الخوف الزائد على الأبناء "حب مدمر"

يضعفهم ويمنعهم من مواجهة مشاكلهم
02:42 صباحا
قراءة 7 دقائق

تربية الأبناء أمر شاق، حيث تتشكل شخصية الطفل من القيم والمبادئ التي رسخت في ذهنه في مرحلة الطفولة وتلازمه في مستقبله، وترتكب معظم الأمهات أخطاء كثيرة بدافع الحب المفرط لأبنائهن والخوف الزائد عليهم، مما يبث في نفوسهم حالة من الرعب والقلق من الإقدام على أي شيء فيصابون بالخوف وعدم الجرأة على مواجهة المواقف التي يتعرضون لها في المستقبل، مما يؤثر على نفسيتهم وسلوكياتهم . التقينا بعض الأمهات اللاتي حكين عن تجربتهن في تربية أبنائهن متذرعات بالخوف الزائد عليهم، كما التقينا خبراء الطب النفسي لتوضيح أثر تلك النشأة على الأبناء .

تقول نابغة عبدالباري، موجهة لغة عربية في منطقة عجمان التعليمية ولديها ثلاثة أبناء: الحوادث التي نقرأ عنها يومياً هي التي تجعلنا نتشدد في بعض الأمور مع الأبناء وإذا كنا تساهلنا من قبل مع الكبار منهم، فمع اختلاف الزمن الذي نعيش فيه نصبح تحت ضغط كبير، فبدافع خوفي وحرصي على ابني الأصغر سناً أرفض بشدة سفره مع زملائه في رحلات إلى العين أو أبو ظبي وأعتقد أن مرجع هذا الخوف الزائد هو أن إخوته الأكبر أبلغوني بأنهم عندما كانوا في مثل سنه كانوا يتسابقون بالسيارات مع زملائهم، وخوفي عليه يزداد عندما أقرأ يومياً عن الحوادث نتيجة السرعة العالية .

تضيف: أعلم جيداً خطورة هذا الوضع عليه فهو يؤدي إلى قيامه بتخزين كل هذا الرفض بداخله وعندما يصل إلى مرحلة الجامعة يبدأ في ثورة عارمة وينقلب في تصرفاته، ولكني آمل أن يكون أكثر تعقلاً عندما يصل إلى هذه السن، ويكون أكثر قدرة على تحمل مسؤولية تصرفاته .

وتقول حنان عقل، مدرسة روضة في الشارقة، ولديها ابن: ليس لدي الخوف المرضي على ابني الذي يوجد عند بعض الأمهات اللاتي عرفتهن من خلال عملي، فمنهن من تصرخ وتبكي إذا وقع ابنها في الحضانة على الرغم من أنه ربما يتعرض لنفس الحدث معها في البيت وتبدأ في كيل الاتهامات للمعلمين وتتهمهم بالإهمال على الرغم من عدم إصابة ابنها بمكروه .

وترى مريم علي، اختصاصية في مركز لذوي الاحتياجات الخاصة، أن الخوف الزائد لدى الأهل ينتج عن تجارب سيئة مروا بها مع الأبناء وربما تكون تجارب مرضية، تقول: أصبحت أخاف كثيراً على ابنتي الصغرى من مجرد إصابتهما ببرد أو كحة، ولي تجارب في ذلك فابنتي الكبرى عندما كانت في الثانية من عمرها أصيبت بفيروس قال الأطباء إنه يصيب الأحبال الصوتية ويسبب اختناقاً وعندما أصيبت بهذا الفيروس اختفى صوتها وتحول وجهها إلى اللون الأزرق وأخذتها مسرعة إلى المستشفى وهناك أبلغني الأطباء أنني لو كنت تأخرت لحدث لها اختناق أو تعرضت للوفاة، ومن هنا أصبحت عندما تصاب ابنتي الصغرى بأي برد وأشعر بأن صوتها انخفض أهرع بها إلى المستشفى حتى لو لم يكن الأمر خطيراً . وهو للأسف يجعلني أعيش في حالة توتر شبه مستمرة .

عبير علي، ربة منزل، تقول: لدي شعور بالفزع من أي شيء يصيب الأولاد وهو شعور لا إرادي، فبمجرد رؤيتي لابني يقع على الأرض أشعر أنه وقع في خطر ولا أدري بنفسي إلا وأنا أصيح وأصرخ لكي ينقذه أي شخص، وأعتقد أنني الآن بعدما كبر ابني ارتكبت خطأ لأنه عندما يصاب بأي ألم حتى لو صداع بسيط يعتقد أنه مريض مرضاً مؤلماً وأن ما أصابه لا يصيب أحداً غيره وأعتقد أن خوفي الزائد عليه هو ما أوصله إلى هذه الدرجة .

وترى مكية الميرزا، أمينة المكتبة في جمعية الاتحاد النسائي في الشارقة، أن خوفها الزائد على بناتها يجعلها تصطحبهن في كل مكان ولا تحرج من مرافقتها لهن بصفة مستمرة حتى عند ذهابهن لبيوت صديقاتهن خاصة عندما لا تكون على علم بعائلة الصديقة .

وتقول: لدي 6 بنات وولدان ولا أشعر مطلقاً بأي نوع من الحرج عندما أذهب معهن حتى إنهن تعودن على خروجي معهن في كل مكان يذهبن إليه، وأصبحن لا يشعرن بالسعادة إلا عندما أكون بجانبهن، وأشعر بقلق شديد إذا تركتهن يذهبن وحدهن وهذا لا يرجع إلى عدم ثقتي فيهن ولكن إلى حبي الشديد لهن وخوفي الزائد عليهن، لذلك أقضي على هذا القلق بذهابي معهن .

تضيف: نتيجة حرصي الشديد على بناتي نشأ ابني الصغير منطوياً بعض الشيء وليس لديه أصدقاء، لذلك أحاول الآن أن أجعله يكوّن صداقات وأوسع من شبكة علاقاته مع الآخرين من خلال إشراكي له في النادي لممارسة رياضة الكاراتيه .

وترى حنان دياب، ربة منزل، أن سبب خوفها المفرط على ابنها أنها تزوجت بعد أن تعدت الأربعين لذلك لديها هاجس أنها لن تعيش لتراه وهو يكبر أمامها فتحاول تعويضه بشتى الطرق وهو ما جعلها تراه اليوم أنانياً ومحباً لنفسه أكثر مما يجب .

تعقيم المنزل يومياً خوفاً من انتقال الأمراض إليه وإصابة الأبناء أحد أشكال الخوف الزائد عليهم، وتقول عنه نهى رمضان موظفة في حكومة الشارقة: تصر جارتي دائماً على تعقيم المنزل ومسحه بالمطهرات مرات يومياً معتقدة أنها بذلك تمنع إصابة أبنائها بالمرض على الرغم من أنهم يصابون بطريقة شبه مستمرة بالعدوى ونزلات البرد . وكذلك لا تمنع نفسها من إعطائهم الفيتامينات المستمرة حتى تمنع عنهم المرض على الرغم من تحذيري وآخرين لها من خطورة هذه الفيتامينات على الأطفال لأنها في النهاية مركبات كيميائية ولا يجب أن تدخل أجسامهم بطريقة شبه مستمرة لكنها تصر على أنها بذلك توفر الحماية لهم .

ويبدو أن كثيراً من الأمهات لا يدركن خطر الخوف الزائد على الأبناء إلا بعد تعرضهم لمشكلة، تقول رحمة علي عبدالرحمن . ربة منزل: كنت أصر على أن ألبس أبنائي الملابس الثقيلة في فصل الشتاء على الرغم من أن الجو في الإمارات لا يستدعي ذلك وشكواهم المستمرة، لكن الخوف الذي يمتلكني من إصابتهم بالبرد لا يجعلني أرحمهم حتى مرضت ابنتي، وأكد لي الطبيب أنه لا داعي لكل هذه الملابس التي أضعها عليها وبالفعل بدأت في تخفيفها فبدأت حالة ابنتي تستقر وشفيت تماماً .

يرجع د . أسامة الموسى، الاختصاصي النفسي، معاناة كثير من الأمهات من حالات اكتئاب أو خوف إلى القصص التي سمعنها من جداتهن وتشكلت في مخيلتهن عن أنه ربما يلحقهن أي أذى أو ضرر إذا تأخرن خارج البيت بعد غروب الشمس أو من الممكن أن يخطفهن أي شخص، وتحاول الأمهات من خلال التقليد الأعمى أن ينقلن لأبنائهن هذه القصص ويزدن عليها من قصص الأحداث الجديدة التي طرأت على مجتمعنا ومنها التحرش بالصغار أو قيام أحد الأشخاص بخطف طفل أو الاعتداء عليه . ويقول: قصة واحدة سمعتها الأم يمكن أن تجعلها تبث الخوف في نفوس أبنائها دائماً، كما أن لقاءات السيدات وحكايتهن المستمرة وما يضفنه إلى القصص من مثيرات كل ذلك يجعل الخوف ينتقل من واحدة إلى أخرى .

يضيف: الذي يزيد عن حده ينقلب إلى ضده، فهذه التربية الخطأ قد تنشئ الابن ضعيف الشخصية أو عديم الثقة في نفسه وهناك حالات مرضية كثيرة نراها منها قيام الابن بغسل يديه أكثر من مرة بعد تسليمه على أي شخص فيكون لديه وسواس قهري من أن يصيبه أي مرض أو أذى . وهناك الابن الذي يفزع عندما يتأخر وتغيب الشمس عليه وهو خارج البيت لأن والدته بثت فيه أنه لا يجوز تحت أي ظرف أن يكون متواجداً خارج البيت بعد الغروب، وهناك آخر مع كبر سنه يرفض استخدام المصعد إذا ركب معه أي شخص آخر خوفاً من أن يتحرش به أو يصيبه بأذى، ومؤخراً وجدت طالباً في جامعة الشارقة لديه حالة نفسية بسبب أن أمه بثت فيه الخوف من الاختلاط بالرجال إذ إنهم ربما يضربونه أو يخطفونه .

وينصح د . أسامه الموسى الأمهات قائلا: مع أهمية الحذر على الأبناء من بعض الذئاب البشرية الموجودة في المجتمع يجب أن نزرع في نفوسهم الثقة في النفس وعدم الخوف وقوة الشخصية وألا نجعل الضعف يسيطر عليهم أو على تصرفاتهم في مواجهة الآخرين .

يرى د .طلعت مطر، استشاري علم النفس التربوي بمستشفى رأس الخيمة أن هناك 4 أنواع من القلق لدى الأمهات الأول قلق نفسي مبرر بسبب تعرضهن لتجربة سابقة مثل وفاة ابن في حادث مما يجعلهن يضيقن الخناق على بقية الأبناء ويوضح أن هذه النوعية من الأمهات يحتجن إلى دعم نفسي وتشجيع . ويقول: النوع الثاني هو قلق الأم التي بطبيعتها قلقة ويعتبر خوفها الزائد على أبنائها تعويضاً عن أشياء تنقصها في الحياة وتشعر أنها إذا فقدتها فستموت بعدها، وهذه النوعية تعامل الأبناء طوال الوقت على أنهم شيء عظيم في الحياة . يضيف: النوع الثالث هو قلق الأم، تعتقد أن الأبناء هم الرابطة لاستمرار حياتهما الزوجية وإذا فقدتهم ستنهار الحياة ويحدث الطلاق وهذه النوعية تفتقد الأمان في حياتها الزوجية، والنوع الرابع قلق أم تهوى المبالغة في كل شيء وتضخيم الأمور مثل الأم التي تفقد جدتها ولم تكن رأتها أو اطمأنت عليها منذ أكثر من عام وعندما تعلم بوفاتها تنتحب وتبكي وكأنها كانت بجانبها طوال الوقت ولم تفارقها .

ويعتبر مطر الحماية الزائدة للأولاد خطأ ينعكس سلباً عليهم فيحرمهم من تعلم أساليب التكيف مع الحياة أو مواجهة مصائب الدنيا، ويقول: حضانة الأم لابنها من أطول الحضانات بين جميع المخلوقات، ويجب أن تتولى الأم حضانة ابنها بشكل كامل لمدة عام أو اثنين وعندما يصل إلى عامه الثالث تعامله بطريقة الرعاية الجزئية وتراقبه من بعيد، وعند دخوله المدرسة يجب أن تعامله على أنه إنسان مستقل وله أصدقاؤه وحياته الخاصة به، وتراقبه عند اللزوم فقط، وترجع الحماية الزائدة والخوف على الأبناء إلى عدم وجود ثقة في النفس وعدم القدرة على استمتاع الأمهات بحياتهن، بحيث أصبح خوفهن غير المبرر على الأبناء هو إعلان فشل ضمنياً بعدم معرفتهن كيفية إدارة شؤون حياتهن، فيحاولن أن يعشن حياة الأبناء ويتحكمن فيها، بينما نرى الأمهات الناجحات يعطين أبناءهن قدراً من الاستقلالية في اتخاذ القرار .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"