"الدرب الأصفر" . . تاريخ في حارة

تضم مجموعة من التراث الإنساني العظيم
03:37 صباحا
قراءة 3 دقائق

تبدو حارة الدرب الأصفر على امتدادها الرهيف في قلب القاهرة الفاطمية مثل متحف طبيعي مفتوح للزائرين طوال ساعات الليل والنهار، فالحارة التي تمتد بداية من منطقة الموسكي وانتهاء بحي الجمالية الشهير متقاطعة مع شارع المعز لدين الله الفاطمي أحد أشهر شوارع القاهرة التاريخية، تضم على جانبيها مجموعة ضخمة من التراث الإنساني العظيم، الذي لا يزال منتصباً في مكانه رغم مرور عقود من الزمان، متحدياً نوازل الدهر بعظمة تليق بتاريخه العريق ومعماره الذي لا تضاهيه عمارة في هذا الزمان .

تضاهي حارة الدرب الأصفر حالياً بنظافتها وبريقها اللذين استعادتهما بعد عملية تطوير شاملة استغرقت ما يقرب من خمس سنوات، أجمل المتاحف العالمية المفتوحة للزائرين، ويزيدها بهاءً عشرات المواقع الأثرية التي يزيد عمر بعضها على أكثر من خمسمئة عام .

وتضم هذه الحارة عشرات من البيوت الأثرية التاريخية الشهيرة، وإن ظل بيت السحيمي هو أكثرها شهرة، باعتباره أبرز المواقع الأثرية في الحارة، وقد قامت بترميمه هيئة الآثار المصرية قبل سنوات بالتعاون مع الصندوق العربي للإنماء، واستغرقت عملية ترميمه وصيانته خمس سنوات .

وينافس بيت السحيمي في حارة الدرب الأصفر شهرة عدد من البيوت الأثرية الأخرى من أهمها بيت مصطفى جعفر الخرزاني، إضافة إلى عشرات السبل والزوايا الصغيرة والكتاتيب مثل سبيل وكتّاب قيطاس، ومسجد وسبيل وكتّاب سليمان أغا السلحدار، والاثنان يمثلان نموذجًا في فنون العمارة الإسلامية، إذ يعد كل منهما مركزاً متفرداً بذاته، يضم المسجد والسبيل لسقاية العطشى، والكتاب لتعليم الأطفال أصول القراءة والكتابة .

وينظر كثير من الباحثين في تاريخ العمارة الإسلامية إلى حارة الدرب الأصفر باعتبارها تمثل شاهداً حياً على تاريخ مصر الاجتماعي والثقافي خلال ما يزيد على خمسمئة عام من الزمان، حيث تضم الحارة العديد من البيوت التي تعد في نموذجاً لما كانت عليه مساكن القاهرة التاريخية، سواء من حيث التصميم الذي يكفل الخصوصية للسكان، أم لما تضمه الحارة من مساجد وسبل وكتاتيب باعتبارها نموذجا للتكافل الاجتماعي الذي كانت عليه البلاد في تلك العصور .

وتجسد عمارة حارة الدرب الأصفر في مجملها محصلة لأساليب مدارس إسلامية عدة في فنون العمارة، بداية من العصر المملوكي، الذي بلغت فيه العمارة وفنونها شأناً عظيماً، وليس انتهاء بفنون العمارة في العصور التالية، التي ازدهر فيها فن البناء وارتقت فيها فنون الزخرف، وهو ما ينعكس بوضوح في قصور المماليك وبيوتهم المملوءة بالتحف الخشبية والخزفية والزجاجية فضلاً عن فرشها المحلاة بالطنافس والأبسطة والرياش الثمينة .

وتحفل البيوت الأثرية في حارة الدرب الأصفر بالمشربيات وهو ما يعكس ازدهار صناعتها في العصر المملوكي وما تلاه، وجميعها مشربيات مصنوعة من الخشب المخروط دقيق الصنع، حيث كانت هذه المشربيات تمتد من جدران البيوت إلى الطريق، ليختفي النساء وراءها عن أعين المارة .

ويمثل سبيل وكتاب السلحدار مدخل الدرب الأصفر ويتبع تخطيطه الأسبلة والكتاتيب العثمانية في مدينة القاهرة، ومنشئه هو الأمير سليمان أغا السلحدار الذي جاء إلى مصر صغيراً، وأخذ يرتقي في الوظائف حتى أصبح أمير لواء السلاح في عهد محمد علي باشا .

وحرص المعماري المسلم على إضافة الكتاب والسبيل إلى المسجد الذي يتخذ ثلاث واجهات من الخارج أهمها الواجهة الرئيسة المطلة على شارع المعز، فأقام المعماري عليها المئذنة التي تعلو المدخل الرئيس . والدارس تطور المباني الدينية على مر تاريخ العمارة الإسلامية يجد مسجداً وسبيلاً وكتّاب سليمان أغا السلحدار يقف شاهداً على مرحلة من أهم مراحل تطوره، فهو مبنى مصمم بدقة بالغة برع المعماري فيه في احتواء عناصره المعمارية المختلفة في صورة فريدة مركبة، تجسدت فيها الاحتياجات الوظيفية بذكاء يحسد عليه، فالتكوين من الخارج جاء مناسباً ورشيقاً يجمع بين قمة الجمال ودقة التفاصيل في واجهة السبيل وبساطة التكوين ونسبه الجميلة في واجهة المسجد، وترقى في منتصف الواجهة مئذنة قلمية بسيطة رشيقة تسيطر على الفراغ .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"