الذهب، هذا المعدن الثمين لم يفقد قيمته ومكانته على امتداد التاريخ البشري المعروف فالناس يسعون في طلبه ويفرحون بامتلاكه الآن مثلما فعلوا قبل آلاف السنين. عرفت البشرية هذا المعدن قبل أن يعرفوا أي معدن آخر وكان معيار القيمة لكل شيء يتبادله الأحبة والأزواج في المناسبات السعيدة وتحرص على اقتنائه النساء للزينة ومواجهة مستقبل مجهول قد يكون الذهب هو الحل الأخير لمواجهة عثراته.

يحظى الذهب بأهمية خاصة في المجتمعات العربية باعتباره مظهرا للثراء وعراقة الأصل فتفنن الصناع المهرة في ابتكار الزخارف والقوالب والأشكال لتقديم الجديد دائما، وسوريا واحدة من الدول التي تميزت بصناعة الذهب والمجوهرات منذ 5000 عام.

عن تطور صناعة الذهب بين القديم والحاضر في سوريا كان ل الخليج لقاء مع أنيس الشيخ الذي يعمل بالصياغة منذ 40 عاما وحدثنا عن هذه المهنة قائلا: بدأت العمل بهذه المهنة منذ عام 1967 ومازلت حتى الآن وقد اختلف العمل بهذه المهنة بين القديم والحديث حيث كانت الأدوات كلها بدائية وغير متوفرة عند الجميع فمثلا لم يكن دولاب السحب موجوداً عندنا مما كان يضطرنا للذهاب إلى السوق ونقصد شخصاً يسمى الدولبجي لسحب الشريط يدويا وأيضا القوالب التي يصنع منها الذهب كانت تصب على النحاس والرصاص ويتم ذلك بعد تقطيعها، وكذلك المكابس لم تكن موجودة وكان يتم لحام القطع باستخدام بابور ضغط إضافة لوجود الشليمون الذي يعمل على البنزين، ولكن بعد 1970 بدأت تدخل على هذه المهنة تطورات مهنية متعددة كدخول الآلات التي سهلت العمل ووفرت الوقت فأصبح هناك آلات خاصة لصناعة السلاسل والصب بالشمع إضافة لوجود أشخاص متخصصين يقومون بصناعة القوالب الطورنجي.

وعن مراحل صناعة الذهب قال أنيس الشيخ: هناك الصناعة اليدوية قديما وصناعة الشمع حديثا.

أما عن الصناعة اليدوية فقد كنا نأتي بالذهب نصهره ونعيره بالعيار الصحيح له ثم يؤخذ للنقابة لمعرفة العيار 18 أو 21 ثم نصبه ونسحبه ليأخذ شكل السبيكة حسب الموديل مثلا نبدأ بعمل الأساور اليدوية فقديما كانت تدق على السنديان أما الآن فتطورت هذه العملية وأصبح هناك آلات تصنع الأساور سواء كانت عادية أو مزخرفة بعدها نقوم بأخذ القياسات الخاصة بالقطعة سواء خاتم اسوارة أو أي قطعة يراد صنعها وبعدها تعطى للشخص الذي سيقوم بتنفيذها حسب الموديل المطلوب حيث يقوم بتحضيرها ولحمها وإذا كانت تحتاج لتركيب الأحجار يقوم الشخص المتخصص المركباتي بتركيب الأحجار وبطريقة فنية ومتميزة،بعد ذلك نقوم بغلي وتنظيف القطعة برينتاج وقديما كانت القطع تنظف بواسطة الخيط أما الآن تنظف بآلات حديثة اللاشات تستعمل لذلك مواد تنظيف خاصة.

بعد تجهيز القطعة تختم بخاتم المصنع وبعدها تؤخذ لنقابة الصياغة وتحلل ويتم التأكد من صحة العيار للقطعة وبعدها تختم بخاتم النقابة وتصبح بذلك أكثر ضمانة للمصنع وهكذا تصبح القطعة جاهزة وتسلم لأصحابها.

ويضيف أنس الشيخ قائلاً: لن يفوتنا الحديث عن وجود عدة أدوات كانت تستخدم في التصنيع اليدوي كالمنشار، والمقصاة والمبرد وكلها تستخدم لتشكيل القطعة حسب طلب الزبون والشيء المهم انه لا يمكن أن ينسخ عن هذه القطعة حيث إنها تصنع حسب رغبة الزبون أما حديثا فالآلات تصنع حسب الأعداد المطلوبة وبنموذج واحد. أما تصنيع الذهب الحديث فهو الصب بالشمع وبه نأتي بالسبيكة ويتم صنع ما يسمى القطعة الأساسية أو الاسطمبة وهي تصنع من الفضة أو الذهب أو الشمع وبعد مرورها بجميع المراحل اليدوية يتم ترحيلها إلى قسم الشمع ويجب الانتباه إلى الاسطمبة حيث يجب أن تكون دائما على قدر عال من النظافة والدقة لأنه سيتم نسخ عدة قطع منها فيما بعد وقبل تركيب الأحجار. وبعد ذلك يتم وضع القطعة في مكبس الكاوتش ويتم ضغطها حراريا وتطبع الرسوم الموجودة على الكاوتش وتستغرق هذه العملية حوالي الساعتين، و بعدها تذهب القطعة لآلة الشمع وهي آلة بها كمية من الشمع تعمل حراريا بالكهرباء ويتم من خلالها تحويل الرسومات إلى شمع ثم نقوم بتنظيف الشمع بشكل دقيق ثم يتم عمل ما يسمى بشجرة الشمع ويتم تنظيف هذه الشجرة وإزالة الغبار من فوقها لأن وجود أي شيء عليها يؤثر في عيار الذهب ويقلل منه وتكون مرحلة وضع شجرة الشمع في قالب الجص بتثبيت الشجرة في قالب الجص بصبه بعد خلطه بنسب معينة من الماء والجص في القالب وبعد ذلك يتم إرسال القالب إلى مرحلة تفريغ الهواء بواسطة آلة خاصة كي لا تحدث فجوات في القطعة الذهبية فيما بعد ويترك القالب لفترة من الزمن حتى يجف الجص أما المرحلة التالية فهي مرحلة الأفران وتعد من أدق المراحل وأخطرها في عملية تصنيع الذهب حيث يقوم الفرن الأول بتسييح الشمع وحيث يترك فراغ داخل الجض الذي يأخذ شكل رسم الشجرة ويذهب القالب بعد ذلك إلى فرن الاحتراق الذي تبلغ درجة حرارته750 درجة مئوية أو أكثر حيث يتم تجفيف القالب بعد ذلك ليتحول إلى قطعة نارية داخل الفرن من جميع الجهات وبعد فترة من 4 إلى 6 ساعات داخل الفرن الحراري نقوم بسرعة بنقل القالب من فرن الحرارة إلى آلة الشفط بشكل سريع ودقيق وبعد ذلك نسكب الذهب السائل في أقل من دقيقة ليبرد القالب أو الذهب ثم نقوم بالشفط السريع للهواء لضمان سرعة صب الذهب ويتخلل كل الفراغات في القالب ويتم بعد ذلك تنظيف القالب من الجص بطريقة معينة وتستخرج الشجرة منه ثم يتم تقطيع الشجرة وتفكيكها بشكل فني، بعدها تذهب القطع لقسم البرد لإزالة الزوائد منها ثم نبدأ بتنظيف القطع بشكل فني وقبل وبعد التقطيع يتم تنظيف القطع بأحماض خاصة لإزالة الشوائب العالقة عليها من الجص وغيره وتأتي بعد ذلك مرحلة تجميع القطع وتركيب الأحجار عليها بواسطة آلات خاصة ومن ثم يتم إعطاؤها الشكل واللون النهائي.