هو أبو عبد الله محمد بن موسى الخوارزمي، المولود عام 164 هـ في خوارزم (جمهورية أوزبكستان الآن)، والمتوفى في بغداد عام 232 ه، وهو غير محمد بن أحمد الخوارزمي صاحب مفتاح العلوم، المتوفى عام 387 هـ .
يذكر الدكتور علي عبد الله الدفاع في كتابه نوابغ العرب والمسلمين في الرياضيات أن الخوارزمي اشتهر برسالته حساب الجبر والمقابلة، والتي لعبت دوراً كبيراً في الحضارة الإسلامية والوعي العالمي الرياضي . ويعود اسم الجبر بالحقيقة إلى الخوارزمي، حيث إنه مبتكر هذا العلم . وكان تأثير الخوارزمي في الفكر الرياضي اكبر من تأثير أي رياضي آخر في العصور الوسطي، إذ انه اكتشف عام 210 هجرية الموافق 825 ميلادية طرقاً هندسية وجبرية لحل المعادلات من الدرجتين الأولى والثانية ذات المجهول الواحد وذات المجهولين .
والثابت أن الخوارزمي تعلم في شبابه علوم بلاد الإغريق والهند وفارس، وقد يكون زار هذه الأقطار، ولمع نجمه في علوم الرياضيات والفلك في عصر الخليفة العباسي المأمون، حتى عين رئيساً لبيت الحكمة ببغداد، وأحد كبار الفلكيين بمرصدها .
ثورة علمية
وقال الدكتور جورج سارتون في كتابه المدخل إلى تاريخ العلوم: إن الخوارزمي هو أعظم رياضي في ذلك الوقت، ويجمع مؤرخو العلم وعلماء الرياضيات في العالم على أن الخوارزمي هو مؤسس علم الجبر كعلم مستقل عن الحساب، وهو الذي أطلق عليه هذا الاسم الذي يعرف به في جميع اللغات تقريباً، ومن المعروف أن هذا العلم أحدث ثورة كبيرة في جميع العلوم، وعلى أساسه قامت الثورة التكنولوجية في الحاسبات الإلكترونية في العصر الحديث، وهو ما يعرف بالخوارزمية الرقمية .
ويذكر الدكتور ديفيد يوجين سمث في كتابه تاريخ الرياضيات ( المجلد الأول) أن علم الجبر هو علم الخوارزمي من أساسه . ويؤكد على ذلك محمد خان في كتابه مآثر المسلمين على العلوم فيقول: إن الخوارزمي يعتبر من طبقة الرياضيين الرئيسية في العصور كلها . وقد نظم الخوارزمي البحوث الشرقية القديمة في حقلي الحساب والجبر . وكانت أعماله مصدراً للمعرفة الرياضية في الشرق والغرب لقرون . ويجب ألا ننسى أن الخوارزمي هو عالم فلكي كذلك وقد ألف جداول كثيرة في هذا المجال تعرف حتى الآن باسمه .
وتقول المستشرقة الألمانية د . زيجريد هونكة في كتابها الشهير شمس العرب تسطع على الغرب: لقد كتب للخوارزمي الخلود بتأليفه كتابين مهمين في الرياضيات، الأول: الجبر والمقابلة، والثاني: كتاب في الحساب، شرح فيه طريقة استخدام نظام الأعداد والأرقام والجمع والطرح والضرب والقسمة وحساب الكسور، وقد ترجم الكتاب الأول إلى اللغة اللاتينية في عام 1143م .
وهناك دوافع دفعت الخوارزمي إلى ابتكار علم الجبر، وأهمها أن الرياضيات التي ورثها المسلمون عن اليونان عجزت عن تلبية المتطلبات الشرعية في تقسيم التركات والمواريث والتجارة وغيرها من الاحتياجات المعيشية .
ومن المعروف أن الخوارزمي هو من ابتكر علم حساب اللوغاريتمات، وهو مصطلح محرف لاسم الخوارزمي، ومن الجدير بالذكر أن الأوروبيين حرفوا اسم الخوارزمي بأشكال عديدة .
وللخوارزمي مؤلفات كثيرة ذكرها الذين ترجموا له، كابن النديم في الفهرست، وحاجي زادة في كشف الظنون، والقفطي في إخبار العلماء بأخبار الحكماء، ومن أبرزها: كتاب الجبر والمقابلة، وهو أعظم كتب الخوارزمي انتشاراً في الغرب وقد تأثر بهذا الكتاب كثير من المتعلمين والعلماء، سواء من المسلمين أم من غيرهم، ويذكر أن العالم ليوناردو البيزي كان أشد الغربيين تأثراً به، منذ أن كان مع أبيه في الجزائر، ولما كان قد عاد إلى أوروبا، نشره علمياً على نطاق واسع .
علاوة على كتاب في علم الحساب لم يسبقه أحد في العالم إليه، وقد ترجمه أوبلارد الباثي، وظل مرجعاً للأوروبيين حتى القرن السادس عشر الميلادي، وقد وصفه جورج سارتون في كتابه تاريخ العلم بأنه قد أثر في الفكر الرياضياتي في أوروبا أكثر من أي كتاب آخر إبان العصور الوسطى .
وألّف الخوارزمي في الجغرافيا كتاب صورة الأرض وجغرافيتها، وهو الكتاب الذي وصفه المستشرق الإيطالي نيللينو بأنه من أمهات الكتب التراثية، وليس في مقدور أمة أوروبية بكاملها إنتاج مثل هذا الكتاب في فجر حضارتها، كما ألف كتاب تقويم البلدان الذي حدد فيه المسافات بين البلدان الشهيرة في عصره، وخطوط الطول والعرض التي تقع عليها، وألف كتاب رسم الربع المعمور، وهو في الأصل كتاب صورة الأرض من المدن والجبال . وكذلك ألف الخوارزمي في الفلك كتاب السند هند، وكتاب المعرفة، وهو يبحث في علم النجوم، وكتاب العمل بالاسطرلاب، وكتاب جدول النجوم وحركاتها، وهو في مجلدين، وكتاب الرخامة، لمعرفة الوقت عن طريق الشمس، وكتاب زيج الخوارزمي، وقد ترجمت أزياج الخوارزمي (أي الجداول الفلكية) إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر الميلادي، خصوصاً الأجزاء الخاصة بالجيوب والظلال الفلكية، وظلت لقرون أساس علم الفلك في أوروبا .