عرف مصطلح "المطوع" بجمعه الدارج لغوياً "المطاوعة" على نطاق خاص وواسع في منطقة الخليج، ومن بينها المكان الإماراتي، وإذا كان المصطلح عبارة عن محض لهجة، فإن هناك من أعاده إلى جذره اللغوي "طوع" ليكون "المطوع" اسم المفعول من طوع، بحسب معجم المعاني الجامع، وهو من يتقدم لعمل ما مختاراً، ومن تلقاء نفسه، " والمطواع في المعجم الوسيط "المطيع"، وفي لسان العرب الطوع نقيض الكره، طاعه ويطوعه، وطاوعه، ورجل طيع أي طائع، والمطاوعة الموافقة، وبهذا فإن كلمة "المطوع" تدل على شخص بعينة تبادر إلى الذهن أنه مطيع لربه .
وكما أن مصطلح "الملا" جاء متأخراً، فإن مصطلح "المطوع" جاء متأخراً، فيما يخص من يقوم بأية وظيفة دينية تنويرية تعليمية في المجتمع، فلا نجد لها أي أثر في النصوص الدينية الأولى، وفق مفهوم استخدامها الشائع، حالياً، على نحو واسع،
حيث إن كلمة "المطوعين" التي وردت في القرآن الكريم: "الذين يلمزون المطّوعين"، تدل على: المجاهد، أو نحوه، ولعل المفردة انزاحت ضمن هذا المعنى، مع الزمن، في ضوء ظهور رجل الدين الذي شاع تدريجياً، وبات يشكل رتبة، أو مرتبة، اجتماعية، وهنا، يمكن الحديث عن "المطوع" كممتهن، أو محترف لمهنة أو حرفة التطوع، وإن كان التطوع - في الأصل- وظيفة، أو مرتبة دينية، تقابل مفردة "ملا" التي قد تكون مأخوذة من "الممتلئ" أي الممتلئ علماً .
ومصطلح "المطوع" يكاد يكون غير منتشر، إلا ضمن منطقة "الخليج العربي"، وحدها، حيث توجد في كل بيئة اجتماعية من يتنطع لأداء هذه المهمة، إذ إن القائم بها يؤديها بشكل حر، من دون أن يقسره عليها أحد، معروفاً بهذه الصفة . ومن يتابع الحياة الاجتماعية، في المجتمع الإسلامي بعيد انتشار رسالة الدين الحنيف، فإنه يجد أن طبيعة الحياة الجديدة، جعلت الحاجة إلى" عالم الدين" متعدد المسؤوليات، باتت مهمة، فهو معني-من جهة- بشرح الفروض والواجبات، وكيفية الطاعة .
بوابة التعليم
إذا كانت وظيفة "المطوع" هي نشر تعاليم الدين، فإن السؤال الأول الذي واجهه هو: كيف يمكن النجاح في مثل هذه المهمة، من دون نشر العلم، بل إن فكّ الحرف والكتابة، من السبل الأكثر ضرورة لتعلم تلاوة القرآن الكريم، ما دامت الحاجة إليها مستمرة، ما دامت هناك الصلوات الخمس في كل يوم، إلى جانب أشكال الطاعة الأخرى التي تتم بشكلها الأكثر وعياً، عبر نعمة التعلم .
إن أي متابعة لتاريخ التعليم في منطقة الخليج، ومن بينها دولة الإمارات، منذ بدء رسالة الإسلام وحتى الآن، تبين أن "الكتاتيب الدينية" كانت الوسيلة الوحيدة، والرئيسية لكل طلاب المعرفة والعلم، إذ كانت منتشرة، بشكل واسع، دون أن تتوقف حتى مع دخول التعليم النظامي في العام ،1953 حيث حدث منعطف واضح في مسار العملية التعليمية، وهو ما يمكن تشريحه، ليغدو تعليم القرآن، والحديث، إلى جانب العلوم الدنيوية، كما يقال، بل ولتكون هناك-وباستمرار- تلك الحاضنات المتخصصة لعلوم الدين .
من الأمثلة التي يمكن الحديث عنها، في هذا المقام، المدرسة التيمية المحمودية التي نشأت في بدايات القرن العشرين في الشارقة، هذه المدرسة التي كان التعليم فيها مجانياً، إضافة إلى أن الطالب الملتحق بها كان يقدم له الطعام والشراب بل والملبس والمسكن إلى جانب ما يلزمه من كتب وقراطيس وأقلام وحاجات أخرى، وراحت هذه المدارس تنتشر بسرعة، تدريجياً، لتخرج أفواج المتعلمين، ممن سيصبحون شخصيات لامعة في مجتمعهم، حيث أسس الشيخ محمد بن علي المحمود مدرسة "الإصلاح" في العام،1930 وأنشأ الشيخ مبارك بن سيف بالتعاون مع آل العويس "المدرسة التيمية" في الحيرة، وهكذا بالنسبة للمدرسة "الأحمدية" التي أنشأها تاجراللؤلؤ الشيخ أحمد بن دلموك عام 1910 إلى جانب غيرها من المدارس التي كان العمود الفقري فيها "المطوع" الذي يئم المصلين في المسجد، ويعلم الطلاب في المدرسة، وينشر تعاليم الدين، ويمارس مهمة الإصلاح في المجتمع . ولا يفهم من هذا الكلام، أن وظيفة "المطوع" الذي يقوم بأداء مهمة التعليم في الكتاب، تقتصر-فقط- على علوم الدين، وحدها، لأنه كان يدأب على تعليم طلابه مبادئ الحساب، إلى جانب المسائل الفقهية، والقرآن، والسنة .
علامات فارقة
ما كان يميز شخصية المطوع، الداعية، الاستناري، ويعزز مكانته، والثقة به، ضمن وسطه الاجتماعي، ليكون أحد الوجوه التي يلجأ إليها في الملمات، ويؤخذ برأيها، هو أنه يزهد عن الكثير من مظاهر الحياة الدنيا، ليعرف بالاستقامة، والأخلاق الحميدة، والاشتغال على مهمة إصلاح من حوله، وهو ما كان يكسبه احترام ومحبة المحيطين به، لاسيما أنه كان يشارك الناس أفراحهم، وأتراحهم، في آن، فهو من يقوم بممارسة مهمة عقد القران بين الزوجين، بحسب الشريعة، وهو من يستعان بدوره عند الفجيعة بموت أحدهم، حيث يشرف على ترتيبات دفن الميت، بل ويكون الحاضر أثناء تقديم العزاء به، إضافة إلى أن عقود البيع والشراء، تتم بحضوره، يحررها بيده، ويكون بمثابة الشاهد الصدوق عليها .
ولأن المجتمع منقسم إلى ذكور، وإناث، في الوقت ذاته، فإن الحاجة إلى المرأة التي تقوم بأداء دور المطوع جد ضرورية، لاسيما في مجال التعليم، ونشر الثقافة الدينية بين النساء، وقد كانت المرأة المتطوعة في هذا المجال، تستقطب الصغار من الجنسين، تعلمهم ألفباء القراءة والمعرفة، وهكذا فإن هذه الوظيفة "التطوعية" كانت مفتوحة أمام المرأة كما الرجل، وهو ما يدل على أن المرأة لعبت دوراً بارزاً في نشر الثقافة والدين، في آن .
ويمكن العودة إلى جوهر فكرة "المطوع" وهو أنه ليس من يتطوع لأداء مهماته الدينية التثقيفية وحدها، بل إنه يؤدي هذه الوظيفة، من دون أي مقابل مالي، متفق عليه، وهي نقطة جد مهمة في شخصية المطوع، بل إن عدم اشتراط المطوع في خدمة رسالته، لقاء أجر مالي، محدد، يجعل مفهوم المطاوعة مكتملاً، فعلياً، على صعيد التطبيق والممارسة، وإن كانت طبيعة الحياة تستدعي أن تؤمن له، ولأسرته أسباب المعيشة اليومية، بشكل "تطوعي" أيضاً، من قبل محيطه الاجتماعي، بمعنى أن المطاوعة، وفق هذا التصور، متعددة الأوجه والأطراف، ولا تقتصر في شخصية المطوع، بل تتعداها إلى من حوله، وهو ما يمكن الحفر البحثي عليه، في أي دراسة معمقة .
وإذا كانت شخصية المطوع لا تزال موجودة، في الحياة الاجتماعية، نظراً إلى الحاجة المستمرة، إليها، ولم يستطع انتشار وسائل الإعلام، ومحو الأمية، إلغاء دوره، فإن المطوعين - وهم في حقيقتهم طبقات بالمعنى التراتبي المعرفي الوظيفي- ويشكلون - في حقيقتهم - فئة اجتماعية لها حضورها اليومي الراسخ . ولعل الاشتغال في المجال السوسيولوجي، ليستدعي دراسة ظاهرة "المطوع" تحت وطأة الحاجة إليه، بل وإنه لمن الضروري أن يتم وضع معجم بيبلوغرافي انطولوجي، لهؤلاء الجنود المجهولين الذين أدوا دوراً تنويرياً مهماً، خلال مئة السنة الأخيرة الماضية، في أقل تقدير، وهو أمر ممكن في الحياة الإماراتية، ما دام أن المطوع شخص أنموذجي، بل إن هناك أسراً كثيرة تنسب إلى المطوعين، حيث إن إنجاز هذه المهة سيؤدي خدمة كبيرة للمكتبة الإسلامية العربية .