة من داخل المجتمع والتي تستهدف جرنا إلى رذيلة التبجح والتمرد والعصيان على قيمنا وأخلاقنا الإسلامية.