هل سمعت عن الدجاج الديناصوري؟ إنه الاسم المستقبلي الذي منحه جاك هورنر، عالم الآثار والمستحاثات في متحف الصخور في مدينة بوزيمان الواقعة في ولاية مونتانا الأمريكية، لمشروعه الجنوبي الذي سيتمخض عنه إنتاج ديناصورات انطلاقاً من أجنة الدجاج .

من أين لهذا العالم بهذه الفكرة، وما هي المواد والعناصر التي يستند إليها لتحقيق حلمه وتحويل فيلم جوراسيك بارك الشهير إلى حقيقة واقعية؟ والفكرة والعناصر موجودة في مكان يسمى جبل البيض الواقع في مونتانا إلى الشمال الغربي للولايات المتحدة وتعد هذه المنطقة بمثابة الكنز الثمين لعلماء الآثار والمستحاثات الحيوانية، لأن كل متر مربع في هذه المنطقة يحوي على الأقل عشرين أحفورة أو مستحاثة حيوانية . ويطلق على المكان جبل البيض لأنه عثر فيه على بيض أحفوري لديناصورات قبل سنوات عدة على يد الباحث نفسه جاك هورنر .

المثير في الأمر أن هذا البيض المتأحفر وجد في حالة سليمة تماماً وكأنه فقس بالأمس، ومن هنا أضيف لهذين النوعين الجديدين من الديناصورات المكتشفة من خلال هذا البيض اسم الباحث هورنر فالنوع الأول يسمى أشيلوصورص هورنيري والثاني أناسازيروصورص هورنيري .

يقول جاك هورنر، صاحب المشروع إن ما يسعى إلى تحقيقة لا علاقة له بالخيال، بل هو حقيقة علمية بالفعل، فمشروع الدجاج الديناصوري ينطلق من جنين الدجاجة سعياً في النهاية إلى إنتاج ديناصور حقيقي وليس من صنع الصور الرقمية والخيال كما شاهدنا في فيلم جوراسيك بارك الذي كنت المستشار العلمي له . ومن شاهد الفيلم يتذكر جيداً أن المخلوقات الضخمة (الديناصورات وغيرها) أنتجت من خلال عملية استنساخ الحمض النووي DNA المأخوذ من دمها الذي حفظ على مدى ملايين السنين في معدة بعوض متحجر في الكهرمان أو العنبر الأصفر متحجرات من أصل نباتي قاس وشفاف يتكهرب بالاحتكاك .

ويشير جاك هورنر إلى أن الأمر نجح في ذلك الفيلم الخيالي، لكن ثمة إمكانية ليتحقق في الواقع، فالحمض النووي DNA هو عبارة عن جزيء كبير سريع العطب خاصة بعد أن مرت عليه ملايين السنين، ولذا لا يمكن العثور إلا على جزيئات غير مكتملة منه ربما لا يتجاوز طولها عشرة من المليار من طول شريط الحمض النووي وهو ما سيصعب المهمة على الباحثين .

ويرى جاك هورنر أن فكرة الدجاج الديناصوري جاءت من علاقة القربى بين الديناصورات والطيور . ويقول نعلم أن الطيور هي سلالة منحدرة مباشرة من الديناصورات، خاصة أن ثمة اكتشافات عدة تؤكد هذه الحقيقة العلمية وتشير بالدليل القاطع إلى أن الديناصورات هي أجداد الطيور، لاسيما ذلك الاكتشاف الذي تم التوصل إليه في موقع (Hell Creek) القريب من مدينة بوزيمان بولاية مونتانا .

ويؤكد هورنر أن ما يسمى (B-ReX)، وهو أقدم تيرانوصور كشف عنه حتى الآن وعاش قبل 86 مليون سنة، وجد في المنطقة ذاتها وأطلق عليه أول حرف من باحث ينتمي إلى فريق هورنر يسمى بوب، وكان بوب اكتشف الهيكل العظمي لهذا الديناصور في موقع (Hell Creek) الذي يصعب الوصول إليه وتطلب الأمر منه إجراء دراسة أحفورية لمدة 3 سنوات ليخرج التيرانوصور إلى النور .

ويقول هورنر إنه أثناء نقل عظام هذا الحيوان بالهيليوكوبتر انكسر عظم فخذ الحيوان المتأحفر، وجمعت فتات العظام ثم أرسلت إلى مختبر ماري شفايتزر العلمي المتخصصة في علم الأحياء الجزيئية . وعندما كانت الباحثة شفاتيزر تهم بفتح صندوق العينات لاحظت أن السطح الداخلي للقطع العظمية محاط بطبقة رقيقة من مادة عظمية كثيرة التليف وتتميز بلون غريب يشبه لون الأنسجة التي تظهر على الهيكل العظمي للطيور التي توشك على الفقس . ويشير هورنر إلى أن دور هذه الأنسجة هو إنتاج الكالسيوم لتقوية ودعم قشر البيض، وبالتالي كان ذلك دليلاً على أن (B-Fex) كانت أنثى على وشك الوضع وأن ثمة علاقة قربى تربط بين الديناصورات والطيور .

فكرة صلة القرابة بين الطيور والديناصورات قديمة، ففي ستينات القرن الماضي كان عالم المستحاثات الأمريكي جون أوستروم أول من أشار إلى هذه المسألة لكنها واجهت الكثير من الجدل في حينها . ومع انقضاء أكثر من 40 سنة على ظهورها، تبين للعلماء من خلال الأبحاث والاكتشافات الجديدة خلال السنوات العشرين الماضية بشكل خاص، أن مسألة صلة القرابة تلك صحيحة وأن (B-Rex) ليس سوى مثال من بين أمثلة كثيرة أخرى . مثلاً، عثر على أحافير لديناصورات تحمل مادة الكيراتين بيتا وهي مادة بروتينية توجد على أجنحة الطيور الحالية . أما المسألة المثيرة حقاً فتتمثل في الأبحاث التي أجراها هانس لارسون، المتخصص في علم الأحياء الجزيئية في جامعة كاكيل بمدينة مونتريال بكندا . وتبين للباحث من خلال دراسته لأجنة الكتاكيت أنه في المراحل الأولى لنموها تحمل ما يمكن اعتباره الآثار القديمة لأجدادها، فعندما يبلغ عمرها 21 يوماً، ينبت لها ذيل صغير وثلاث أصابع في القائمتين الخلفيتين (اللتين لم تكونان اندمجتا لتكوين الأجنحة)، وبراعم لأسنان صغيرة، أي ما يمكن اعتباره صفات موروثة من الديناصورات التي يمكن أن تعود للظهور من خلال أجنة هذه الكتاكيت أو ما يسمى بالدجاج الديناصوري .

المشروع الذي يسعى إليه الباحثون يتمثل في السهر على رعاية هذه الصفات حتى فقس البيض والعمل على التحكم في توجيه هذه الصفات في مسار يؤدي إلى إرجاع الكتكوت إلى أصله قبل أن تختفي خلال عملية النمو الطبيعي للجنين ليصبح كتكوتاً ثم ديكاً أو دجاجة .

وفي ما يتعلق بالباحث جاك هورنر صاحب المشروع فقد أغرته أبحاث زملائه الكنديين وقرر أن يشارك في جزء من عملية تمويلها لفهم الآلية التي تجعل هذه الصفات القديمة المعروفة للديناصورات، تختفي عن الكتكوت أثناء مرحلة النمو وبالتالي العمل على التدخل في توجيهها في مسارها الذي يؤدي إلى إنتاج الديناصورات .

ويقول هورنر معلقاً على ذلك: لننظر إلى الذنب لدى جنين كتكوت عادي، سنجد أن نمو الأجزاء الأخيرة من فقرات الظهر يتوقف عند بداية تطور الكتكوت . وهذا هو السبب، حسب رأي هورنر، الذي يجعل الطيور لا تترنح مثل الديناصورات، ويشير إلى أن هذه الفقرات تلتحم لتشكل مؤخرة الكتكوت أو ما يسمى بالعجز لدى الحيوانات أو الزميكي لدى العصافير .

ويضيف الباحث أن العامل القاطع أو الفاصل الذي يعمل ليوقف عملية نمو مؤخرة الطيور، يتمثل في أحد الجينات، ولو استطعنا كبح عمل هذا الجين أو توجيه مساره ليكمل عملية نمو مؤخرة الطيور، يستمر الذيل في النمو كما كان الأمر عند الديناصورات .

الفريق العلمي الذي يرأسه الباحث لارسون حقق أول نجاح في هذا المشروع، فقد توصل إلى تزويد جنين الكتكوت بثلاث فقرات ظهرية إضافية من خلال التلاعب بالجينات أو ما يمكن تشبيهه بذيل صغير . ويرى جاك هورنر أن تقنية كبح عمل الجين تتمثل في حقن الجنين بمزيج من البروتينات خلال المراحل الأولى من تطوره دخل البيضة والعمل على تحديد الجين المعني في هذا الأمر، لاسيما تلك الجينات القاطعة التي تشكل الحمض النووي عند الكتكوت لأنه حتى الآن لم يتم التعرف عليها لتحديد الجينات القاطعة أو الجين الذي يتحكم في نمو الذيل والآخر الذي يتحكم في نمو الأسنان، والأبحاث تسير الآن على قدم وساق وتتسارع بشكل مكثف ولن يمضي وقت طويل حتى يتوصل العلماء بقيادة جاك هورنر إلى تحقيق هذا الحلم بإنتاج الدجاج الديناصوري إلى درجة أن هورنر لا يتردد في تحديد فترة زمنية لن يتجاوز حسب رأيه الخمس سنوات .

ويؤكد هورنر أن صورة الحيوان الجديد معروفة فهيكله الخارجي سيشبه إلى حد كبير الصور ورنيتوليست وهو كائن اختفى قبل 27 مليون سنة وكان من آكلات اللحوم .

ماذا عن وحشية هذا الحيوان وهل يعني ذلك أن هورنر سيخرج المارد من القمقم؟ في هذا الصدد يقول هورنر بأنه لا يخشى نهاية كارثية على غرار فيلم جوراسيك بارك لأن الدجاج الديناصوري سيبقى من الناحية الجينية دجاجاً ولكن بهيئة ديناصور ولو أردنا تسميته لأطلقنا عليه الدجاج العملاق .