تميزت فعاليات معرض الكتاب الدولي الرابع والعشرين الذي تقيمه كل عام مكتبة الأسد تحت رعاية وزارة الثقافة السورية، بزيادة عدد الدول المشاركة، والتي شملت هذا العام 24 دوله منها 13 عربية و11 أجنبية، إلا أن عدد دور النشر المشاركة هذا العام تراجع بما يقارب 50 دار نشر عن العدد الذي شارك في الدورة الثالثة والعشرين للمعرض، ويعزى ذلك حسب الجهات المنظمة إلى أن ممثلي دور النشر هذه لم يتقدموا ضمن المهلة المحددة بطلب المشاركة، بالإضافة إلى تطبيق معيار جديد للمشاركة هذا العام، يشترط على دور النشر أن يكون لديها 7 عناوين جديدة على الأقل لم تشارك فيها في الدورة السابقة، وهو ما صرح به الدكتور علي العائدي مدير مكتبة الأسد.

إن بعض دور النشر تم استثناؤها من هذا الشرط وذلك لأنها رغم امتلاكها لشرط عدد العناوين الجديدة، تعتبر إصداراتها السابقة من أكثر الكتب رواجا، لاشتمالها على الأعمال الكاملة لأبرز الأسماء في الشعر العربي المعاصر، ووحدها تفردت دار رياض نجيب الريس للنشر (لبنان) بطرح 19 عنواناً أدبياً جديداً لمبدعين عرب معروفين، وهذا بحد ذاته على إيجابيته وأهميته يثير سؤالاً كبيراً عن واقع ومستقبل الثقافة العربية، التي تغيب من سمائها الأسماء الجديدة رواية وقصة وشعراً ونقداً. ولهذا الأمر حسب أصحاب دور النشر ما يفسره، من قانون العرض والطلب الذي يجعل من تقديم أسماء جديدة مخاطرة من الناحية التجارية. لكن وعلى الرغم من أن الكتاب الديني ما يزال يتصدر كماً ونوعاً قائمة المعروضات والمبيعات، والذي امتد لينافس أدب الأطفال، إلا أنه بدأ يلاحظ في العامين الأخيرين أن الكتب الأدبية والفلسفية والميثيولوجية بدأت تستعيد عافيتها وحضورها، وإن بقيت الساحة شبه محتكرة للأعمال المترجمة، التي يعاد طباعتها أحياناً في العام الواحد لأكثر من مرة، في حين تكسد أعمال عربية طبع منها 1000 نسخة فقط، وتبقى في المستودعات لسنوات عدة.

وحسب بعض رواد المعرض كانت الجهات الرسمية العربية النتاج الإبداعي للشباب، ومثال ذلك إصدارات وزارة الثقافة السورية في سبعينات وثمانينات وتسعينات القرن الماضي التي بلغت مئات الأعمال بأسعار شعبية، قدمت من خلالها أبرز المواهب السورية والعربية، بالإضافة إلى أمهات الكتب الأجنبية المترجمة شعراً ورواية ونقداً ومسرحاً، إلى أن تراجع هذا الدور بأرقام قياسية في السنوات الماضية، كما تراجع في هذا المجال دور اتحاد الكتاب العرب، الأمر الذي يعزيه البعض الى أن اتحاد الكتاب العرب بات يضع شروطاً على ما يتبنى نشره تقارب شروط دور النشر الخاصة، وفي الظاهر يبدو أن الأمر يتعلق ب(رؤية نخبوية)، لكن في الواقع لا يخلو من جانب يتعامل من انتشار الكتاب من زاوية تجارية، حيث إن التعامل مع أسماء معروفة من المبدعين فيه مغامرة أقل. ويرى آخرون أنه يجب اعتماد مقياس من قبل الجهات العربية المنظمة للمعارض، ومن قبل اتحاد الناشرين العرب بإلزام دور النشر على أن تقدم سنوياً عملاً واحداً لمبدع شاب، وهذا يعني أننا سنكون أمام خمسمائة عنوان جديد لأسماء جديدة في الثقافة العربية، التي تدور منذ سنوات في سماء الأسماء الكبيرة حتى بعد رحيلها.

الكتاب الديني

في المقدمة

قد لا يبدو الحكم في الأيام الأولى من المعرض مقياساً يعتد به بشكل قاطع للحكم على اتجاهات القراء وقراءاتهم من خلال اقتنائهم للكتب، فحركة البيع في الأيام الأولى تبقى محدودة، وغالبية رواد معرض مكتبة الأسد حسب مسؤولي أجنحة دور النشر يفضلون في الأيام الأولى القيام بجولات استطلاعية على الأجنحة للاطلاع على معروضاتها، قبل أن يقرروا الشراء، وغالبيتهم يقوم بأكثر من ثلاث زيارات على الأقل للمعرض، إلا أن حجم العناوين الجديدة المعروضة هو مقياس بحد ذاته، وقد لاحظنا أن أجنحة دور النشر المختصة بالكتاب الديني هي الأكثر استقطاباً لرواد المعرض في أيامه الأولى، وهناك أكثر من 2000 عنوان جديد قدمتها هذه الدور في المعرض في أصول الفقه والسيرة النبوية وإعادة تحقيق التراث والمعاملات في الإسلام ..الخ، وأكثرها مطروق سابقاً من قبل كبار الفقهاء، ما يجعل العناوين الجديدة مجرد إعادة تجميع وتبويب مع جرعة بسيطة من القراءة الشارحة.

وفي مقدمة دور النشر المختصة بالكتاب الديني جاءت مكتبة الرشد السعودية في الطليعة بتقديمها لمائة وخمسين عنواناً جديداً، غالبيتها رسائل جامعية في أصول الفقه، وما تبقى منها إعادة تحقيق في التراث والسيرة النبوية. ويرى عمر الأمين محمد مدير المبيعات في الدار ومدير جناحها في معرض مكتبة الأسد لالخليج أن احتلال الكتاب الديني لموقع الصدارة في المبيعات خلال الأعوام الماضية تعبير عن حاجة شريحة واسعة من القراء تهتم ببناء الجانب المعرفي من ثقافتها لجهة التنور بأمور الشريعة والفقه الإسلامي، وهذا معين لا ينضب بالنسبة للباحثين ودور النشر. وحول التنظيم للمعرض هذا العام يرى بأنه أفضل من السنوات السابقة، علماً بأن مكتبة الرشد شاركت في آخر خمسة عشر معرضاً من معارض مكتبة الأسد.

ومن أبرز دور النشر المختصة بالكتاب الديني والمشاركة في معرض مكتبة الأسد دار ابن حزم، ودار الفجر للتراث، ودار الريان، ودار النفائس، ومؤسسة الرسالة، ودار الرضوان، وكلها دور نشر لبنانية، بالإضافة إلى دار المكتبي ودار المنهاج ودار المعرفة، دار الكلم الصالح وابن حجر من سوريا.

ويلاحظ في هذا العام وفرة عدد الكتب والمسائل الإيضاحية وأشرطة السي.دي الموجهة للأطفال، والتي تأخذ منحى دينياً صرفاً، علماً بأن أدب الأطفال كان في السنوات الماضية شبه محتكر لدور نشر خاصة تهتم بأدب الأطفال، باتجاهات بعيدة كل البعد عن التربية الدينية بشكل مباشر.

وعن كتب الأطفال يقول أحمد عقيل مدير جناح الدار العالمية للنشر (سوريا) لالخليج إن الدار تهتم من ضمن أولوياتها بالكتب الموجهة للأطفال، ويضيف بأن الكتب الأكثر رواجاً هي تلك التي تساعد على تعلم اللغة العربية، من خلال كتب مبسطة يتم فيها ضبط شكل الكلمات، والإقبال على الاقتناء يتم أساساً من قبل المغتربين الذين يحرصون على تواصل أبنائهم مع لغتهم الأم. لكن عقيل يقر بأن مساحة الكتب المترجمة عن اللغات الأجنبية تحتل مساحة كبيرة من النشر، ولذلك فإن دار النشر تتوخى فيما تنشره الدار أن يكون مضمون القصص والكتب بما لا يتناقض مع القيم العربية، وأن يحمل قيماً إنسانية سامية.

وفي هذا يرى وسام معتوق (أستاذ لغة عربية وأحد رواد الجناح) لالخليج أنه ومهما بذل من جهد لاختيار موضوعات القصص تبقى مشكلة، لأن الطفل العربي يجب أن يربى على العادات والقيم والتراث الحضاري لشعبه، والمكان والإطار الاجتماعي الذي تدور فيه أحداث القصة مهم جداً، والأدب العالمي الموجه للأطفال يجب أن يكون داعماً وليس العمود الفقري والوجبة الرئيسية لمائدة الطفل الثقافية. ويضيف معتوق في ظل ما تنشره القنوات الفضائية للأطفال أصبح عند كل المهتمين بمستقبل أطفالهم خوف مشروع من أن يتشرب أطفالهم ثقافة وقيماً اجتماعية وتربوية بعيدة كل البعد عن متطلبات استنهاض مجتمعاتهم، وهذا سؤال برسم القائمين على العمل الإبداعي والإعلامي العربي.

والإشكالية نفسها نجدها في المنشور من رواية ونقد أدبي وفلسفة وأبحاث تاريخية، حيث يؤكد خالد قصوعة مدير التوزيع في دار(النايا للدراسات والنشر)، والتي تعمل في ذات الوقت وكيلاً في سوريا ل(مركز الخليج للأبحاث) ودار الأزمنة (الأردن) ودار الأمة الجزائرية ، لالخليج بأن الرواية المترجمة كانت ومازالت في الصدارة على صعيد المنشور والمسوق من الأعمال الإبداعية. ويكفي اسم أي كاتب من الكتاب المعروفين مثل ماركيز أو نيكوس كازانتزكي وكولن ولسون وصولاً إلى كريستينا كومنتشي أو فريدريش كريستيان دليوس، ليكون ضمانة في تسويق الكتاب، وإعادة طباعته عدة مرات. في حين عندما تطبع دار النشر ألف نسخة لروائي عربي غير معروف تبقى هذه النسخ في المستودعات لسنوات عديدة، وكم من دور النشر أتلفت المئات من النسخ بعد أن شاخت واصفرت أوراقها في المستودعات.

ولا تشذ عن هذا الرأي آراء مديري أجنحة دور النشر المهتمة بالرواية الأدبية، التي لم تقدم الكثير منها هذا العام عنواناً لروائي أو شاعر أو ناقد عربي هذا العام، وحتى دار رياض نجيب الريس التي قدمت 19 عنواناً جديداً هذا العام لمبدعين عرب حصرت المنشور بأسماء معروفة في الرواية والشعر والنقد، والنتيجة أن المبدعين الشباب والأسماء الجديدة في الأدب العربي بقيت خارج دائرة اهتمام دور النشر.

ويبقى للصورة وجه آخر، فمن الناحية التجارية البحتة، إن استمرار دار النشر بالعمل مرتبط إلى حد بعيد بالطلب على الكتاب، والإقدام على نشر كتب لمبدعين جدد قد لا تلاقي أعمالهم إقبالاً في الطلب مغامرة لا تحمد عقباها، من ناحية التكاليف المادية.

ويؤكد أديب مستو مدير مبيعات جناح دار الكلم الطيب وابن حجر لالخليج بأن مبيعات الكتب بشكل عام تراجعت عن سابق عهدها بأكثر من 50%، بما في ذلك الكتاب الديني الذي حققت مبيعاته قفزة كبيرة، وثمة جانب لا ينتبه له الكثيرون ألا وهو أن زيادة عدد السكان والتطور في مستوى التعليم الذي تشهده الدول العربي يجب أن ينعكس زيادة في عدد القراء، لكن ما يحصل على العكس تماماً، وهو ما يستحق البحث والدرس من قبل المراجع المختصة، بما في ذلك تأثير الانترنت والتلفزيون والوضع الاقتصادي، للحد من التأثيرات السلبية على الكتاب الذي فيه مستقبل الأمة.

ويقر جهاد رستم مدير جناح دار العودة (بيروت) لالخليج أن الدار لم تشارك في المعرض الرابع والعشرين لمكتبة الأسد بأي عنوان جديد، وأنها منحت استثناءً من شرط عدد الإصدارات الجديدة لطبيعة الكتب التي أصدرتها الدار في السنوات الماضية وأعادت إصدارها في هذا العام، منها الأعمال الكاملة لمحمود درويش وإبراهيم طوقان وبدر شاكر السياب وبيرم التونسي وفوزي المعلوف وسميح القاسم وتوفيق زياد، وصلاح عبدالصبور.. الخ. ويفسر رستم ذلك بأنه بعد جيل الرواد في الشعر العربي المعاصر لم تظهر أي أسماء رابحة في التسويق، وكل الأسماء التي ظهرت شعرياً في التسعينات باستثناءات محدودة كانت خاسرة تجارياً، وفي الرواية كذلك الأمر، لذلك لا عجب أن رواية مثل زوربا لنيكوس كازانزاكي ما زالت تجد جمهوراً واسعاً من الراغبين في اقتنائها رغم أنها طبعت عشرات المرات. ويلفت رستم النظر إلى حقيقة أن التعامل مع أعمال كبار المبدعين تبقى فيه المخاطرة شبه معدومة رغم صدور الكثير من الطبعات المسروقة عن هذه الأعمال على يد قراصنة كتب في بعض دور النشر المغمورة.

ويؤكد ما ذهب إليه رستم مدير التوزيع في دار علاء الدين (سوريا) الذي شاركت بخمسة وعشرين عنواناً جديداً لروايات مترجمة، ويقول بيان رفاعة لالخليج أنه باستثناء الأسماء المعروفة في الرواية العربية من مثل (عبد الرحمن منيف، جبرا إبراهيم جبرا، الطاهر وطار، حنا مينة.. الخ)، لا توجد أسماء رابحة عربياً. ولا يخفي رفاعة بأن هذا أحد جوانب الأزمة التي تواجهها صناعة الكتاب العربي.

أما المراجع الجامعية ما زالت محافظة على مستواها من حيث التسويق ويقول فراس الجمل مدير جناح دار الكندي التي شاركت في المعرض الحالي بخمسة عشر عنواناً جديداً، ل الخليج: إن الحاجة للكتاب الجامعي تبقي على أهميته وقدرته على الاستمرار في المنافسة، لأن الطلب عليه يبقى على مدار العام من قبل طلبة الجامعات.

أزمة الكتاب العربي

المهم هو حماية صناعة الكتاب العربي وإخراجها من أزماتها، حيث يقر الجميع بأن أزمة حادة تعصف بالكتاب العربي، أزمة مركبة لا يمكن حلها إلا بتضافر جهود المؤسسات الرسمية مع دور النشر، وتقديم تسهيلات من خلال مشروعات مشتركة على سبيل المثال، تؤمن مشاركة الدول في دعم الكتاب، وخاصة بعد أن ارتفعت تكاليف صناعته خلال العام الماضي 50% والتكاليف مرشحة للازدياد في الأشهر القادمة، ومثل هكذا علاقة تشاركية قد تحل معضلة عدم تقديم أسماء جديدة في الإبداع العربي، لأنه إذا ما استمر هذا الخواء، واستمر تجاهل المبدعين الجدد، سنجد أنفسنا بعد سنوات قليلة نعيش على عتبات إبداعات خلت من بعدها الإبداعات، وفي هذا موات للثقافة ووأد للمبدعين الجدد، وهم كثر وينتظرون من يأخذ بأيديهم إلى عالم النشر. فهل يكون أحد عناوين معارض الكتب في الدول العربية تقديم المبدعين الشباب ليستكملوا طريق الرواد.