تحقيق: زكية كردي
على مدرجات الجامعات يتحول الخيال إلى واقع، حيث تبدأ دورة الحياة الجديدة ويسقط بعضهم في متاهة اختيار التخصص المناسب من جديد بعد اصطدامهم بسوء خيارهم وعدم ملاءمته لقدراتهم أو لميولهم الدراسية، بعضهم يرجع الأمر إلى عدم وضوح الصورة عن طبيعة التخصصات الجامعية وقوانينها ومدى صعوبتها، وبعضهم الآخر يعيد الأمر إلى رغبات الأهل التي دفعته ليكون حيث لا ينتمي، لتكون النتيجة في النهاية ضياع وقت الطالب وتعثره في تحديد وجهته وطريقه في هذه المرحلة .
يرى مانع خلفان الكندي "طالب جامعي" أن قرار الطالب بتغيير التخصص يعود إلى افتقاره إلى المعلومات الكافية عن الاختصاص الذي سوف يتوجه إلى دراسته قبل المرحلة الجامعية، وعن تجربته الخاصة يقول: "رغم أن وسائل الدعاية للجامعات متوافرة، ولكن إذا تصفحنا كل الكتيبات التي تخصها لن نجد في أي واحد منها شيئاً عن الشروط والواجبات، والتي يجب أن يكون على اطلاع عليها، ويكمل أنه من كلباء ولهذا لم تكن لديه صورة واضحة عن الجامعة وعن الاختصاصات المتوافرة فيها، واختار دراسة الطب نزولاً عند رغبة والده، ولكنه بعد أن تقدم لامتحان اللغة الإنجليزية اكتشف أن شروط القبول صعبة وأن الدراسة لا تناسبه، ويؤكد أنه نجح في تغيير الاختصاص اليوم الأخير قبل أن يخسر المنحة التي حصل عليها من جهة حكومية .
توافقه الرأي دانيا ابراهيم "طالبة في جامعة الإمارات" مشيرة إلى أنها قررت الانتقال من قسم الترجمة الذي انتسبت إليه في البداية بعد أن اكتشفت أن الترجمة الفورية التي كانت ترغب في دراستها غير متوافرة، وأنها تدرس فقط في جامعتين في الوطن العربي إحداهما في مصر والأخرى في عمان، ولهذا قررت بتشجيع من الأهل الانتقال إلى دراسة الإعلام لتختار تخصص الإذاعة والتلفزيون الذي كانت ترغب به منذ البداية، والذي ابتعدت عنه لاعتقادها أن الجامعة تدرس الصحافة المكتوبة فقط، وتضيف أنها لاحظت أن أغلب الطلبة الذين يقررون تغيير اختصاصاتهم سواء إذا وجدوها صعبة بالنسبة إليهم، أو لأنهم لم يجدوا أنفسهم فيها ينتقلون عادة إلى دراسة الإعلام وتحديداً إلى اختصاص العلاقات العامة التي يعتقدون أنها أكثر سلاسة من الاختصاصات الأخرى ويشاع بأن الوظائف متاحة لحملة هذه المؤهلات .
تكون المواد الدراسية صعبة عندما لا توافق ميولنا، وهذا ما يؤكده عبدالقادر مكناس "طالب جامعي -تخصص غرافيك" يقول: سجلت في كلية الهندسة المدنية عام 2010 واكتشفت بعد دراستي لها طيلة فصل دراسي كامل أنني لن أستطيع الاستمرار بسبب صعوبة المنهج الدراسي ضغط الأهل علي للاستمرار، ولأنني كنت أدرس فن الخط قبل أن أذهب إلى الجامعة وكنت أميل إلى تصميم الغرافيك قررت أن أختار اختصاصاً يناسبني ونقلت أوراقي إلى المكان المناسب بعدها .
الكثير من الطلاب يختارون التخصص تبعاً للاسم من دون أن تكون لديهم المعلومات الكافية عنه، حسب ريم عماد كامل السفاريني "طالبة في هندسة الطاقة"، وتقول: "يتراجع الكثير من الطلبة عن الاستمرار في دراسة التخصص الذي اختاروه بعد فترة عندما يكتشفون أن المواد التي يدرسونها مملة بالنسبة إليهم لأنها لا تناسب ميولهم، أو صعبة لدرجة أنهم يعجزون عن استيعابها، ولهذا يقررون الانتقال إلى تخصصات أخرى بعد أن تتضح الصورة لديهم حول الاختصاصات في الجامعة وطبيعة المواد فيها .
أما حسن البلوشي "طالب في جامعة الشارقة" فبعد أن درس تقنية المعلومات لعامين ونصف العام وحصل على الدبلوم، حاول أن يكمل دراسته في نفس التخصص في إحدى الكليات، ولكنه لم يحب أسلوب التدريس في الكلية حينها حيث يعتمدون على الأسلوب النظري في تدريس المواد العلمية، ولهذا قرر أن يترك الكلية في الفصل الثاني، وبعد فترة حاول أن ينتسب إلى الأكاديمية التقنية ولم يستطع لأن شهادته الثانوية قديمة، فقرر دراسة القانون بعدها حيث اختاره لأنه كان التحق بالعمل ولم يكن يستطيع الالتزام بالدوام الصباحي، لهذا كانت دراسة القانون هي الخيار الوحيد المتوفر في ظروف وقته المسائية، ليكتشف بعد فترة أنه بعيد تماماً عن هذا التخصص، ويقرر أخيراً أن يدرس الإعلام الذي وجد نفسه فيه، واقترب من التخرج أخيراً .
لأنه كان يمتلك فكرة خطأ عن الاختصاص الذي سوف يدرسه، ضيع سعد راشد الخالدي "طالب في كلية الاتصال" عامين دراسيين، ويقول: بعد أن سجل راشد في كلية الاتصالات معتقداً أنها تدرس العلاقات العامة والاتصالات الشخصية اكتشف أن المواد التي درسها علمية، وهي أقرب إلى الهندسة، ولكنه استمر في دراستها حتى حصل على الدبلوم، ليعود بعدها ويسجل في قسم الاتصال الذي كان يقصده منذ البداية، ويرجع ماحدث له إلى غياب التوجيه اللازم خلال المرحلة الثانوية عن الاختصاصات الجامعية التي يقرر الطالب ما سوف يختار منها .
وعن أسباب وقوع الطلاب في هذه الحيرة وتشتتهم في تمييز ما يناسبهم منذ البداية، يوضح د . موسى شلال "مدرس علم الاجتماع في جامعة الإمارات"أن النموذج السائد في مجتمعاتنا الشرقية هو قيام الأهل والمجتمع بتوجيه الطالب نحو تخصصات تتناسب وتطلعاتهم للتباهي بالشهادات المرموقة والمميزة، لتتنحى الخيارات الأخرى التي قد تناسب ميوله أكثر من غيرها، حيث يزرعون رغباتهم هم في عقلية الطالب، الذي لا تساعده إمكاناته ولا ميوله على دراسة هذه التخصصات التي تنحصر في الطب والهندسة عادة، وأحياناً لا يكون للأسرة علاقة فتظهر طموحات كبيرة للطالب للدراسة في الفروع العلمية ليرضي تطلعاته في المستقبل .
وعن دور الجامعة والإرشاد الجامعي، يوضح "الشلال" أن مشكلة الطلبة الحصول على المعلومات من أقرانهم بدل الاستعانة بالمرشدين لدعمهم ومساندتهم في تحديد خياراتهم، ويقول: "تتوزع مسؤولية التشتت الذي يصيب الطلاب مابين المجتمع والعائلة والطالب نفسه، فكل منهم يتحمل جزءاً من المسؤولية، وينبغي في الأحوال الطبيعية أن تقوم الأسرة بمساندته بأن تنتبه لميوله والمواد التي تميز بها في المرحلة الثانوية لترصد ما يناسبه في المرحلة الجامعية وفي العمل فيما بعد، ولكن لا ينبغي أن يفرض الأهل على الطالب أو يملوا عليه ما سيختار، بل عليهم أن يكتفوا بنصحه مع شرح الأسباب التي تتعلق بمصلحته ومستقبله وحده، ويتركوا له مجال الاختيار .