تعد واحة الذيد من أهم حلقات الوصل بين إمارات الدولة، وكانت تقصدها القوافل في الماضي القريب، كنقطة عبور في تجارتها، مستفيدة من موقعها وتوفر المياه فيها من خلال شريعة الذيد المعروفة ب فلج الذيد، الذي يشتهر باندفاع المياه من باطن الأرض، ما جعلها توفر في محيط الفلج مزارع جميلة لأنواع عدة من الأشجار، وهو ما تميزت به واحة الذيد على مرّ التاريخ .

واحة الذيد التي تحولت الآن إلى منطقة سكنية، وفقدت الكثير من معالم الواحة التي كانت تتصف بها في الماضي، قبل غزو الثورة العمرانية .

يصف علي مصبح الطنيجي، مدير بلدية الذيد، جغرافيتها، بالموقع الاستراتيجي في وسط الإمارات، باعتبارها تعد منخفضاً واسعاً تنتشر فيه البساتين والمزارع بوصفها واحدة من أبرز المراكز الزراعية في الإمارات، وكانت المحطة الرئيسية في الماضي لالتقاء القوافل العابرة إلى الإمارات، حيث إنها تقع في شبه جزيرة شكلتها الأودية المنحدرة من جبال حجر، لذا فتعتبر من أقدم مواطن الاستقرار في الإمارات .

ويضيف: كانت واحة الذيد منذ عهود بعيدة ملتقىً هاماً لطرق القوافل القادمة من دبي، والخان، والشارقة، والحيرة، والحمرية، وعجمان، وغيرها من المناطق، وكانت القوافل تتزود منها بما تحتاجه من مؤن، لذا فاعتبرت الجماميل مهنة فرضتها ظروف ذلك الزمان، وهي قوافل الإبل التي يسوقها مجموعة من الرجال، والتي رسمت حلقة اتصال بين الذيد والعالم الخارجي، بالإضافة للتجارة من الذيد إلى الساحل الغربي .

أما عن الزراعات التي اشتهرت بها الواحة، فهي أشجار النخيل والفاكهة، التي شكلت حدائق ومزارع حول شريعة الذيد والفلج، الذي مازال ولو بنسبة أقل يحمل الماء في رحلة طويلة، تبدأ عند أقدام الجبال الشرقية، وتنتهي بعد مرورها في وسط قلعة القواسم، مشكلة شبكة ري كبيرة تروي الآلاف من أشجار النخيل في الواحة، وقد تميز الفلج بوفرة المياه التي كان ينعش بها مزارع النخيل، الذي تغنى بجماله الشعراء وذكروه في الكثير من قصائدهم، إلا أن هناك أفلاج اندثرت، بالإضافة إلى أن الواحة تشتهر بمعلم آخر من معالمها، هو قلعتها الكبيرة، إضافة إلى أن الواحة كانت تعد بيئة رعوية غنية للجمال والأغنام، وملجأ لكثير من الطيور والحيوانات، بالإستفادة من مناخها الحار والجاف نسبياً، حيث ترتفع الحرارة لتصل إلى 45 درجة مئوية صيفاً، بينما تميل للاعتدال في فصل الربيع والخريف، وسقوط الأمطار في فصل الشتاء .

ويتابع: كانت البيوت سابقاً مبنية من العريش، وهو البيت الصيفي الذي يبنى من سعف النخيل، فالهواء المعتدل الحرارة والطقس الجاف والمساحات الخضراء التي وصفت بها المنطقة زينت المكان وجعلته يزداد جمالاً وكثافة كلما اقتربنا من فلج الشريعة، إلى درجة أنه أصبح مصيفاً للقادمين من جميع المناطق .

ووصف الواحة بعض الرحالة والمستشرقين، الذين زاروا المنطقة في القرن السابع عشر وما بعده، بأنها تحوي العديد من المعالم الأثرية، التي طالتها يد الإنسان بالعبث بها لاحقاً، حيث شهدت الواحة خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي تطوراً عمرانياً، أمكن بموجبه القضاء على الغطاء النباتي للمنطقة، بقطع أشجار السمر والغاف وبيعها .

محمد عبدالله البديوي (80 عاماً)، صاحب مزرعة في واحة الشريعة ضمن الذيد، يقول: إنه كان قبل 50 سنة ما يزيد على 500 مزرعة، تنعشها المياه الباطنية المندفعة من الفلجان، لدرجة أن مياه الأفلاج كانت تدفع بقوة ما يعرقل طريقها، وخاصة في فصل الشتاء، لدرجة أنه كان يشكل خطراً على من كان يرغب في النزول لماء الفلج .

ويضيف: لذا فكان البدو يهجرون مناطقهم، متوجهين لواحة الشريعة، كي يسكنون بالقرب منها في فصل الصيف، تقرباً من الماء الذي توفره الأفلاج بكميات تسد حاجة السكان والوافدين إليها أيضاً في فصل الصيف، وأيضاً من أجل التمور المتوافرة في واحة الذيد عامة، حيث كانت تشكل دافعاً كبيراً لجذب الناس إليها في موسم ثمارها، لذا كانت الواحة تشكل عامل استقطاب قوي للجوء إليها في فصل الصيف .

ويتابع: للأسف لم يبق منها الآن، سوى 180 مزرعة تقريباً، الأمر الذي جعلنا الآن نجد الواحة قد فقدت الكثير من مزاياها التي كانت تنفرد بها مقارنة بطبيعتها الخلابة وخيراتها في الماضي، فتكاد تلك المزايا تنحصر الآن في منطقة الشريعة فقط، في نقطة صغيرة من واحة الذيد، حيث منطقة الذيد عامة أصبحت الآن منطقة سكن، مع احتفاظها بشيء من معالمها السابقة .

سعيد الشمام (70 عاماً)، عمل شطراً من شبابه في إحدى مزارع واحة الذيد، ما جعله أن يكون أقرب من أي شخص آخر في تفهم طبيعة المنطقة زراعياً، ويقول عن أنواع التمور التي تجود بها الذيد: هناك ثلاثة أنواع للتمور، تعد من أكثر أنواع التمور شهرة وانتشاراً في واحة الواحة، وهي: تمور النغال، وميزتها الفريدة، مقارنة بأنواع التمور الأخرى، أنها تثمر باكراً، ففي نهاية شهر يونيو/حزيران، تعطي ثمارها، حيث ينتظرها الناس بفارغ الصبر، بوصفها بداية موسم التمور بعد انتظار طويل، والنوع الثاني من التمور التي تشتهر بها المنطقة، هي الخنيزي، واللولو، والأخيرتان تؤكلان رطباً، وتخزنان تمراً .

وعن العادات التي كانت قائمة في المنطقة والتي مازال السكان يتميزون بها، التي يصفها لنا، علي سلطان عبدالله المسافري (78 عاماً)، من مواليد الذيد في منطقة جبل عمر: من عادات أهل المنطقة أن يلتقي الرجال في المجلس صباحاً وبعد الانتهاء من العمل، وكان يتم استقبال الخطار الضيوف الذين يقدمون من أماكن بعيدة بحفاوة وترحاب، ويسألون عن أحوالهم وأهلهم وذويهم ورحلتهم، وأثناء تبادل الحديث والترحاب بين الخطار والمضيف تقدم القهوة الفوالة، وتذبح أكثر من ذبيحة، بحسب عدد الضيوف ومكانتهم الاجتماعية .

ويضيف: كانت المرأة تقوم بتربية الأبناء، وتعد الطعام، وتروي بالدلو والرشا، للحصول على الماء فتحمله على رأسها، وترعي الأغنام، وتساعد زوجها، وتشد من أزره وتعينه في السراء والضراء .

كما يصف الشيخ سالم بن علي بن عبدالله بن هويدن (57 عاماً،) مياه الواحة، بأنها كانت تروي أهل المنطقة، وأنعشت الأرض، وازدهرت بها الحياة سابقاً، وتميزت المنطقة بالعديد من الأماكن التي توفرت فيها المياه، منها، المهاة، والوديمة، وطش الروايح، وهي البئر التي تقع في وادي الذيد، ويطلق عليها هذا الاسم لشدة عذوبة مائه .

باعتبارها واحة مرتبطة بالتراث القديم للمنطقة، وتغنى بها الشعراء، ويقول سالم سعيد عبيد الطنيجي (موظف في الذيد): تعتبر مدينة الذيد من المدن الهامة في إمارة الشارقة، لأنها تعتبر واحة تمتاز بأراضيها الخصبة ومزارعها العديدة، وتضم مجموعة من الحصون القديمة، وفرت لساكنيها حياة بسيطة وبدائية، حيث كانوا يقطنون بيوت العريش، ثم تطورت إلى بيوت من الطين، وأخذت في التطور إلى أن وصلت إلى البيوت الاسمنتية الآن .

ويضيف: اعتباراً أن فلج الذيد الشريعة، الذي كان يشكل في ما مضى مركزاً يجمع القوافل العابرة للإمارات، ونقطة الالتقاء، ومكاناً للتزود بالماء، والغذاء، والراحة، لمواصلة رحلة طويلة ضمن قوافل شتى تتوزع على مختلف مناطق الإمارات، بقيت واحة الذيد إلى الآن مقصداً لكل من عشق الماضي بكل ذكرياته، وفلج الذيد الذي يزود الواحة بالماء يتكون من أربعة روافد وأفلاج جانبية، تشكل في النهاية رافداً رئيسياً، وهي فلج الحرملي، وفلج الثمامي، وفلج البردي، وفلج مليحة، حيث أن معظمها ينطلق من أحواض جوفية من الجبال الجنوبية الشرقية التي تطل على مدينة الذيد وتبعد عنها مسافة 20 كيلومتراً شرقاً .

يذكر لنا راشد بن حمود الطنيجي (73 عاماً)، طبيعة علاقات الناس بالماضي وما آلت إليه الآن، حيث يصف تلك العلاقات في الماضي، بأنها كانت تمتاز بالتعاون التام بين أفراد المجتمع والتكاتف، والكل كان يسعى إلى خدمة أهله وأقربائه وجيرانه، ويؤكد تكاتفهم جميعاً، حيث لم تكن وظائف تشغلهم، وأعمالهم كانت مختلفة من يوم لآخر، من رعي الأغنام والإبل والعمل الزراعي .

ويصف لنا هذا التعاون أثناء سقوط الأمطار الغزيرة في السابق، والأضرار التي كانت تحدث نتيجة لسقوط لتلك الأمطار، من سقوط أشجار النخيل الطويلة العوانه، حيث كان يجتمع الأهالي، من أصحاب النخيل في الواحة، لمساعدة زملائهم في رفع أشجار النخيل التي سقطت الوجبه، وهي مساعدة النخلة في الوقوف، وإن هذا التكاتف كان يدل على حاجتهم لبعضهم بعضاً، وارتباطهم بالنخلة إلى آخر لحظة ومحاولة إنقاذها .

ويذكر لنا أيضاً فيضان عام ،1963 وسميت تلك السنة ب سنة الشلي، والتي حدثت فجر يوم عرفة، واستمر حتى صباح العيد، وتبدلت إلى الأمطار المتوسطة الدائمة الخومة واستمرت لمدة أسبوع، ويروي لنا أن ما تم إيقاف سقوط ما يعادل 100 نخلة مثمرة بالخلال الأخضر، وهو الرطب، قبل موعد نضوجه وترك النخيل الباقي الطويل ليلقى حتفه، والاحتفاظ بالنخيل المتوسطة ومحاولة إنقاذها .

ويؤكد لنا أن هذه الأمطار كانت تغذي فلج الذيد الشريعة، الذي يعاني الآن من جفاف مياه الفلج، نتيجة شح الأمطار، ما أثر على مزارع النخيل التراثية، وهي أصل تسمية الذيد .

مصبح بن جاسم الطنيجي (81 عاماً)، يرى أن شجرة النخيل التي تتميز بها واحة الذيد، نعمة من الله للإنسان، حيث يتم استغلالها في جميع الحرف والأعمال، كالمجبه، والصرود، والضميده، والمخرافه، والجفير، والمشب، وغيرها . واستخدامها أيضاً في بناء البيوت، كالعريش، والخيمة، والمسطاح، لتجفيف التمور .

ويؤكد أن البيوت المبنية من سعف النخيل، تمر بمراحل، أهمها الخوص، أي السعف المقطوع من النخلة اليابسة، بحيث لا يؤثر في النخلة، ويمنع قطع الخوص الأخضر، ويتم تشبيه من يقوم بقطعها، كالذي يقلع أظافره من الإصبع، فيتألم لذلك، ويفسر ذلك بأن قطع الخوص الأخضر يؤثر في قوتها، وتبدأ بالانحلال والاصفرار، ومن ثم تأتي مرحلة التوييز وهو قص الخوص، وترتيبه ورشه بالماء تودينه، ومن ثم تأتي مرحلة الزفانه للدعن، وهي خطوط خياطة للسعف ولكل خط زفين شخص، حيث يبدأ الجميع من نقطة البداية والانتهاء بنقطة النهاية في وقت واحد، ويختلف طول الدعن بعدد الخوص فيه، حيث يصل إلى 100خوصه يريده أو أكثر، وكذلك العرض، ويحسب بعدد المزافن، وهي خطوط الخياطة، ويصل إلى 8 مزافن .

حيث يرى أن التعاون في بناء العريش متواجد دائماً بين أفراد الجماعة، والمساعدة في بنائه أو أثناء سقوطه، بسبب الرياح والأمطار وما تسمى بالفرعة، فالشخص الذي لا يملك النخل يستطيع أن يشتري الدعن جاهزاً ويبنيه لأهله بمساعدة جيرانه .

وفي ما يخص الفلج الشريعة، فهو ارتباط اجتماعي للسكان حيث يتوافد إليه الجميع للاستحمام والشرب والزراعة، فهو عصب الحياة بالنسبة لهم، وأن جميع أصحاب المزارع يتعاونون في تنظيف الفلج من الأتربة والردم والمحافظة عليه أو صيانته على نفقة حاكم الشارقة .

سعيد علي المدحاني، موظف في بلدية الذيد، يقول: وجدت نفسي مقبلاً على الحياة في واحة جميلة، يعيش فيها الناس في خير ورخاء، تتميز بطبيعة خلابة تميزها عن مختلف المناطق، وتحيطها أنواع أشجار عدة .

ويضيف: بسبب قلة أو شح الأمطار في السنوات الأخيرة، قلّ منسوب المياه الجوفية الذي كانت الأفلاج تدفعها من باطن الأرض لسقاية الأشجار والمزروعات، وهذا ما جعلها تفقد شيئاً من رونقها الذي اعتدنا عليه منذ الصغر، حيث كانت توصف واحة الذيد عامة بخضارها، ما كان يضفي عليها طابعاً خاصاً بها .