على مدار أكثر من عامين والدراما الخليجية والإماراتية تشهد نشاطاً كبيراً من حيث الكم، من دون أن ينعكس ذلك ايجاباً على النوعية وجودة ما يتم تقديمه، وهي لا تختلف بذلك عن مجمل الدراما العربية التي نشاهدها في رمضان، وتكرر نفس العيوب والأخطاء في المسلسلات لتتحول إلى أمراض يصعب الشفاء منها وإن كان أهل المهنة مدركين أسباب العلة وسبل علاجها. فما أمراض الدراما الرمضانية هذا العام وما وسيلة علاجها؟ هذا ما يجيب عنه الفنانون والمخرجون وأساتذة إعلام في التحقيق التالي.

المؤلف الإماراتي سالم الحتاوي، يرى أن أهم عيوب وأمراض الدراما الخليجية هذا العام هي السطحية والتكرار في الطرح وعدم الاقتراب من الأسرة الخليجية ومناقشة قضاياها وكأننا نعيش في مدينة فاضلة أو كأن الإنسان الخلجيي منزه عن الخطأ ومن العيب أن نناقش مشكلاته وهو ما اعتبره ورماً كبيراً في جسد الدراما الخليجية، حيث يوجد العديد من القضايا المهمة والخطيرة والتي لا بد أن تناقش ونبحث لها عن حل نظراً لما تمر به المنطقة العربية والخليجية على وجه الخصوص من تغيرات سريعة ومتلاحقة. وأشاد الحتاوي بمسلسل حاير طاير الذي تطرق إلى موضوعات في صميم الحياة الإماراتية وفي نفس الوقت يضحكنا ولكن على أنفسنا. أما عن الأمراض الجديدة التي يراها ستدمر الدراما فهي ظاهرة المنتج المنفذ غير الفنان، والذي شبهه بالمقاول الذي يبحث ويفاصل على النصوص الرديئة أو السكة على حد تعبيره ويشتريها رغم رداءتها ليحذف ويقطع فيها لتتماشى مع الخلطة المطلوبة لرمضان، لافتاً إلى أن المنتج المنفذ أصبح لديه شلة من النجوم والفنانين يتعامل معهم مما يعطي الشاشة الرمضانية طابع التكرار في الوجوه والنصوص وحتى الكوادر الإخراجية، وهو ما يدفع الناس إلى الملل وعدم متابعة العمل، والبحث عما هو جديد.

أما المخرج مصطفى رشيد مخرج مسلسل ريح الشمال، فيرى أن الاشكالية الأساسية والعيب الخطير في الدراما هذا العام أنها أصبحت موسمية، وكأنه ليس هناك إلا شهر رمضان للتسارع على عرض الأعمال فيه، وهو عيب خطير ومشكلة يقع فيها المنتجون والفنانون والتلفزيونات، مشدداً على ضرورة توزيع هذا الجهد الكبير على بقية شهور السنة، حتى يتسنى للمشاهد متابعة هذا الكم الكبير من الأعمال بدل أن يصاب بتخمة درامية ويتوه بين القنوات في شهر واحد والدليل تعرض كثير من المسلسلات للظلم بسبب ضيق وقت المشاهد وعجزه عن متابعتها.

ومن بين السلبيات التي تواجه الأعمال الفنية هذا العام هي انهاك النجوم وتوزيع جهدهم بين أكثر من عمل يشاركون فيه، فيسابق الفنان الوقت ويتفق مع المخرجين للإسراع بالتصوير مما ينعكس سلباً على المسلسل، مشيراً إلى أن العمل الجيد يحتاج إلى ممثلين يحترمون المهنة التي تستوجب دراسة الشخصية والرسالة التي يجب توصيلها خلالها.

أما الفنان والمخرج محمد العامري فيرى أن الأعراض المرضية للدراما تأتي من الناحية الإنتاجية، ومن سماهم الدخلاء والمقلدين والسماسرة والمقاولين، مشيراً إلى أنهم لا يعون مساوئ الأعمال التي يعرضونها على الشاشة والتي أصبحت نمطية. ويضيف العامري: لا بد أن تعكس الدراما الواقع المجتمعي وتناقش قضاياه، وأن يكتب النص بروية عكس ما يفعله البعض باستعجالهم في الكتابة من أجل الموسم الرمضاني لتحقيق المكسب الكبير مستخفين بعقول الناس، فالمشاهد ليس بهذا الغباء ولديه عين ناقدة ترصد التشابه والتكرار، لافتاً إلى أن المحطات المحترفة تضع معايير لجودة النص والإخراج والصورة، وهو ما يجبر صانعو الدراما على احترام ما يقدمونه والبحث عما هو جديد ومفيد، مؤكداً أنه ليس ضد المكسب والإنتاج الضخم لأن الوسط الفني يحتاج إلى مثل هذه الاستثمارات ولكن عبر مؤسسات كبيرة أو شخصيات تعي قدر الفن كرسالة مفيدة تعكس نبض الشارع والمجتمع.

ويتفق معه إلى حد كبير الفنان مرعي الحليان الذي يرى أن الدراما الخليجية لم تقترب من مناقشة واقعها حتى الآن، علماً أن المجتمع الخليجي يمر بتغيرات عاصفة وتحولات كبيرة على كافة الصعد، ومملوء بالموضوعات التي لم تكتب وتستغل، وللأسف لم يأت الكاتب الذي يعكس هذا الواقع درامياً لذلك، يتابع الحليان، معظم المسلسلات هي مجرد أفكار عاجزة عن قراءة الواقع الحالي على صعيد الأسرة والمجتمع وأزمة التواصل بين الأجيال.

ومن بين الأمراض المنتشرة في الدراما الخليجية هذا العام هي المسلسلات التراثية وما سماه حكايات الأجداد، وموضوعات الصحراء والبادية التي يهرب بها الكتاب من الواقع، لافتاً إلى أن الدراما الإماراتية أخذت موقعاً متقدماً في العامين الماضيين مع توجه تلفزيون دبي لإنتاج الأعمال وفتح الباب أمام فناني الإمارات لتقديم أعمال بنظام المنتج المنفذ، فمثلاً العام الماضي تأسست ثلاث شركات إنتاج، كما ألزم تلفزيون دبي المنتج غير المحلي بضم ممثلين أو ثلاثة من الإمارات إلى عمله وهو ما أوجد نوعاً من الحراك الفني المفيد في إثراء الواقع الدرامي الإماراتي، والذي ينعكس ايجاباً على الكوادر الموجودة والوجوه الجديدة.

كما لاحظ الحليان غياب المخرج الإماراتي عن الدراما التلفزيونية وهو ما يدعوه إلى الاستغراب ووضع كثير من التساؤلات حول هذه الظاهرة، مشيراً إلى أن وجود المخرج الإماراتي ضرورة ملحة إذا أردنا الحديث عن استراتيجية عامة لتطوير الأداء الدرامي الإماراتي، ومن المهم اعتباره مشروع استثمار مستقبلي.

المخرج سعيد سالمين يرى أن موسم الدراما هذا العام فقير جداً في الطرح ومكرر، مما يدفع الكثير من كتاب النصوص إلى المط للوصول إلى الحلقة الثلاثين رغم عدم تحمل النص هذا الكم الهائل من الأحداث والحلقات، فيستطيع المشاهد منذ الحلقات الأولى معرفة سير الأحداث وحل العقدة الدرامية بنفسه، متوقعاً النهاية مسبقاً مما يدفع إلى العزوف عن المتابعة، مشبهاً الدراما الإماراتية بالهندية القديمة التي تضحك على عقل المشاهد ولا تقدم له إلا ما يشغل وقته بلا حلول لمشكلاته اليومية، ولا تضيف إليه شيئاً لأنها لا تمسه ولا بيته وأولاده، بل تعودنا على الكوميديا غير الهادفة التي تسعى إلى الاضحاك فقط، أو الدراما الباكية في انتظار عودة الابن وشفاء المريض وغيرها من المواضيع المكررة. وأشار سالمين إلى قدرة الكاتب جمال سالم على تقديم ملامح وقضايا موجود ومعاصرة، يؤديها النجم جابر نغموش، باحثين عن حلول لمشكلات وقضايا الشارع، وهو ما يتجاهله البعض بالهروب للمسلسلات القديمة والتراثية التي تبعد عن عالم اليوم بتغيراته وهمومه.

أما المخرج السوري عامر رضوان فيشخص المرض الدرامي على أنه حالة من الاستعجال للحاق بالسوق الفني أو المولد الرمضاني، والذي يعود بالسلب على عامل المتعة الذي غاب عن الدراما هذا العام، فمن وجهة نظره ليس هناك عمل مميز يجبر المشاهد على متابعته، ويحظر تجوله في الشارع على الصعيد العربي، فكل الأعمال هذا العام عادية في الطرح والتناول والمضمون. ويضيف: كنا متوقعين لأعمال ضخمة مثل صراع على الرمال أن يبهرنا أو السوري باب الحارة أو أي من الأعمال المصرية أن تلقى نجاحاً كبيراً إلا أننا نقف أمام أعمال أحسن ما توصف به أنها عادية، وليس فيها ما يطلق عليه قنبلة الموسم، مؤكداً حالة الحرق الفني للنجوم لوجودهم في أكثر من عمل وكأن الدراما ستنتهي بعد رمضان.

وعن رأيه في دراما هذا الموسم يقول النجم الإماراتي أحمد الجسمي إن أسباب سقوط الكثير من المسلسلات هذا العام هو النصوص الضعيفة والتي يبدو من خلالها أن الكاتب العربي نفسه مقطوع ولا يستطيع إكمال 30 حلقة بنفس الحرارة والحبكة الدرامية، باستثناء عناصر قليلة، فمعظم الأعمال الفنية انكشفت بعد 10 حلقات ولا يوجد فيها جديد إلا الملل والمط والتطويل، موضحاً أن الأعمال التي أعدت لتكون أكثر من جزء تعاني إفلاساً في الإبداع وافتقار عنصر الجذب، مشدداً أنه يتحدى أي منتج أو فنان يقول إنه يبيع في رمضان من أجل أن يطرح موضوعاً جاداً يهم المجتمع ويناقش قضايا مهمة، ولكنه أتي ليبيع ما يعرف بالعرض الأول في رمضان حيث الحلقة تبلغ قيمتها بين العشرة والعشرين ألف دولار، أما السعر خارج رمضان فيكون مختلفاً، مشيراً إلى مشاركة المحطات في هذا المستوى السيئ من الأعمال التي قد تستقطب نجوماً أجادوا في التمثيل أو الإخراج ولا خبرة لديهم في الإنتاج فيقتحمون هذا المجال وهم يجهلون كيفية إدارة العمل إلى جانب عملهم في الإخراج أو التمثيل، لافتاً إلى أن من درس المسرح يعرف أن الإبداع والتطور هو أساس وروح العمل الفني وإن لم يجده فعليه احترام نفسه أولاً ثم احترام المشاهد حتى يذكر له بالخير الأعمال التي قدمها.

وتوضح الدكتورة حصة لوتاه أستاذة الإعلام في جامعة الإمارات أن الدراما العربية بشكل عام باعت الوهم للناس ورسخت مفاهيم مغايرة عن الواقع في الشارع العربي، فلا يعقل أن يظهر الخليج في المسلسلات كلها منازل أثاثها مريح وسيارات فارهة ومجوهرات وغناء فاحش، وهو ما يعطي الانطباع غير الخليجي باستحالة وجود فقراء ومعدومين بينما الواقع غير ذلك، كما عززت الدراما قصص الصعود الوهمي من دون تعب وبذل مجهود وكأننا في مجتمع أمريكي.. لذلك ترى لوتاه أن المسلسلات الدرامية غير واقعية رغم أن مهمتها الأولى أن تعكس نبض الشارع وتكشف بعض القضايا وتعزز سلوكيات ايجابية وترفع الذوق العام، إلا أن ما تقدمه مختلف، فمازالت وجهة النظر في الدراما عن الرجل أنه يسيء معاملة المرأة بالإضافة إلى فشل الشباب وتعاطي المخدرات، وبالتالي فهي لا تغرس القيم والمبادئ الجيدة ولا تلعب دور المراقب والمرشد.