الخراريف، وهي جمع لكلمة خرّوفة وتعني الخرافة التي يتم فيها تناول كائنات كانت موجودة في السابق، وبقيت عالقة في ذاكرة الناس، ومن تلك الشخصيات، أم الصبيان، بو سلاسل، بابا درياه، أم الهيلان، أم كربه وليفة، بعير بلا راس، بعير بو خريطه، بو راس، جني الرقاص، حمارة القايله، خطاف رفاي، روعان، سويدا خصف، شنق بن عنق، عثيون، غريب، النغامة، الضبعة، فتروح غفريت القرم، أم الدويس فضلاً عن قصص منبعها الخيال المخص .

استخدم الأهالي الخروفة في الإمارات سابقاً لسردها للأطفال والكبار، لأهداف مختلفة، ولكنها تحولت مع الزمن إلى قصص طبعت في كتب وأعمال تلفزيونية وسينمائية، وهذا لم يمنع بعض الناس من إحيائها عبر سردها على الأطفال في البيوت والمدارس، ومن خلال المهرجانات التراثية والمناسبات العامة .

من الرواة الذين حفظوا التاريخ الشفاهي لدولة الإمارات عثمان باروت، راوي وجامع للتراث، الذي حدّثنا عن الخراريف قائلاً، إنني وجيلي نحفظ الكثير منها، عبر استماعنا إليها في السابق ثم سردها في الوقت الحاضر، وكانت الغاية منها ملء أوقات الأطفال بشيء مفيد عبر توصيل معلومة بأسلوب حكائي وسهل، يعتمد على إثراء مخيلتهم المفتوحة وقدرتهم على تصور الأحداث بصورة درامية، وتخويفهم من الأمور التي كانت من المحتمل أن تلحق بهم ضرراً، مثل البقاء خارجاً بعد غروب الشمس .

وأضاف: لم يختلف الأمر كثيراً بالنسبة إلى الكبار الذين كانوا يجتمعون في المساء ويستمعون للقصص التي كانوا يتبادلونها في ما بينهم، إلا أنها كانت بغرض التسلية وليس التخويف .

وعن التغيرات الجديدة التي طرأت على مصير الخروفة حالياً يتابع: في الوقت الذي كنا نتعلم فيه القراءة والكتابة في الكتاتيب بأساليب بدائية، تحولنا الآن إلى أساليب التعليم المتطورة في تعلمها .

بيّن سلطان بن غافان، شاعر وباحث، أن الخراريف قصص خيالية، كانت الجدات يروينها في الماضي للأطفال، وكانوا يتفاعلون معها، منها قصص عن أشخاص شجعان، وكان الهدف منها أن يشب الأطفال على قيمها الجميلة وكانوا قديماً يضربون المثل بالحيوانات الضخمة والمفترسة . وقال: كانت الجدات يصلن معهم بأحداث القصة إلى نقطة معينة، ويتوقفن كي ينام الأطفال على أن تكمل في اليوم التالي .

وفي نهاية حديثه أكد أن تلك الخراريف كانت من أنقى الجواهر واللآلئ التي كانت موجودة في الماضي، خاصة أن مفرداتها كانت مرتبطة بالبيئة المحيطة بالناس وتمسهم عن قرب .

بدوره حدّثنا علي التميمي، فنان إماراتي، عن الحياة في السابق ودورها في إحياء الخراريف قائلاً: لم تكن هناك مدارس ليلتحق بها الأطفال، وكان الأمر مقتصراً على دور الكتاتيب لتعلم القراءة والكتابة وحفظ آيات من القرآن الكريم وقصائد لكبار الشعراء العرب والشعر النبطي وتعليمهم السنع، إضافة إلى الخراريف التي كان يرويها لهم الأهل لزرع القيم النبيلة فيهم وتضييع الوقت وإلهائهم .

وأضاف: كان يطلب الأهالي من الأطفال أن يعودوا إلى البيت قبل غروب الشمس، وإلا سوف تنقض عليهم أم الدويس تلك الشخصية الخرافية التي تعيش في البحر، التي كان يخوفون بها أطفالهم، ويعطونها صفات خارقة ومخيفة، وكان الأهالي يعتمدون في تخويفهم من تلك الشخصية وغيرها اعتماداً على الصورة التخيلية للأطفال حول تلك المخلوقات . وعندما كانوا يبكون أو يمنتعون عن النوم ليلاً، كانت الأمهات والجدات تروين لهم الخراريف، ويستمتعون بسردها عليهم ويتخيلون أنفسهم أبطالها، ويفرحون أكثر كلما تتطرقت القصة إلى حادثة جديدة يمر بها البطل، إلى أن كانوا يشعرون بنوع من الخدر ينتشر في أجسادهم ويستسلمون للنوم .

وتابع: أما كبار السن كانوا يروون قصصاً من الماضي للشباب والرجال، وهناك رواة كبار في الإمارات، أمثال الشاعر سالم بن علي بن معدن الكتبي، وما زالوا إلى الآن يروون القصص عن الماضي بأسلوب شيق يثير المتابعة لدى المستمعين، وكانوا يستخدمون فيها الذئب والرجل الشجاع، ونحن ورثنا عن ذلك الجيل تلك الخراريف، وننقلها إلى الأبناء، من خلال المهرجانات التراثية والمناسبات العامة وزياراتنا إلى المدارس .

واختتم حديثه بقوله: بعد الانفتاح الحاصل وانتشار طرق التعليم الحديثة، تقوم المدارس والمكتبات بتوزيع تلك القصص على الأطفال لقراءتها .

أما خلفان الكعبي، مدير قرية التراث الثقافية في العين، وجد استخداماً آخر للخراريف بقوله: تعتمد الخروفة على الغاية التي يستفيد منها المتلقي، مثل العادات والتقاليد والشجاعة، وعلى أساسها يتم اختيار القصة المناسبة للكبار والصغار .

وبالنسبة إلى ذكرياته مع الخراريف أضاف: كان الأهالي يجتمعون في جلسات السمر، ومعهم قاص أو روائي يروي لهم القصص التي كانوا يطلقون عليها الخراريف، وأنا بدوري عشت تلك الحقبة وتفاعلت معها، وأقصها الآن على أبنائي . وللأسف حالياً يعرف الشباب الخروفة، ولكنها لا تعنيهم، إلا الذين يعيشون في الأرياف، وفي الأسر الممتدة بفضل العلاقة المباشرة مع الأهل، بخاصة الجد والجدة .

وعن القالب الذي وصلت إليه الخراريف الآن، تابع قائلاً: تطورت الخراريف وتحولت إلى قصص تكتب بشكل درامي، ولها سيناريو وشخصيات، وتطرح بشكل أفلام أو مسلسلات، وهي كثيرة، منها المسلسلات البدوية، ومسلسل الزير سالم، والعكيلي .

وأشار في ختام حديثه إلى أن الإعلام أسهم بتعميم الكثير من القصص، ولكن هناك منها ما لم تتطرق لها، وهناك قصص سمعوها من الكبار، وهي قصص جميلة أسهمت في تفعيل وإقامة الاتحاد ولم شمل الإمارات السبع، وبدورهم يقصونها على أبنائهم لتبقى ذكرى خالدة في أذهانهم والأجيال القادمة .

وبرأي سعيد بن كراز المهيري، باحث في التراث الإماراتي، فإن الخراريف تختلف من منطقة إلى أخرى في الإمارات من حيث المضمون وطريقة سردها، مثل الأفلام التي نشاهدها في السينما والتلفزيون، وهناك قصص أجنبية قديمة، مثل ربون هود تم تحويلها إلى أعمال مرئية ناجحة وذاع صيتها في العالم، ولكن هناك قصص عربية عن الصعاليك مثلاً وبالتحديد قصة عروة بن الورد كانت أقدم من قصة روبن هود ولكنها لم تر النور، وهنا نسأل عن السبب، لأن الغرب ليسوا أفضل منا بأية حال .

وقال: من جملة الخراريف التي تناولها الأهالي روايات حقيقية وأخرى خيالية، كانوا يدخلون فيها الرعب للإثارة، مثل خروفة بو درياه ومنها قصص عن الشجاعة والقوة والكرم والشهامة العربية والبديهة، وقصص عن الحب والخيانة، وقصص فكاهية، وكانت تروى الخراريف نفسها في بلدان عربية أخرى ولكن بطريقة وأسلوب سرد مختلف .

وأضاف: كان الأهالي سابقاً يستمعون إلى الخراريف لدى اجتماعهم عند كبار السن، وكانوا يخرفون على بعضهم بعضاً، وأنا حضرت جلسات منها في السابق .

اختفاء الخروفة

عن واقع الخروفة حالياً قال مؤيد الشيباني، شاعر وإعلامي ومهتم بالتراث: أعتقد أنها انتهت كشكل متداول بين الناس وتحولت إلى مادة للباحثين والدارسين لاستقرار العلاقات الاجتماعية في الماضي، بسبب تعدد وسائل القص في الوقت الذي أصبح فيه حتى الهاتف المتحرك وسيلة لسرد القصص، إضافة إلى الإعلام المرئي الذي ينطوي على آلاف الحكايات التي لا تنتهي، والتي يوضحها بأشكال مختلفة .

وأضاف: التحولات الاجتماعية الجديدة بما فيها الجوانب الاقتصادية والتعليمية الأخرى أنهت عشرات الأشكال التعبيرية، سواء من أداء الفنون أو من وسائل التعبير الشفهية، وتحولنا إلى متلقين أذكياء، والمتلقي الذكي لم تعد تفرحه غيبيات الخروفة القديمة وتفاصيلها البطولية ومفاجآتها التي كان يطرب لها الطفل سابقاً بعد الدخول لعصر الصورة على حساب ما كان سائداً، وهو اللغة أو الكلمة وايقاعها .

واختتم حديثه قائلاً: أفضل وسيلة لاسترجاع القيم التي كانت تتضمنها الخراريف هي أن تتحول إلى عصر الصورة، بحيث نشاهد وضع السيناريو والرؤية الاخراجية وتصويرها عبر أفلام أو رسوم متحركة، وإن شئنا أم أبينا هناك الكثير من القيم الاجتماعية انتهت، مثل روحانية العلاقة بين الجد والحفيد التي انعكست على روح الخروفة في الوقت الحالي .

أشارت رزيقة طارش، فنانة إماراتية، إلى أن الخراريف موجودة منذ أن كانوا صغاراً ويستمعون إليها من الجدة أو الأم، وكانت هناك خروفة اسمها أم الدويس وهي شخصية خرافية، كانوا يقولون، إنها فعلت كذا وكذا، ويذكرون صفاتها المرعبة لتخويفهم بها كي يناموا، وإلا فإنها سوف تحملهم وتلقيهم في البحر، وبالطبع فإن ذلك كان يؤثر في نفسيتهم، لأنهم كانوا ينامون تحت تأثير تلك الكلمات .

وقالت: بعد أن كبرنا أدركنا أنها كانت قصصاً من وحي الخيال، لأنه من غير المعقول تصديق رواية مكنسة تطير، أو حيوانات وشخصيات تمتلك صفات غير قابلة للتصديق، ولكنهم كانوا يستخدمونها لجذب سماعنا إليها، وفي المقابل كانت هناك قصص تحمل القصد نفسه ولكن بأسلوب مغاير تماماً، منها ما كانت ترويه لي جدتي عندما كانت تطلب مني أن أنام مبكراً، وعندما أستيقظ، فإنني سوف أجد تحت المخدة حلاوة لذيذة، وكانت تضعها هناك، وأشعر بسعادة كبيرة عندما أستيقظ وأجدها، ولم أكن أعلم أنها من كانت تفعل ذلك .

وتابعت: أنا من النوع الذي يؤيد وجود الخراريف في حياة الأطفال، ولكن ليس لتخويفهم، بخاصة أنهم الآن أصبحوا متعلمين، لذلك يجب أن يكون أسلوبنا ممتعاً في أثناء سرد أحداث الخراريف، لأن العبرة منها توصيل معلومة إلى الطفل بأسلوب سلس، كي يتعلم العادات الحسنة ويبتعد عن السيئة، وطريقة التعامل الجيد مع الحيوانات، لأنها لا تستطيع أن تتكلم .

واستمرت قائلة: لدي خراريف من تأليفي وبعضها من إعدادي، قدمتها في برنامج على شاشة تلفزيون سما دبي في رمضان ،2012 وكنت أؤدي دور الجدة التي تجلس ومن حولها الأطفال وتروي لهم كل يوم خروفة فيها عبر ومواعظ، وتعلمهم كيف يتعاملون مع الكبار، وكنت أتفاعل معهم عبر افتعال مواقف وربطها بقصص، مثل التوفيق بين اللعب والدراسة بعد العودة من المدرسة، واستطعت بأسلوبي أن أقنع الأطفال، وكنت أقلّد الأصوات فيها ليتعرفوا إلى الأبطال عن قرب، مع تقديم شرح عن كل شخصية، ليتعرفوا إليها أكثر، وفي تلك الأثناء كانوا يتابعون كل حركاتي وأنا أروي لهم الخراريف، وعندما كانوا يجدونني في مركز عام كانوا يتهافتون علي ويطلبون التقاط صور معي، ويسألونني عن بقية الحكاية التي رويتها يوم أمس، ولكنني كنت أطلب منهم أن يتابعوها ليعرفوا بقية الأحداث .

وفي ختام حديثها أوضحت أن الفنانة موزة المزروعي كانت تقدم برنامجاً مشابهاً على قناة نور دبي في ذلك الوقت .