أسماء الله الحسنى الثلاثة: الخالق، البارئ، المصور، ليست أسماء لمعنى واحد، ولا هي مترادفات، ولا ينبغي أن تكون كذلك، يقول العلماء إن الخالق هو المخرج الأشياء من العدم إلى الوجود، وإذا كان كل ما يخرج من العدم إلى الوجود يفتقر إلى تقدير أولاً، وإلى الإيجاد على وفق التقدير ثانياً، وإلى التصوير بعد الإيجاد ثالثاً، فهو سبحانه الخالق من حيث إنه مقدر، والبارئ من حيث إنه مخترع موجود، ومصور من حيث إنه مرتبٌ صور المخترعات أحسن ترتيب، وعلى هذا فالخالق عام، والبارئ أخص منه، والمصور أخص من الأخص، ويتبين من خلال معرفتنا لمعنى الخالق والبارئ والمصور في الآية التي في أواخر سورة الحشر أن الخالق هو المقدر، والبارئ هو الموجد بعد أن قدر، ثم بعد ذلك أعطى كل شيء هيئة تخصه وصورة فهذا هو المصور.

الخالق

هو الخالق وحده لا شريك له، وكل ما سواه مخلوق عاجز وضعيف: قُلْ اللهُ خَالِقُ كُل شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهارُ، وهو الخالق قبل أن يخلق الخلق، فله الكمال المطلق منذ الأزل، وهو خالق كل صانع وصنعته، كما ثبت ذلك عن الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الإمام البخاري من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله يصنع كل صانع وصنعته) يقول الإمام البخاري معلقا عليه: فأخبر أن الصناعات وأهلها مخلوقة.

والخالق في اللغة اسم فاعل فعله خلق يخلق خلقا، والخالق من أشهر الأسماء الحسنى، وهو بهذا اللفظ والإطلاق لا يسمى به سوى الله تبارك وتعالى: هُوَ اللهُ الخالِقُ الْبَارِئُ المُصَورُ لَهُ الأسْمَاءُ الحُسْنَى (الحشر: 24)، وخلاصة ما ذكره العلماء في معنى الخالق أنه من التقدير وهو العلم السابق، أو القدرة على الإيجاد والتصنيع والتكوين.

والعبد الذي يتعبد ربه الخالق ينبغي أن يتفكر في معنى عظيم وهو أن هذا الخلق الذي أوجده الله عز وجل لم يكن عبثا، وأن الله سبحانه لم يرد به لعبا أو لهواً: أَفَحَسِبْتُمْ أَنمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللهُ الملِكُ الحق لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَب الْعَرْشِ الْكَرِيمِ فالله ينكر عليهم هذا الظن الفاسد، وأوضح ربنا هذه الحكمة العظيمة من وراء الخلق فقال: وَمَا خَلَقْتُ الْجِن وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، وفي حديث سيد الاستغفار تعبد لله باسمه الخالق، والحديث أخرجه البخاري من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سَيدُ الاِسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللهم أَنْتَ رَبي، لاَ إِلَهَ إِلا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ..).

البارئ

يقول الحافظ ابن كثير: الخلق هو التقدير، والبرء هو الفري وهو التنفيذ وإبراز ما قدره وقرره إلى الوجود، وليس كل من قدر شيئاً ورتبه يقدر على تنفيذه وإيجاده سوى الله عز وجل.

والبارئ أيضا هو الذي أبرأ الخلق، وفصل كل جنس عن الآخر، وصور كل مخلوق بما يناسب الغاية من خلقه، وقال العلماء: (هو المعنى الذي به انفصلت الصور بعضها من بعض، فصورة زيد مفارقة لصورة عمرو، وصورة حمار مفارقة لصورة فرس فتبارك الله خالقا وبارئا).

وقد ورد اسم الله البارئ ثلاث مرات في القرآن الكريم في آيتين، الأولى في أواخر سورة الحشر وهي قوله تعالى: هُوَ اللهُ الخالِقُ الْبَارِئُ المُصَورُ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى يُسَبحُ لَهُ مَا فِي السمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الحكِيم، والثانية في سورة البقرة وهي قوله تعالى: فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنهُ هُوَ التوابُ الرحِيمُ.

والبارئ سبحانه يعني واهب الحياة للأحياء، الذي خلق الأشياء صالحة ومناسبة للغاية التي أرادها، وهو الذي يُتِم الصنعة على وجه التدبير ويظهر المقدور وفق سابق التقدير، قال تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِن ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (الحديد: 22).

والغالب في استعمال هذه اللفظة (البارئ) أنها تستعمل في خلق الحيوان وما كان فيه الروح، فيقال برأ الله عز وجل النسمة بمعنى أوجدها وخلقها، ولا يكاد الناس يقولون برأ الله السماوات، برأ الله الجبال، برأ الله الشجر، وإن كان هذا المعنى صحيحا، ولكن الغالب أن يقال خلق الله السماوات، وخلق الله الجبال، وبرأ الله الخلق، وخلق الله الخلق، فصار هذا فرق بالاستعمال من حيث الغالب.

المصور

سمى الله عز وجل نفسه بهذا الاسم الكريم في موضع واحد وهو في سورة الحشر في قوله تعالى: هُوَ اللهُ الخالِقُ الْبَارِئُ المُصَورُ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى يُسَبحُ لَهُ مَا فِي السمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وصورة كل مخلوق هي هيئة خلقته، والله تعالى هو البارئ وهو المصور، فالصورة هي الهيئة، والمصور هو الذي يشكل ويعطي كل مخلوق هيئته التي تناسبه وتليق به.

وذكر الله عز وجل أنه يصور ما شاء، وورد ذلك في مواضع من كتاب الله تعالى، من ذلك ما جاء في سورة آل عمران: هُوَ الذِي يُصَورُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الحكِيمُ وهذا كمال علمه وقدرته وإرادته، وجاءت أيضاً إضافة التصوير إلى الله تبارك وتعالى في آية أخرى من سورة الأعراف وهي قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُم صَورْنَاكُمْ ثُم قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنْ الساجِدِينَ، وجاء أيضا في قوله تعالى: وَصَورَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وذلك في موضعين في كتاب الله عز وجل، والموضع الأول في سورة غافر، والثاني في سورة التغابن، والمعنى أن الله خلقنا في أحسن صورة وأجمل هيئة وفضلنا في هذا الخلق على كثير ممن خلق، وجاء أيضا في قوله تعالى: هُوَ اللهُ الخالِقُ الْبَارِئُ المُصَورُ والخالق هو المقدر في هذه الآية، والبارئ هو الذي أوجد ما قدر على وفق تقديره فأبرزه في الخارج وأوجده، وأما التصوير فهو أن الله أعطاه هيئة مناسبة وشكلا لائقا به، والآية الأخيرة في هذا هي قوله تعالى: فِي أَي صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكبَكَ في سورة الانفطار، والمعنى: أن الله تعالى يركب هذا المخلوق في أي صورة يختارها على حسب ما تقتضيه حكمته جل وعلا.

وإذا عرف العبد أن الله هو المصور فإنه لا يغتر بما أعطاه الله من حسن الخلق وكماله وموفور الجمال والخصائص التي تميزه عن سائر الناس وإنما يتواضع لله عز وجل ويزداد شكرا له ويحمده على ما أنعم عليه به، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إذا سجد في سجود التلاوة (سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره بحوله وقوته فتبارك الله أحسن الخالقين).

والمؤمن الذي يتعبد الله المصور يعلم أن حسن الظاهر إن كان من غير صلاح في الباطن فإن ذلك صورة لا معنى لها، وإنما يكمل هذا الحسن ويتم إذا سعى العبد في تصحيح باطنه وفي تقويم نفسه وتهذيبها على طاعة الله عز وجل، وكان صلى الله عليه وسلم يدعو ربه فيقول: (اللهم كما أحسنت خَلقي فأحسن خُلقِي).

الخلاق العليم

ورد اسم الله الخلاق في قوله تعالى: إِن رَبكَ هُوَ الخلاقُ الْعَلِيم (الحجر: 86)، وصح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (جاء العاص بن وائل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظم حائل ففته فقال: يا محمد أيبعث الله هذا بعد ما أرم؟ قال: نعم يبعث الله هذا ويميتك ثم يحييك ثم يدخلك نار جهنم، قال فنزلت: أَوَلَيْسَ الذِي خَلَقَ السمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الخلاقُ الْعَلِيمُ (يّس: 81).

والخلاق صيغة مبالغة، والفرق بين الخالق والخلاق أن الخالق هو الذي ينشئ الشيء من العدم بتقدير وعلم ثم بمشيئة وتصنيع وخلق عن قدرة وغنى، أما الخلاق فهو الذي يبدع في خلقه كما وكيفا فمن حيث الكم يخلق ما يشاء كما قال تعالى: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيهَا الناسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرا، وأما من حيث الكيف فقال عز وجل: وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُر مَر السحَابِ صُنْعَ اللهِ الذِي أَتْقَنَ كُل شَيْءٍ إِنهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُون، فالخلاق هو الذي يبدع في خلقه كما وكيفا بقدرته المطلقة، فيعيد ما خلق ويكرره كما كان، بل يخلق خلقا جديدا أحسن مما كان، وتلك قدرته المطلقة فهو الخالق الخلاق كما أنه الرازق الرزاق.

وكان جابر بن عبد الله رضي الله عنه يدعو فيقول: (اللهم إنك خلاق عظيم، إنك سميع عليم، إنك غفور رحيم، إنك رب العرش العظيم، إنك البر الجواد الكريم، اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني واجبرني وارفعني واهدني ولا تضلني وأدخلني الجنة برحمتك يا أرحم الراحمين).

والإيمان بأن الله هو الخلاق يقتضي الإيمان بكل ما أخبر به سبحانه عن عالم الغيب، والإيمان بأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الناس مبعوثون ليوم عظيم، يوم يقوم الناس لرب العالمين.