لا أعتقد أن ضرباً من ضروب الشعر يمكن له أن يمس القلب ويصيب الروح في صميمها كما هو حال الرثاء، ذلك أن هذا الفن لا ينهض على قائمة التصاميم الذهنية الباردة ولا على الحذلقات اللفظية المجردة بقدر ما يتصل بالنيران المتأتية عن الفقدان والمكابدة الناجمة عن لوعة الفراق، بل لعل الشعر في عمقه هو السلاح الأكثر مضاء، على هشاشته، الذي ندرأ بواسطته خسائرنا المتلاحقة ونرتق من خلاله ما تهرأ من قلوبنا المثلومة بطعنة الموت . ولا أعني بالرثاء هنا تلك المنظومات الإنشائية السريعة التي يدبجها بعض شحيحي الموهبة على عجل من أمرهم، أو قصائد التأبين المكررة التي يرتجلها شعراء مختصون في صفحات الوفيات، بل ذلك النوع العميق والعاصف من الرثاء الوجودي الذي ينازل الموت في عقر داره ويقيم فتنته الخالصة ولو فوق بحيرة من الدموع . ولعل في البعد المعجمي للكلمة ما يحيل إلى دور هذا الفن في بلسمة الجراح ومساعدة المصابين بالفقد على اجتياز محنتهم المؤرقة .

في اللهجات المحكية يرثي الخياط الثوب أي يرتقه ويرفوه . والشاعر حين يرثي عزيزاً رحل يبدو كأنه يصله ثانية بالحياة أو يستعيده في الذاكرة بقدر ما يواسي نفوس ذويه ويساعدها على الالتئام . وليس بالضرورة أن يكون الرثاء مقتصراً على البشر وحدهم، إذ ثمة من رثى ممالك ضائعة كما فعل البحتري والشعراء الذين وقفوا على طلل الأندلس، وثمة من رثى مدناً مخربة كما فعل ابن الرومي في رثاء البصرة، وأوطاناً تمزق شملها أو وقعت في قبضة الاحتلال كما فعل الكثيرون من شعراء المقاومة في القرن الماضي . ومنذ رثاء قلقامش لأنكيدو وعشتروت لأدونيس وحتى مراثي دوينو لرلكه الألماني وبابلو نيرودا لمدريد الممزقة بنصال حربها الأهلية الضارية، ظل الشعر يتغذى من نسخ تلك اللوعة الحرى للقلوب المدماة من هول الكوارث .

سيكون من الصعوبة بمكان أن نجد متسعاً للكثير من الشواهد الشعرية التي عقدت مع الخلود حلفاً لا تنفصم عراه، إذ ثمة من الملاحم والقصائد والمقطوعات الرثائية ما يجعل القراء حائرين بين الغوص إلى قاع الألم وبين الانتشاء بجمال التعبير وفتنة اللقى المجازية الثمينة . وقد تكون قصيدة الشاعر الإنجليزي و .ه . أودن في رثاء صديق حميم له التي وضع لها عنوان لحن جنائزي حزين هي إحدى أكثر قصائد الرثاء فرادة وصدقاً وقدرة على تأجيج المشاعر الإنسانية، فالقصيدة التي تمت الاستعانة بها في نهاية الفيلم السينمائي الشهير أربع زيجات وعزاء دفعت الكثيرين إلى الإجهاش بالبكاء حتى ولو لم تربطهم بالشخص المرثي صلة قربى، لكن كلاً منهم تقمص حزن الشاعر على صديقه أو استعاد من خلال قلبه المثلوم وكلماته النازفة صور من افتقدهم من الأحبة الراحلين . ولأن القصيدة بالغة الروعة وأجمل من أن يتم اجتزاؤها فقد آثرت أن أضع نصها الكامل في عهدة القراء من دون أي تعديل:

أوقفوا الساعات كلها واقطعوا خطوط الهاتف

امنعوا الكلب من العواء واللهاث خلف العظام

صمت مطبق،

بيانو يعزف وصوت كظيم

يتسرَّب من طبلة

أحضروا التابوت إلى هنا

وأقيموا الحداد

دعوا الطائرات تحوم فوق رؤوسنا وتنوح

مغبشة صفحة السماء برسالة:

لقد مات

وعلى أعناق الحمام الأبيض اربطوا شارة الحداد

دعوا رجل المرور يلبس قفازات

من القطن الأسود

لقد كان شمالي وجنوبي

كان شرقي وغربي

كان ليلي ومنتصف ليلي

حديثي وأغنيتي

لطالما ظننت أن الحب يبقى إلى الأبد

وكنت مخطئاً

النجوم لم تعد مرغوبة الآن

فرِّقوا كلَّ واحدة عن الأخرى

احبسوا القمر وشرِّدوا الشمس

اسكبوا المحيط بعيداً من هنا

واكنسوا الأرض

فبعد اليوم لا شيء مطلقاً

يمكن أن يأتي بأي خير .