مع بداية الحياة الزوجية، يحتل الزوج المكانة الأهم في عقل وقلب زوجته، ويكون هو محور اهتمامها الأول، وسعادته، وإرضاؤه غاية تسعى إليها بكل طاقتها، ولكن بعد إنجاب الأطفال، قد يتغير الأمر كثيراً، فحينها يتوزع اهتمام سيدة البيت بين مهامها كزوجة ومهامها كأم، خاصة أن الأبناء في جميع مراحل حياتهم من الطفولة إلى المراهقة والشباب، يحتاجون إلى قدر كبير من الرعاية والاهتمام، وقد يبدو ذلك في بعض الأحيان مخصوماً من نصيب الزوج، وهنا تنشأ مشكلة متكررة في كثير من الأسر العربية، حيث تشكو الزوجة من تذمر زوجها الدائم، من كثرة انشغالها بالأبناء، وتتهمه بالغيرة من الأبناء، عندما يقوم الرجل بمقارنة بين الوقت والجهد والاهتمام الذي توليه المرأة لأبنائها مقابل الوقت والاهتمام المخصص للزوج، وهنا يلح علينا سؤال مهم: هل يمكن أن يشعر الأب بالغيرة من أولاده، أم أنها وسيلة لاجتذاب اهتمام زوجته، وهل يعد هذا تقصيراً من الزوجة، أم فرط أنانية من الزوج؟ البحث عن الإجابة في السطور التالية:
دعاء حسين (مدرسة بدبي)، تقول: «أحياناً أعاني اكتشاف هذا الشعور بالغيرة في سلوكيات زوجي، فكلما زاد عدد الأبناء وكبر سنهم زادت احتياجاتهم ومتطلباتهم، فأجدني بالفعل أقضي معهم، ومن أجلهم معظم أوقاتي بين تحضير الطعام لهم، أوالاستذكار معهم، أوترتيب ملابسهم، أوحتى اللعب مع الصغير منهم، وأكثر ما يزعج زوجي ويعاتبني عليه، هو أنني أصر على مباشرة كل تفاصيل حياتهم بنفسي، ولا أعتمد على الخادمة كثيراً في الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة، الخاصة باحتياجات الأبناء.
وكثيراً ما يحاول زوجي إقناعي بالذهاب معه إلى السينما مثلاً، أو إلى تمضية وقت خارج المنزل، ولكنني أرفض هذا في أغلب الأوقات، حتى لا أضطر لترك طفلي الصغير وحده بالمنزل مع الخادمة، وإذا اصطحبته معي يسبب لي إزعاجاً شديداً، من كثرة الحركة والشقاوة.
أما معالي فياض «ربة بيت»، فتقول:" بالتأكيد أشعر بغيرة زوجي في أحيان كثيرة من اهتمامي المتزايد بتلبية رغبات أطفالي، خاصة في تحضير قائمة الطعام اليومية، فنادراً ما أطبخ له «أكلة على ذوقه»، ليس عن قصد بالطبع، ولكن لأن أبنائي لا يقبلون على تناول معظم أنواع الوجبات، ولهم ذوقهم الخاص في الأكل، أما زوجي فليس لديه مشكلة في تناول أنواع مختلفة من الطعام، فهو لا يرفض طعاماً قط، وعندما أقوم بإعداد الطعام حسب رغبة أبنائي، أضمن بذلك أنهم سيأكلون أكلاً صحياً ونظيفاً مصنوعاً بالبيت، بدلاً من أن يتجهوا لشراء أكلات سريعة عبر خدمة التوصيل إلى المنازل، وهذا غير مفيد لصحتهم، ولكن زوجي كثيراً ما يزعجه ذلك ويطالبني بإعداد أكلات «على ذوقه هو»، وحسب اختياره، حتى لو لم يأكلها الأبناء، ولذلك فأنا في حيرة، وأسعى دائماً للتوفيق بين رغبات زوجي، ورغبات أبنائي، في تناول الطعام بحيث نجتمع جميعاً على مائدة طعام واحدة.
لا أطيق غيابهم
أما ميرا السبتي موظفة بدبي، فتقول: «كل يوم يسمعني زوجي عبارات مثل: «أنا آخر شخص تعتنين به في هذا البيت..»، طبعاً أولادك هم الأهم والأحب إلى قلبك، أما أنا فليس لي أي أهمية، والمؤلم أنني أشعر أن زوجي في أحيان كثيرة يعني ذلك بالفعل، ولا يقوله لمجرد المبالغة أو البحث عن مزيد من الاهتمام، وكثيراً ما تعلو أصواتنا بالشجار، إذا طلب مني السفر معه في رحلة عمل لتمضية بضعة أيام على أن أترك الأولاد مع الخادمة، ولكنني دائماً أرفض ذلك لأنني أشعر بالمسؤولية تجاههم كأم، ولا أستطيع أن أتركهم بمفردهم مع الخادمة لأيام حتى أذهب في نزهة، وحاولت إقناعه مراراً أنني حتى لو ذهبت، فلن أستمتع بشيء، لأنني سأكون مشغولة البال على الأولاد، ولن يكون ضميري مرتاحاً أبداً، وهكذا يتهمني زوجي بأنني لم أعد أهتم بأمره مثل السابق، وأنني أستطيع أن أطيق غيابه لأيام، ولكنني لا أطيق الغياب عن أبنائي ولو ليوم واحد، وأنني مقصرة في حقه وأدلل الأولاد.
أمر مرفوض
أحمد صلاح (محاسب) يقول: أنا أرفض هذا الطرح أساساً، فلا يمكن أن تعتبر الزوجة مجرد اعتراض الزوج أو شكواه من بعض الإهمال الذي يعانيه منها أنها «حالة غيرة من الأبناء»، فهذا أمر غير مقبول، لأنها تشير إلى أن الأم تهتم بأبنائها أكثر مما يهتم الأب بهم، بينما الأب علاقته بأبنائه وثيقة وقوية، والرجل لا يحب أن يرى أي شخص في العالم يتفوق عليه في أي شيء، إلا ابنه، حيث يكون سعيداً لو تفوق عليه وتجاوزه، ويكون ذلك مصدر فخر له وسعادة وليس مصدر غيرة، فالأبناء مصدر فخر بالنسبة للأب أكثر من الأم بكثير، فهم يحملون اسمه ولقب أجداده، وهم امتداده في هذه الدنيا، لذلك فلا يمكن أن يصدر من الأب تعبيرات توحي بالغيرة ضد الأبناء، وإنما الشكوى من تقصير الزوجة بحقه بحجة أنها تهتم بالأبناء، فالحقيقة أن الزوجة المقصرة هي التي تنتحل هذه الحيلة كوسيلة لدرء الاتهام عنها، وبدلاً من أن تصبح هي متهمة بالتقصير في حق زوجها، ترد باتهام، وهو أن الزوج هو الذي يغير من أبنائه.
ويضحك محمد علاء «طبيب أسنان» من فكرة أنه يجب عليه أن يرضخ دائماً لتناول الطعام في بيته حسب رغبة أبنائه، وإلا يصبح متهماً بالغيرة منهم، ويقول: «وجبتي المفضلة هي الأسماك بأنواعها، ولكنني لا أتذكر أن زوجتي قامت بإعداد هذا اللون من الطعام منذ سنوات طويلة بحجة أن الأبناء لا يحبون الأسماك، وكنت دائماً أقول لها بأنها تفسد ذوقهم في الطعام، لأنها ترفض نهائياً طهي الألوان، التي لا يقبلون عليها والنتيجة أنهم أصبحوا يرفضون تناول معظم ألوان الطعام، يرفضون كل أشكال الأسماك ومنتجات البحر، وكثيراً من أنواع الخضراوات والسلاطة الخضراء ولحوم الخراف، تقريباً هم لا يأكلون إلا الدجاج والمكرونة والوجبات الجاهزة، وهذا بالطبع شيء سخيف وغير صحي، أما الأسماك فزوجتي تحرم دخولها إلى البيت، وعندما أشتهيها أضطر لتناولها في أحد المطاعم، أوعند الأهل والأصدقاء».
أولوية
أما د. محمد توفيق بدبي فيقول: «أتفهم أن يكون للأبناء الأولوية في البيت عندما يكونون في سن الطفولة، فبمجرد ولادة الطفل تكون الأم معذورة، إذا أهملت زوجها قليلاً، لتهتم بطفلهما، ولا يوجد أب ينكر على زوجته ذلك، بل على العكس عليه أن يساعدها على تحمل مسؤولية الطفل، وعندما يكبر الطفل قليلاً، تكون رغباته لها الأولوية داخل البيت، وهذا أيضاً شيء مفهوم ويمكن للأب والزوج أن يقدره ويتفهمه، فلا نذهب في رحلة ولا نخرج إلى مطعم أو إلى نزهة، إلا إذا كان ذلك سيضمن للأولاد أكبر قدر من السعادة، وتكون الأولوية للمطعم الذي يوجد به مساحة للعب الأطفال، وللفندق الذي يوجد به أماكن للألعاب والترفيه عن الأطفال، حتى الرحلات الخارجية، نبحث عن دول تسعد الأطفال بمنتزهاتها وأماكن الترفية واللعب، وكل هذا مفهوم عندما يكون الأبناء في مرحلة الطفولة، ولكن إذا صار الأولاد في سن الشباب، ومع ذلك ترفض زوجتي أن تخرج معي في مطعم يعجبني، إذا كان لا يعجب الأبناء، أو أن نسافر سوياً في رحلة إلى بلد أريد زيارته طالما أنها لا تعجب الأبناء.. أقول لها فلنسافر وحدنا ونتركهم فقد أصبحوا كباراً قادرين على الاعتماد على أنفسهم في غيبتنا لأيام ولكنها ترفض.. تتركني أسافر وحدي وأذهب إلى المطاعم التي تعجبني وحدي وترفض مشاركتي في مثل هذه الأنشطة البسيطة، بحجة البقاء لخدمة الأبناء وضمان رعايتهم أو انتظار أنشطتهم، وعندما تضيق بي الحال، وأواجهها بإهمالها لي، تقول لي وهي تضحك: «هل تشعر بالغيرة من أبنائك».. والواقع أنني لا أشعر بالغيرة من أبنائي، ولكن من قلة الاهتمام من زوجتي.
الأمومة والأبوة أقوى من الغيرة
يقول د. أحمد الشافعي أستاذ علم النفس بجامعة عجمان بالفجيرة، عن هذه المشكلة: الغيرة هي أفكار وأحاسيس وتصرفات، تحدث عندما يعتقد الشخص أن علاقته القوية بشخص ما أو مكانته يتم تهديدها من قبل طرف آخر منافس، وهذا الطرف الآخر قد يكون مدركاً أو غير مدرك أنه يشكل تهديداً.
والغيرة تنقسم إلى قسمين رئيسيين: الغيرة الطبيعية والغيرة غير الطبيعية، وتنقسم الغيرة الطبيعية بدورها إلى عدة أقسام، منها الغيرة الرومانسية، والعديد منا يشير إليها على أنها غيرة طبيعية، وتنشأ في بداية قصص الحب، أما الغيرة في العمل، أو «غيرة القوة»، فتنشأ بسبب غياب فرصة الترقي في العمل ومعدلات الرواتب، وغيرها من الأمور التي تحدث داخل إطار العمل، وهناك غيرة الأصدقاء، وهى غيرة المراهقة، حيث يكون الخوف من فقد أحد الأصدقاء وذهابه إلى شخص آخر متطفل على الصداقة الأصلية.
أما الغيرة غير الطبيعية، فهي التي توصف بأنها مرضية أو نفسية أو وهمية، وتتحكم فيها الكثير من العوامل مثل الشعور بعدم الأمان، وعدم النضج، ووجود مرض عقلي مثل الهوس أو الشيزوفرينيا.
وتتأثر غيرة الشخص بعوامل عديدة منها النوع، العمر أو العرق، وغيرها من العوامل الأخرى، إلا أن النوع هو الأكثر بروزاً في عقلية الناس، وهناك مقولة قديمة تفيد بأن النساء أكثر غيرة من الرجال، وقد يكون السبب وراء ذلك أن الإناث لديهن معدلات عالية من الإخلاص والوفاء والطيبة والتقمص العاطفي والالتزام مقارنةً بالذكور، ولذا يظهرن غيرتهن بمجرد عدم تحقق مثل هذه المعايير، وبالتالي تبدو الغيرة على أنها نمط سلبي.
وعن المحفزات التي تثير غيرة الرجل والمرأة فهي متساوية، فكلاهما يشعران بالغيرة عندما ينتابهما شعور بالخوف من فقد شيء أو شخص يعني الكثير بالنسبة لهم، في حين تشير بعض الدراسات إلى أن غيرة المرأة تكون من المنافس لها أكثر من غيرتها على شريكها نفسه.
وحسب د. أحمد الشافعي، تُترجم الغيرة غير الطبيعية في صورة محاولة فرض السيطرة والتحكم المفرط في الشريك الآخر، لأن لديه شعوراً غير حقيقي بعدم إخلاصه، وهنا يُصدر الشخص الغيور تصرفات تتسم بالغرابة، و لكن رغم أن كلاً من الغيرة والأمومة والأبوة عاطفة، فإن عاطفتي الأمومة والأبوة تفوقان بكثير عاطفة الغيرة، ولذلك ليس من المتصور عند تنافس عاطفتي الأبوة والغيرة أن تنتصر الغيرة، هذا أمر مستبعد بالنسبة للرجال الأسوياء.
وهذا معناه، وفق الشافعي، أنه لا يمكن منطقياً أن يغار أب من طفله، لأنه يشعر أن الأم تهتم بالطفل أكثر منه.
ويقول: في الأغلب ما تكون بعض سلوكياته بهدف تحفيز الأم علي استمرارها في الاهتمام بزوجها والسعي لإرضائه وإسعاده، وبالطبع غيرة الأب ليست سلوكاً على الإطلاق، لأنها ضد الفطرة، كما أنها ضد المنطق والتفكير السليم، فالرجل الذي يشعر أن طفله يهدده، أو حتى يضع نفسه في مقارنة مع طفله، هو شخص غير ناضج انفعالياً وغير متزن عقلياً.
الزوجة العاقلة هي التي تتفادى مثيرات الغيرة، وخاصة بين أبنائها، فلا تعقد مقارنة بين طفل وآخر، كما أنها إذا استشعرت بعض الغيرة من جانب الزوج، تحاول تصويب الأمر من خلال زيادة الاهتمام به بأي طريقة تراها ممكنة.