إعداد: محمد فتحي

أسهمت الخرائط منذ القدم في فهم الإنسان لما حوله من معالم أماكن وسهلت عليه التخطيط لتنمية البيئة من حوله، وساعدته على تقسيم الأراضي والبناء في القرى وتحديد الملكيات وقادته للسفر عبر القارات والإبحار في المحيطات واستكشاف البلاد البعيدة، ولكن على المستوى الشخصي لا يعلم الكثير منا أين هو وأين يجلس وأين يقع مسكنه أو مكان عمله، وهل هو في منتصف المدينة أم على الأطراف، وأحيانا لا نعلم إلى أين نتجه ونجد ما نبحث عنه يقع بجانبنا مباشرة دون أن نعلم،لذا أتاحت التكنولوجيا الرقمية معرفة الإنسان لأدق التفاصيل المحيطة به وكيفية الوصول إليها بأسرع وقت ممكن .
انحصرت معرفتنا للأماكن باعتمادنا على الذاكرة والوصف اللفظي أثناء سؤالنا إلى أين نتجه، ولتلك الأسباب طورت عدد من الشركات الرائدة عدة خرائط عمليه لتقسيم المدن إلى قطاعات أو فئات بحسب الاهتمامات كحصر الخرائط للأماكن الترفيهية أو المصالح الحكومية وغيرها، مما يجعلنا ننحصر نحن أيضا في الخرائط بنفس التقسيم حتى لا يصيبنا التشتت، ولسهولة التعامل معها وحملها طبقت في الحواسب الآلية والهواتف الذكية وداخل السيارات، ما كان له أثر بالغ في عدم ضل الطريق لآلاف من المستخدمين، كما طورت عدد من الشركات نظم خرائط حية للمدن مستمدة من الأقمار الصناعية، فضلا عن تطبيق "Google earth" الذي يتيح للمستخدمين في أغلبية دول العالم الاطلاع على أي من أجزاء العالم ومعرفة مواقعها وتفاصيلها .
على الرغم من التقنيات الهائلة في مجال الخرائط، إلا أنها أغفلت أغلب أماكن العالم التي يود الكثيرون استكشافها، فعلى سبيل المثال لم تصمم خرائط لاكتشاف البحار إلا حينما قامت شركة "غوغل" بإطلاق مشروع "open sea map" أو خرائط البحار المفتوحة عام 2009 كخدمة مجانية للكشف عن الأماكن السياحية والجزر النائية والعديد من المعالم التي تثير اهتمام الأشخاص العاديين، وكذلك رسم خطوط الملاحة في بعض السواحل لسهولة ارتيادها بالقوارب الصغيرة والسفن السياحية . كما أن تصميم خريطة لمركز تجاري صغير يحل العديد من المشكلات التي يواجهها الأفراد في إيجاد محال تجارية أو مقاهٍ أو مراحيض بالداخل، لذا أطلقت شركة غوغل برنامج "indoor maps" الذي يضم خرائط داخلية لنحو 10 آلاف مبني تتنوع وظائفها ما بين مراكز تجارية ومستشفيات ومحطات القطارات وعدد من المطارات، والجامعات وتقول مانيكا جوبتا كبيرة مديري قطاع "Google Maps"، إن أهمية المشروع تكمن وراء الاستغناء عن الخرائط الثابتة والتقليدية داخل الأماكن العامة والتي تؤدي إلى الارتباك أكثر من التعريف بالمسار الصحيح، كما تقود المستخدمين خلال مسارات معينة شبيهة بال "GPS" داخل السيارات .
تعدت الخرائط الرقمية وظيفة التعريف بالأماكن وأصبحت أيضاً قاعدة معلوماتية ضخمة تضم أخباراً يجري تحديثها بشكل فوري وعلى مدار الساعة لتعطي معلومات دقيقة عن حالة المرور ومواعيد الحافلات والتغيرات المفاجئة في حالة الطقس، ويقول نيجل شاد بولت مدير معهد البيانات الحرة بلندن، إن تلك المعلومات لم تعد مقصورة على الهيئات الحكومية، وأصبح بالإمكان استخدام قواعد بيانات العديد من الأقمار الصناعية التي تتيح خدماتها، وهو الأمر الذي جعل تداولها بالأمر المتعارف عليه والقانوني بين الناس، كما سمحت الحكومات بتداول العديد من الخرائط، فعلى سبيل المثال أتاحت وزارات الداخلية ببريطانيا والولايات المتحدة عدة خرائط لأشهر البؤر الإجرامية والشوارع الجانبية المشتبه بها والتي تمثل خطراً حقيقياً على من يدخلها عن غير قصد، بما يسهم في الحفاظ على الأرواح وتجنب عمليات السرقة بالإكراه أو الاختطاف، كما يتم تحديث تلك الخرائط على مدار الساعة كلما تم إدراج العديد من الأماكن المشتبه بها أو خلو أخرى من العناصر الإجرامية وتطهيرها، وهو الأمر الذي يجعلنا أحيانا نغير قرارنا في دخول بعض الأماكن أو حتى السفر إلى بعض المدن، كما أتاحت بعض الشركات الاستثمارية والهيئات المالية في الولايات المتحدة تطبيقات لخرائط بأسعار المنازل والمحال التجارية التي تملكها، مما يوفر الوقت والجهد للزبائن لتحديد وجهات استثمارهم أو أماكن إقامتهم في أقل وقت ممكن، وعلى الرغم من دقة تلك الخرائط إلا أن اقل خطأ بها يمكن أن يتسبب في كارثة، مثلما حدث في تسبب شركة إلكترونيات عملاقة في فقدان سائح بإحدى المدن النائية في أستراليا بسبب عدم إدراجها في الخريطة على الهاتف الذكي بسبب عيب تقني، ما أدى إلى جهود بحث استمرت لأيام حتى تم العثور على السائح في حالة مزرية .
تقول بات سيد الباحثة في تاريخ الخرائط في جامعة كاليفورنيا، إن الخرائط القديمة وحتى الرقمية تفتقدان إلى ميزة مهمة جداً وهي عدم الواقعية أو عدم إمكانية رسم خرائط أو تكوينها بأشكال الأماكن الطبيعية، ما يتسبب في حيرة البعض من التعرف إلى الأماكن لفقر خيالهم، وتضيف: يعمل مصممو الخرائط على استحداث عدة تقنيات وأفكار تعكس الواقع ليبدو حقيقياً من منظورنا الخاص بدون أن نشعر، فعلى سبيل المثال هناك الكثير من الخرائط التي نجحت في عمل تباين وتناسق بين طبيعة الأبنية والأماكن والإشارة إليها بعلامات تمثل أشهر معالمها كنوع لعبة شهيرة لتمييز مدينة ملاهٍ أو شجرة كبيرة للإشارة إلى متنزه، وهذا أفضل من كونها خرائط مجردة تتداخل فيها الخطوط والألوان التي يصعب التعامل معها .

مزايا وعيوب

يقول تورو إيشيكاوا أستاذ الجيولوجيا في جامعة طوكيو اليابانية، إن الخرائط من الممكن أن تفقدنا مخيلتنا أو شعورنا بطبيعة الأماكن، فعلى الرغم من أهميتها البالغة، إلا أنه يجب أن نعتمد على أنفسنا في الوصول لبعض الأماكن المهمة إلينا، لأن الأجهزة الإلكترونية من الممكن أن تتعطل في أي وقت، ويضيف أنه وجد في دراسة عملية أثناء تجوله ضمن فريق بحثي في بعض الأماكن الجبلية والشوارع القديمة غير المألوفة، أن الذين يعتمدون على الخرائط الرقمية أثناء التجول أبطأ ضعف الذين يستعينون بالخرائط الورقية التقليدية، ما يبرهن على أن الاعتماد عليها أثناء السير على الأقدام أسهل كثيراً لإتاحتها قطاعاً عريضا وثابتا لمعالم الأماكن .

بيانات عن سعادة المدينة

أتاحت الخرائط العديد من الأشياء التي لا يمكن تصديقها، وكان أبرزها إعطاء بيانات عن مدى سعادة المدينة بمجرد النظر في لوحة "GPS" داخل السيارة، وتزود بتلك البيانات من موقع يسمى "Mappiness" الذي بمجرد الدخول عليه يسأل المستخدمين عن تحديد مدى سعادتهم خلال اليوم، ليقوم بعمل مؤشرات على الأشخاص وأماكنهم ومدى سعادتهم داخل نطاق معين أو مدينة ما، ويقوم أيضاً بحساب متوسط الأعداد لإيضاح مدى سعادة الأشخاص، ومن ثم تصبح متاحة لأكبر عدد من المشاركين بمجرد دخولهم إلى الموقع .