الحيرة من (الحير)، وحير على الشيء أي أحاط به، والحيرة مفرد وتعني أن يقوم الإنسان إذا ضاعت منه مثلاً دجاجة أو عنز أو أشياء في المنزل بعمل (الحيرة) عند بعض النساء أو الرجال الذين يقرأون آيات قرآنية وينفثون في (هدب) أو (حبل) أو (قطعة قماش)، ثم يأخذها المتضرر ويربطها في مكان ما يحدده المحير، ويقول إذا مثلاً ضاعت دجاجة اربطوا الهدب في (الماواة)، وهي جريدة مرتفعة عن الأرض ينام عليها الدجاج وتسمى (ماواة)، من المأوى أي المنامة .
وأذكر عندما كنا صغاراً كان في بيتنا دجاج وهوايش (طماطم) والواحدة طمطمة، وهي أنثى الماعز، وافتقدت الوالدة إحدى الدجاجات، وبحثنا عنها في كل مكان فلم نجدها فقررت الوالدة الذهاب إلى إحدى النساء تسمى الكنكية، نسبة إلى كنج في برفارس، وهذه المرأة تقرأ القرآن الكريم، وتعمل (الحيرة) و(ردوُد العين) و(المحو) حسب المعتقدات الشائعة آنذاك، ذهبت مع الوالدة إلى (الكنكية)، وأخبرتها عن الدجاجة الضائعة من البيت، فقامت وأحضرت خيطاً من قماش أذكر ذلك جيداً، ثم قرأت فيه ونفثت وأعطت الوالدة الخيط، وقالت لها اربطي الخيط في (ماواة) الدجاج، وفي الصباح افتحي الباب وسترجع الدجاجة الضائعة إذا كانت (طافة) من الجدار، أو إذا كانت في الفريج، فتحنا الباب من فجر الله وانتظرنا، لكن الدجاجة لم ترجع، وكانت الوالدة تراقب الباب خاصة أن هذه الدجاجة بياضة، نأكل منها يومياً البيض، لم ترجع الدجاجة، بعد يومين ذهبت مع الوالدة إلى (الكنكية)، وأخبرتها الوالدة بأن الدجاجة لم ترجع، فقالت: ابحثوا عنها في البيوت القريبة، فقامت الوالدة تبحث عنها، وإذا بالدجاجة في بيت قريب من بيتنا، عرفتها الوالدة وأخبرت أهل البيت وهم جيراننا بأن هذه دجاجتنا، فقالوا خذيها . وكانت الدجاجة (راكة) على البيض، فأخذت الوالدة الدجاجة والبيض . وفرحنا أتذكر برجوع سيدة الحسن والدلال دجاجتنا العزيزة . فهذه قصة شاهدت أحداثها وأنا ما زلت في السادسة من العمر، ومن يومها عرفت الحيرة وطقوسها، وتلك المرأة التي خفت منها في البداية فهي عجوز قصيرة الجسم وعيناها بارزتان رحمها الله، وفي أحد المرات ضاعت عنز لجيراننا قوم عبيد بن سيف، لكنهم لم يحيروا إنما استأجروا شباباً وأخبروهم بأوصاف العنز وشكلها، وأخذ الشباب يمرون بين السكيك ينادون يا مرحم الوالدين محد شاف عنز، لونها كذا، وحجمها كذا، اللي يأكلها كله بطنين بالس على حفرتين، ألخ، وهذا النداء بمثابة إعلان عن ضياع شيء، وأن أهله يبحثون عنه، ويحذرون من يستولي عليه .
مرت تلك السنوات الجميلة وانقضت أيام السكيك والفرجات وريحة السدر، وتجمع النساء في (بيت جاوي) عند (كوكؤه)، وهي شيخة بنت سعيد رحمها الله، فقد كانت إنسانة عطوفة تحب الناس، وتتجمع النساء بعد العصر في بيتها، وكانت سيدة البيت موزة بنت مجلاد . ومن النساء اللاتي أذكرهن زهرة بنت دليل، وموزة زوجة غيث وموزية ومريم بنت يوسف يلقبونها (مرجم)، وغيرهن من نساء الفريج .