الرجعة في اللغة العربية من الفعل رجع يرجع رجوعاً، والرجعة هي المرة من الرجوع في الشيء أو عن الشيء أو إلى الشيء، وفي الاصطلاح الفقهي حملت كلمة الرجعة مفهوم الاستدامة كما هو عند الحنفية، وحملت مفهوم العود والإعادة، كما هو عند المالكية والحنابلة، ويمكن أن تكون الرجعة بمعنى الرد كما هي عند الشافعية والإمامية.

لكن لو لاحظنا تعريف الفقيه ابن عابدين الحنفي للرجعة، بأنها استدامة الملك القائم بلا عوض ما دامت المرأة في العدة، وقارنا بينه وبين تعريف الدردير المالكي بأنها عود الزوجة المطلقة للعصمة من غير تجديد عقد، لوجدنا أن تعريف الأحناف أدق، لأنه كما يقول الدكتور حامد عبده الفقي في كتابه أحكام الرجعة في الفقه الإسلامي. يتفق مع الواقع.

لأننا نتفق على أن الزواج لا يزول بالطلاق الرجعي، بل يبقى معلقاً، بدليل أن الزوجة تبقى في بيت الزوجية وتتزين أمام زوجها الذي طلقها طلاقاً واحداً أو طلقتين، وهي تنتظر بذلك التزين عودة الزوج إليها كما كان.

هذا الواقع يفهم منه استمرارية الزواج، والدليل الأقوى أنه لو أراد أن يعود إليها، لما احتاج إلى عقد ومهر جديدين طالما أنها ما زالت في فترة العدة.

على كل حال فإن الرجعة سواء كانت استدامة لملك قائم أو عود الزوجة للعصمة أو ارتجاعاً للمطلقة الرجعية كما قال الإباضية، فإنها حق للزوج على زوجته في العدة، وحق لهما بعد الانتهاء من العدة، لقول الله تعالى: وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً (الآية 228 من سورة البقرة).

وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصة بنت عمر تطليقة، فأتاها خالاها قدامة وعثمان بن مظعون فبكت وقالت: أما والله ما طلقني عن شبع، فجاء النبي فدخل عليها فتجلببت، فقال: إن جبريل أتاني فقال لي: راجع حفصة فإنها صوامة قوامة وانها زوجتك في الجنة. (رواه ابن ماجه وأبو داود والنسائي والحاكم).

والرجعة تصح من زوج كامل الأهلية طلق زوجته المدخول بها، وطلقها دون الثلاث، وراجعها في العدة، وهي باقية على إسلامها، وكانت واحدة معينة بذاتها لا أن يقول إحدى زوجاتي.

والرجعة بما أنها تكون بالقول والفعل، فإن الرجعة القولية لا بد أن تكون منجزة تقع حالاً، ولا تصح إذا كانت معلقة بشرط أو مضافة إلى المستقبل، والمنجزة إذا كانت صريحة مثل راجعتك ورددتك وأمسكتك، فإنها صريحة في الرجعة ولا تحتاج إلى النية، وأما قوله: أنت عندي كما كنت أو انت امرأتي أو أدمت المعيشة بيننا مثلاً، فإنها تعد رجعة بالكناية، لذلك قالوا: لا بد من النية.

والرجعة متى وقعت بصيغها المعروفة فإنه لا تأثير للهزل والإكراه والخطأ فيها، لأن الحديث يقول: ثلاث جدهن جد وهزلهن جد، ومنها الرجعة، إلا أن المالكية قالوا بأن الرجعة قولاً كانت أم فعلاً، لا تقع مع الهزل لأن النية غير متوافرة.

والرجعة بالفعل لا تصح عند بعض الفقهاء، لأن الرجعة لا بد أن تكون قولية أولاً، ودليلهم قول الله تعالى فأمسكوهن بمعروف (الآية 2 من سورة الطلاق)، وفي الحديث: فليراجعها ثم ليمسكها، وهذا الترتيب يعني أن الرجعة بالقول أولاً.

والرأي الآخر يقول بثبوت الرجعة بالفعل لقول الله تعالى: وبعولتهن أحق بردهن (الآية 228 من سورة البقرة).

أقول: وربما هذا الرأي أقوى لأن الزوجية لم تنقطع، لذلك فاللمس والتقبيل والوطء استمرارية لما هو كائن أصلاً، والعرف يؤيده، لكن رأي أكثرية الفقهاء أن الرجعة الفعلية لا تحتاج إلى نية، كما أن اعلامها بالرجعة ليس شرطاً من صحة الرجعة، والإشهاد عليها ليس بواجب.

والمالكية والأحناف اشترطوا تبييت النية لصحة الرجعة، والزيدية والظاهرية قالوا: لا بد من إعلامها بالرجعة، والشافعية والحنابلة في قول قالوا بوجوب الإشهاد على الرجعة. ومن هنا فإن قانون الأحوال الشخصية في دولة الإمارات في المادة 109 نص على أن الرجعة تقع باللفظ أو بالكتابة، وعند العجز عنهما فبالإشارة المفهومة، كما تقع بالفعل مع النية، وتوثق الرجعة ويجب إعلام الزوجة بها خلال فترة العدة.

أقول: هذه المادة لا شك أنها مرنة في القانون، لكن قد يساء تطبيقها، فينال المطلق من مطلقته بالرجعة الفعلية ما ينال، ثم ينكر الرجعة عبثاً بحكم أنه لم يكن ناوياً الرجعة._

moc.enilnoferA.www