الشيخ الدكتور أسامة عبد اللطيف القوصي، طبيب نفسيّ دخل مجال الدعوة الإسلامية بآرائه الجريئة، ورغم اختلاف البعض معه إلا أن آراءه دائما تنال إعجاب الكثيرين خاصة أنه يستشهد دائما في كل قضية يتناولها بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم إضافة إلى أن لديه جاذبية في طريقة عرضه أفكاره التي تتميز بالعقلانية والوسطية والاعتدال .

عندما تدخل منزله تجد مكتبة تكتظ بالآلاف من كتب التراث والمراجع الدينية، وهو ما منحه سعة اطلاع ساعدته كثيراً في علاج مرضاه، حيث يستعين بآيات من القرآن والسنة النبوية الشريفة .

تنقل الشيخ القوصي بين العديد من التيارات الفكرية المختلفة حتى اكتشف أنه كان على خطأ، لدرجة أنه كان قد وصل إلى مرحلة التطرف في بعض الأوقات، لكنه سرعان ما عاد لصوابه على يد شيخ يمني يدعى مقبل بن هادي، وأدرك أن الإسلام دين يسر وسماحة .

التقينا الشيخ الدكتور أسامة القوصي وناقشنا معه بعض القضايا التي تشغل بال العالم الإسلامي . .

هل بدأت مسيرتك الطبية أولاً أم الدينية؟

- كنت طالب طب قبل أن أكون شيخًا، ثم أصبحت شيخا قبل أن أكون طبيبا، بمعنى أنني عندما التحقت بكلية الطب انخرطت وسط الجماعات الإسلامية في الجامعة، وتركت الدراسة لبعض الوقت ثم انتقلت من تيار لآخر حتى اكتشفت قيمة العلم في حياتنا، وإنني كنت على خطأ، فعدت مرة أخرى إلى الدراسة وحصلت على البكالوريوس في الطب النفسي، وحاليا أعمل طبيبا وأسعى للحصول على الماجستير ثم الدكتوراه بجانب دوري الأساسي في خدمة الدعوة الإسلامية .

علوم الدين والدنيا

هل هناك تقارب بين الطب النفسي وروحانيات الإسلام؟

- الإسلام يمنح المسلم الهدوء النفسي والسكينة ويبعد عنه الكثير من الأمراض النفسية، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وقد فرّق الرسول الكريم بين الدين والدنيا، فالدين هو الذي يجعلني ملتزما ووسطيا ومعتدلا، وأجمع في توازن بين العقل والقلب . . بين الروح والجسد، بحيث لا يطغى شيء على آخر، فهناك علوم الدين وهناك علوم الدنيا، ولا يوجد بينهما خلط بل على العكس بينهما توافق وتعاضد، وبالنسبة إلى الطب النفسي الذي هو علم من علوم الدنيا والدين، فإنهما يكملان بعضهما بعضاً، فالله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها، وقال جل شأنه: لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة، وكذلك يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي، حتى من العلماء القدامى نجد ابن القيم الذي قال: النفوس في الدين ثلاثة: النفس اللوامة التي تفعل الغلط وتعاتب نفسها على فعله . . والنفس المطمئنة التي تسير في الطريق الصحيح وتزداد خيراً . . والنفس الأمارة بالسوء مثل امرأة العزيز وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، وهذا التقسيم للنفوس ديني شرعي .

أما في الطب النفسي فهناك 11 نوعاً من الشخصيات منها الشخصية الشكاكة أو النرجسية أو الأنانية أو العدوانية والتي تدرس بطريقة مختلفة تماما، لكن هذا الكلام يكمل بعضه بعضاً، فمن الممكن وأنا أتحدث مع حالة مرضية أن أستعين بآيات من القرآن أو حديث من السنة، فأنا أستعين بديني في خدمة وطني وخدمة مريضي وخدمة أسرتي وخدمة الشارع، فديني في النهاية هو الملاذ الآمن للراحة النفسية .

الدولة المدنية

بعد قيام الثورات العربية هل تتعارض الدولة المدنية مع الشريعة الإسلامية؟

- بالعكس الدولة المدنية جزء من الإسلام، فالإسلام لا يعرف شيئا اسمه الدولة الدينية فدولة الإسلام تقوم على القوانين والمؤسسات والمواطنة وتحمي الجميع من دون تمييز، والنبي الكريم عليه الصلاة والسلام عندما ذهب إلى المدينة أسس دولة مدنية اسما ومعنى، فالمدينة كان بها مجتمع خليط ففيها مسلمون مهاجرون ومسلمون أنصار ووثنيون من الأوس والخزرج وثلاث قبائل رئيسة من اليهود هم بنو قريظة وبنو قينقاع وبنو النضير غير قبائل يهودية أصغر منهم . . هذا المجتمع الخليط كان لا بد أن تعيش شرائحه مع بعضها بعضاً، فأصدر الرسول وثيقة المدينة والتي هي كانت بمنزلة الدستور المصغر الذي هو عقد اجتماعي كي يتمكن من السيطرة على التنوع الذي كان قائما في مجتمع المدينة . . هذه الدولة وإن كانت تتكلم باسم الدين الإسلامي لأن على رأسها النبي، صلى الله عليه وسلم، فإن هذا العقد كان مدنيا والدولة مدنية لأن بقيمة الطوائف لا تؤمن بالنبي، فكيف يتعاقد معها بناء على دينه بل بناء على ما اتفق عليه صلى الله عليه وسلم معهم بأن لهم ما لنا وعليهم ما علينا والذي سيعتدي على أحد منهم كأنه اعتدى على الرسول شخصيا في حين أن المسلم الذي ظل في مكة لم يكن النبي الكريم مسؤولا عنه، وبالتالي عندما يتم إعداد وثيقة أو دستور لا بد أن يكون باتفاق الجميع وبرضاهم وليس تابعا لملة معينة، فعلى سبيل المثال عندما جاء بعض اليهود إلى الرسول ليحكم بينهم في واقعة حدثت حكم بينهم من خلال توراتهم ونزلت في هذه الواقعة الآية الكريمة: وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله .

لماذا ينجح المبتكر العربي في الخارج ويفشل في الداخل؟

- لأنه في الخارج تتوافر لهم تربة خصبة تساعدهم على الابتكار وإثبات الذات، مثل زويل وفاروق الباز ومجدي يعقوب وغيرهم من المبتكرين العرب، الذين أتيح لهم فريق عمل وبيئة صالحة للابتكار والإنتاج والإبداع فلو ظلوا في بلادهم لماتت مواهبهم كما تموت المواهب الموجودة فيها .

كيف يمكن تصحيح الصورة المشوهة عن الإسلام في الخارج؟

- تصحيح صورة الإسلام يكون عن طريق دعاة مثقفين، حيث لا بد أن يكون الداعية على دراية تامة بصحيح دينه وعلى مستوى قيم هذا الدين يقول تعالى: ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ويقول كذلك: وذلك دين القيمة أي دين عظيم جوهرة لكن للأسف وضعناها تحت التراب وعرضناها عرضا غاية في السوء، إذاً نحن نحتاج إلى حسن عرضها من جديد، والذي يعرضها يجب أن يكون مدركا لقيمتها . كذلك لا بد من أن يتحلى المسلم بأخلاق الإسلام ويحولها إلى سلوك على المستوى الفردي والجماعي فعلى مستوى الشعوب يجب أن تسود الأخلاق والأمانة والعدل والصدق والوفاء بالمواعيد والإتقان هذا هو الإسلام الحقيقي، وما يحزننا أن الحضارة الأمريكية ما قامت إلا على أكتاف الحضارة الأوروبية وما قامت الحضارة الأوروبية إلا على أكتاف الحضارة الأندلسية، الذي كان السبب فيها بعد الله أجدادنا المسلمون في الأندلس التي ازدهرت فيها الزراعة والصناعة والطب والفلك فديننا دين حضارة أصلا . . لذا يجب أن نعود إلى مبادئ الإسلام الصحيحة حتى لا تنطبق علينا مقولة الشيخ محمد عبده في الخارج لقد رأيت إسلاماً بلا مسلمين، ثم عاد فقال رأيت مسلمين بلا إسلام .

تدبر النص

وكيف يمكن التوصل إلى أخلاق الإسلام الصحيحة؟

- عن طريق القرآن فالرسول الكريم كان خلقه القرآن، وكتاب الله يحتاج إلى فهم يقول تعالى: ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ويقول أفلا يتدبرون القرآن، فالمشكلة ليست في النص لكن في تدبر وفهم النص وإخراج ما فيه من درر ولو ردوه إلى الرسول وأولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم، فالله سماه استنباطاً فنحن في حاجة إلى مثل ابن عباس وابن مسعود وأمثالهما الذين عندهم القدرة على استنباط الدرر من القرآن الكريم هذا العالِم ليس موجودا حاليا في زماننا ما بين أكالين بالدين مثل الذين يقرأون في المآتم فهو حافظ القرآن ولكنه بالنسبة له حرفة والخلاصة أن الإنسان في حاجة إلى إعادة صياغة .

يهدف بعض العلمانيين إلى فصل الدين عن السياسة . . فما رأيكم؟

- خطأ فادح . . إذا فصل الدين عن الحياة العامة فهذا ضياع للاثنين معا، لذلك لا يمكن فصلهما عن بعضهما بعضاً لكن الشيء المحرم هو استغلال الدين لمصلحة فصيل معين أو شخص معين، أما أن ينفصل عن الشارع فهذا ما نرفضه تماما، فالوازع الديني لا بد أن يكون ملازما للإنسان، لأن الدين هو المظلة الحامية للوطن، لذلك قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي فربط هنا النبي بين الدين والدنيا .

ما رأيك في الفتاوى عبر الفضائيات حالياً؟

- القنوات الفضائية تتاجر بالدين ومحل هؤلاء الشيوخ يسعون وراء الشهرة والمال فمستواهم العلمي غاية في التدني وينشرون الفوضى ودورنا إعادة الشباب الحائر لعقله ومكانه الصحيح .

معنى هذا أن ما تقدمه القنوات الدينية غير كافٍ لتقوية إيمان الشباب المسلم وتعليمه أصول الدين الصحيح؟

- بالعكس ما يحدث يهدم الدين نتيجة الفهم الخاطئ الذي ينشرونه بين الشباب .

تكريم المرأة

يتهم أعداء الدين بأن الإسلام ظلم المرأة . . فكيف ترد على هذا الاتهام؟

- هؤلاء الناس ما فهموا الإسلام بطريقة صحيحة وما عرفوا المرأة . . فالإسلام كرم المرأة أفضل تكريم وجعلها جزءاً أساسياً من المجتمع، حيث إنها شريكة في كل شيء فهو لا يفرق بين الرجل والمرأة في حقوق المواطنة، ولم ينظر إليها على أنها أنثى فحسب وإنما باعتبارها إنسانا له كفاءة وكامل الحقوق، ويكفي المرأة شرفا أن هناك سورة في القرآن الكريم باسمها .

وما رأيك فيمن ينادي بالمساواة بين الرجل والمرأة؟

- المرأة تختلف عن الرجل فسيولوجيا ونفسيا، وهذا اختلاف تنوع وتكامل وليس صراعا، فالمرأة تحتاج للرجل جدا كي يحميها ولا تستغني عنه والرجل لا يستغني عنها كذلك، لكن لكل منهما وظيفته التي تميزه عن الآخر وهاتان الوظيفتان يكمل بعضهما بعضاً . . إذاً العملية لا تقتصر بينهما على المساواة بل العلاقة بينهما تفوق ذلك بكثير .

هل تغير الخطاب الديني بعد قيام ثورات الربيع العربي؟

- طبعاً الواقع فرض نفسه لأنك لو خاطبت الناس بالطريقة القديمة سينفرون منك فهناك تغيرات حدثت نتيجة الواقع الذي فرض نفسه .

معروف عن الأزهر دعوته إلى الوسطية فكيف يمكن تفعيل هذه الدعوة؟

- الأزهر وسطي لكن أصابه ما أصاب التعليم في مصر من تخلف . . فهو جزء من المنظومة فالتعليم كله متدهور، لذا فإن المسألة تحتاج إلى إعادة بناء المنظومة التعليمية والإعلامية .

بماذا تنصح الشباب؟

- عليكم بالعلم من أهله ومصدره الشرعي المعروف، فإذا أردت أن تصبح طبيبا فادرس في كلية الطب، وإذا كنت تريد أن تصبح شيخاً فعليك بالأزهر الشريف للتخصص في العلوم الدينية فهذا هو المصدر الصحيح للمعلومة، أما أن تستقيها من الفضائيات مثلا فهذا يشتت المجتمع، وعلى الشباب الاندماج في مجتمعهم ومحاولة إصلاحه من الداخل، لأنه عضو فيه وليس الخروج عليه كما تدعو بعض الجماعات فهذا يعتبر إفسادا في الأرض .