أنت سميتني يوسفاً.. وهم أوقعوني في الجب..
واتهموا الذئب.. والذئب أرحم من إخوتي *
لن أكذب وأدعي أنني تابعت أحداث غزة بشكل متواصل.. لن أبحث عن وصف لهذه الأحداث، فكل أبجديات اللغات، وكل مفردات الوصف لا تفي الأحداث شرحاً، ومهما استخدمت من أدوات مبالغة، لن تعبر عن تفاصيلها، وكل حرفية التصوير التي نقلت هذه الأحداث، لن تصل إلى نقل عمق الجرح الغائر بقلب غزة.
توقفت عن الكتابة للفترة الماضية حين خجلت من نفسي، بعد أن وجدتني أتضاءل حد الضياع مما يحدث، خفت، نعم ومن كل شيء، أولها من حروفي وآخرها من ظروفي، حروفي التي لم تسعفني بل فرّت من بين يدي، ومن عقلي، ومن قلبي وروحي، وظروفي التي ألبستها حججي الباطلة.
أنا من إخوة يوسف، وخائنة كخيانتهم له، أنا ككل عربي مسلم، أوقعت يوسف في الجب ووقفنا نتفرج، ونتأسف ونتحسر، وهم جاؤوا على قميصه بدم كذب.. لكنني لست كإخوة يوسف، أنا ادعيت أن قميصه ضاع مني، أو كما أتذكر ألقيته في الجب عاري الجسد.. مريضاً.. جائعاً.
أنا من إخوة يوسف، هم قالوا أكله الذئب يا أبتي.. وأنا قلت أكله الذئب يا ربي.. قال يعقوب: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ.
وربي قال: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً، أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً.
قال الله ليوسف: ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ، وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ، ومَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ، وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ، وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ، أفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ.
وقال: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً، خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لّا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً، يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا، وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا.
نحن إخوة يوسف يا رب.. نحن إخوة يوسف.. ونحن خذلناه.. وعدناه بالنصر ونقضنا الوعد والعهد.. واتبعنا سادتنا.
هذا ما أعطيت يوسف يا رب رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدنيا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ.
وهذا ما أعطيت يوسفنا: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ. لقد أعطيته القبلة الأولى، وأرض الإسراء والمعراج، وثالث المدن المعظمة، وأرض النبوات والبركات، وأرض الرباط والجهاد.. وبعد كل هذا قتلناه.
لقد نبهت يوسف يارب على لسان أبيه: قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ.
ويوسفنا لم ينبهه أحد من غدر إخوته وغدرنا، كان يوسفنا بريئاً ومستأمناً ما كان يدري أن ظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهنّد بل وأشد من الصواريخ الإسرائيلية.
أنا يوسفٌ يا أبي.. يا أبي إخوتي لا يحبُّونني.. لا يريدونني بينهم يا أبي.. يَعتدُون عليَّ ويرمُونني بالحصى والكلامِ.. يرِيدونني أَن أَموت لكي يمدحُوني.. وهم أَوصدُوا باب بيتك دوني.. وهم طردوني من الحقلِ.. هم سمَّمُوا عنبي يا أبي.. وهم حطَّمُوا لُعبي يا أبي.. أنتَ سمَّيتني يُوسُفاً، وهُمُو أَوقعُونيَ في الجُبِّ، واتَّهموا الذِّئب.. والذِّئبُ أَرحمُ من إخوتي.
يوسفنا طفل ولا يزال طفلاً، ولم ير فيه عمر حلم أو رؤيا.. ولم ولن يكبر.. ولن يؤتيه أحد ملك العزيز.. يوسفنا هناك لايزال في الجب ولم يمر عليه السيارة بل مررنا نحن وملأنا الجب حجارة قبل أن يعي ثروته فيها.. يوسفنا في الجب.. يوسفنا في الجب.. والذئب أرحم من إخوته.
* أنا يوسف يا أبي لمحمود درويش