سلطنا الضوء في الحلقة السابقة على تعريفات الخلع، ونتناول في هذه الحلقة حكمه الشرعي. وقد ذهب جمهور الفقهاء ومنهم الأئمة الأربعة إلى أن الأصل في الخلع الكراهة، ويستدل على ذلك بما يلي:
1- قوله -صلى الله عليه وسلم- «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» يدل صراحة على أن الطلاق غير مستحب على الرغم من جوازه؛ وحيث إن الخلع نوع من الطلاق فإنه يأخذ حكمه، فما ينطبق على الطلاق ينطبق على الخلع.
2- الدليل العقلي، فالزواج نعمة من نعم الله -سبحانه وتعالى-، والطلاق أو الخلع كفر لها.
وبما أن الأصل في الخلع الكراهة، فهو تصرف شرعي، ولكل تصرف شرعي حكم شرعي، فهو بالتالي حكم تكليفي تعتريه الأحكام الخمسة:
فهو بالنسبة إلى الزوجة حرام إذا طلبته بغير سبب، لقوله -صلى الله عليه وسلم- «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة». (رواه الترمذي). وهذا يدل على تحريم المخالعة لغير الحاجة؛ لأن فيها إضراراً بها وبزوجها، وإزالة لمصالح النكاح من غير حاجة. وهو مباح إذا كرهت زوجها وخافت ألا تؤدي واجباتها الزوجية فتقع في المعصية، قال تعالى «وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ» (البقرة 229). فالنص يعني بطريق الدلالة رفع الجناح عند المشاقة، فإذا جاز له أخذ ما افتدت به مطلقاً فيما فيه مشاقة منه، فإن أخذه ذلك فيما لا مشاقة فيه أولى.
أما بالنسبة إلى الزوج فالخلع حرام إذا عضل زوجته وأضر بها لتفتدي نفسها منه، قال تعالى «وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ». (البقرة: 231). وهو مباح إذا أتت بفاحشة مبينة، قال تعالى: «وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ» (النساء 19)، والاستثناء من النهي إباحة.
وهو مكروه لهما معاً إذا اختلعا والأحوال بينهما لا خلاف فيها والحال بينهما عامرة والأخلاق ملتئمة.
وحكمة مشروعية الخلع أن الشارع -سبحانه- جعل الطلاق بيد الرجل يوقعه إذا شعر باستحالة العيش مع زوجته، أو حين تقع النفرة بينهما بعد استنفاد وسائل العلاج لإعادة الوفاق إلى حياتهما الزوجية، فإذا وصلت الأمور إلى هذا الحد فلا بأس حينئذ من الطلاق؛ لأن أحداً لا يمكنه التحكم في عواطف الناس ومشاعرهم ليرغمهم على ما لا يرغبون ومنه ينفرون، ومقابل ذلك وضع الشارع -سبحانه- الخلع بيد المرأة؛ لتفتدي نفسها منه فتبذل له ما قدم لها من مهر، فهي كالرجل لها مثل ما له من المشاعر، وتحس مثل ما يحس، وقد تكون النفرة منها تجاهه، فالزواج رابطة مقدسة لا تقوم ولا تدوم إلا بالرضا والقبول، وإلا فالحل إما بالطلاق الذي جعله الله بيد الرجل طريقاً للخروج من أزمة بغضه زوجته، وإما بالخلع الذي جعله الله للمرأة إذا كانت تبغض عشرة زوجها لسبب يخص مشاعرها، فإذا بلغ الزواج هذا الحد من الكره والبغض بات من الضروري بل من الخير فصم عراه، مصداقاً لقوله تعالى «وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا» (النساء 130) فالخلع بهذا الوصف دليل على مرونة الشريعة الإسلامية وسعتها في التعامل مع المشكلات الحياتية للإنسان.
والإسلام حين أعطى المرأة هذا الحق فقد سبق كثيراً من الثقافات والنظم المعاصرة التي تنادي بتحرير المرأة من الظلم والعسف، فالإسلام قبل عقود عديدة وأزمنة مديدة سوى بين الرجل والمرأة في استقلال الشخصية وكمال الأهلية في التصرفات وإبرام العقود وإنفاذها دون حجر، وعجزت عن ذلك القوانين والنظم الوضعية المعاصرة التي لا زالت تنتقص شخصية المرأة وتميز ضدها.
*قاضي قضاة فلسطين سابقاً