د. عارف الشيخ

الأصل في‮ ‬الدعاء أن‮ ‬يكون بالمأثور من القرآن الكريم والسنة المطهرة،‮ ‬وإذا قلنا المأثور فالمراد به ما ورد بالعربية في‮ ‬القرآن الكريم والسنة المطهرة‮.‬
أما ترجمة الأدعية المأثورة،‮ ‬أو اختراع أدعية‮ ‬غير مأثورة وبلغة‮ ‬غير اللغة العربية فإنه‮ ‬غير جائز في‮ ‬الصلاة بل تبطل به الصلاة عند بعضهم‮.‬
ولتفصيل ذلك فلنقرأ ما ورد عن الفقهاء في هذا الباب حول ترجمة الدعاء المأثور، حيث إن لكل منهم حجة وما ورد ‮عنهم ‬يقسم إلى أربعة أقسام‮:‬
1- ‬يحرم الدعاء في‮ ‬الصلاة بغير اللغة العربية،‮ ‬وإذا دعا المصلي‮ ‬بغير العربية بطلت صلاته،‮ ‬وقد أخذ بهذا الرأي‮ ‬علماء الحنفية والمالكية وبعض الشافعية وبعض الحنابلة،‮ ‬وحجتهم أن الله تعالى قال لنبيه نوح عليه السلام‮: «‬قال‮ ‬يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل‮ ‬غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم‮..» (‬الآية‮ ‬46‮ ‬من سورة هود).‬
ويقول الله تعالى أيضاً‮: «‬قال رب إني‮ ‬أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي‮ ‬به علم‮...» (‬الآية‮ ‬47‮ ‬من سورة هود)‬
تأمل في‮ ‬هاتين الآيتين تجد معنى الآية الكريمة الأولى‮: «‬أن أسألك ما ليس لي‮ ‬علم بجواز سؤاله‮»‬،‮ ‬وفي‮ ‬الآية الثانية أكد ربنا تبارك وتعالى هذا المعنى بل استعاذ نوح بربه أن‮ ‬يسأله ما ليس له به علم،‮ ‬وهل الدعاء بغير العربية إلا من قبيل ما ليس له به علم؟ أضف إلى ذلك أن الله تعالى‮ ‬يحب أن‮ ‬يخاطب بالعربية،‮ ‬واللسان العربي‮ ‬شعار الإسلام،‮ ‬وكان عمر رضي‮ ‬الله تعالى عنه‮ ‬ينهى عن رطانة الأعاجم،‮ ‬فإذا كان في‮ ‬غير الصلاة جائزاً‮ ‬فإنه‮ ‬غير جائز في‮ ‬الصلاة‮.‬
2- يكره الدعاء بغير العربية في‮ ‬الصلاة لمن كان قادراً‮ ‬على العربية،‮ ‬والضرورة تقدر بقدرها،‮ ‬ومن ثم فإنه‮ ‬يجوز للعاجز أن‮ ‬يدعو بغير العربية،‮ ‬وإلى هذا القول ذهب الأحناف والمالكية وهو قول للحنابلة،‮ ‬وحجتهم هي‮ ‬حجة أهل القول الأول إلا أنهم قالوا بالكراهة بدلاً‮ ‬من المنع مطلقاً،‮ ‬وقالوا بأن نهي‮ ‬عمر كان لمن كان في‮ ‬المسجد ويرطن في‮ ‬الحديث،‮ ‬أو أنه‮ ‬يرطن بحضرة أناس آخرين لا‮ ‬يفهمون لغته،‮ ‬وعندئذ قد‮ ‬يسيئون فهمه فتحدث فتنة‮.‬
3- ‬يجوز الدعاء بغير العربية للعاجز عن العربية،‮ ‬ولو دعا القادر عليها بغير العربية لبطلت صلاته،‮ ‬وإلى هذا القول ذهب صاحبا أبي‮ ‬حنيفة أبو‮ ‬يوسف ومحمد،‮ ‬وهو قول لبعض المالكية وقول عند الحنابلة،‮ ‬والصحيح من المذهب عند الشافعية،‮ ‬وحجة هؤلاء قوله تعالى‮: «‬فاتقوا الله ما استطعتم‮...» (‬الآية‮ ‬16‮ ‬من سورة التغابن‮)‬،‮ ‬وقوله تعالى‮: «‬لا‮ ‬يكلف الله نفساً‮ ‬إلا وسعها‮...» (‬الآية‮ ‬286‮ ‬من سورة البقرة‮)‬،‮ ‬ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم‮: «‬وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم‮».‬
4- يجوز الدعاء بغير العربية في‮ ‬الصلاة لمن قدر عليها أو كان عاجزاً‮ ‬عنها،‮ ‬وينسب هذا القول إلى أبي‮ ‬حنيفة،‮ ‬وهو قول عند المالكية ووجد عند الشافعية،‮ ‬وحجة هؤلاء قوله تعالى‮: «‬وعلّم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني‮ ‬بأسماء هؤلاء إن كنت صادقين‮» (‬الآية‮ ‬31‮ ‬من سورة البقرة‮)‬،‮ ‬وقوله تعالى‮: «‬وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم‮...» (‬الآية‮ ‬4‮ ‬من سورة إبراهيم‮).‬
ومما أثر عن ابن تيمية أنه قال‮: «‬والدعاء‮ ‬يجوز بالعربية وبغير العربية،‮ ‬والله سبحانه وتعالى‮ ‬يعلم قصد الداعي‮ ‬ومراده،‮ ‬وإن لم‮ ‬يقوّم لسانه فإنه‮ ‬يعلم ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تنوع الحاجات‮».‬
والقول الراجح الذي‮ ‬تطمئن إليه نفسي‮ ‬هو ما قاله بعض العلماء من أن المسلم له أن‮ ‬يدعو بما شاء وكيفما شاء،‮ ‬ما لم‮ ‬يكن‮ ‬يدعو بإثم أو قطعية رحم أو فيه تعدّ‮ ‬على أحد،‮ ‬وله أن‮ ‬يدعو بالعربية أو بغير العربية أو بالعامية،‮ ‬أو بدعاء غير مأثور بشرط أن‮ ‬يكون معناه صحيحاً،‮ ‬لأن الله تعالى عندما أمرنا بالدعاء لم‮ ‬يقيدنا فقال‮: «‬وقال ربكم ادعوني‮ ‬أستجب لكم‮...» (‬الآية‮ ‬60‮ ‬من سورة‮ ‬غافر‮).‬