لا يمكن صناعة مجتمع آمن ومتماسك إلا من خلال إشاعة الحب والثقة وخلق الرحمة بين الناس . . وهذا ما تؤكده حقائق التاريخ وتجارب الأمم على مر العصور . . فالشعوب التي انتشرت بينها رذيلة القسوة دفعت ثمنا باهظا لذلك وتحولت حياتها إلى جحيم، والشعوب التي شاعت الرحمة في قلوب أبنائها عاشت حياة طيبة يعطف الغني فيها على الكبير ويرحم الكبير فيها الصغير ويوقر الصغير فيها الكبير، واستطاعت هذه الشعوب المتماسكة المتضامنة أن تواجه كل تحديات الحياة بفضل التمسك بقيم وأخلاقيات الإسلام .
المفكر الإسلامي المصري د .محمود حمدي زقزوق يؤكد أن الإسلام بقيمه وتعاليمه وأخلاقياته جاء من أجل خير الإنسان وسعادته في دنياه وأخراه، وأرشد الناس إلى ضرورة أن يتحمل كل فرد مسؤوليته في العمل من أجل خير الناس كل الناس وارتبطت هذه الدعوة بالعديد من الضمانات التي من شأنها أن توفر الأمن للإنسان كي يتفرغ للنهوض بمسؤولياته في هذه الحياة، وترسيخا لهذه القيمة العظيمة في النفوس والعقول جاءت تعاليم الإسلام مشتملة على كل ما من شأنه أن ينهض بالبشرية ويوفر لها الأمن والاستقرار والسلام، وأول ما حثت عليه شريعة الإسلام الحرص على خلق الرحمة حيث يخبرنا القرآن الكريم بأن الهدف الأساسي من الرسالة المحمدية هو ترسيخ قيمة الرحمة في النفوس، وجعلها سلوكاً حياتياً للناس جميعاً . وفي هذا المعنى يقول القرآن الكريم موجها الخطاب إلى النبي عليه الصلاة والسلام: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين .
وقد جاء مفهوم الرحمة ومشتقاته في القرآن الكريم مئات المرات . وكلنا يعلم أن سور القرآن الكريم تبدأ بالبسملة التي تشتمل على التذكير بالله الرحمن الرحيم وقد امتدح الله نبيه محمدا بقوله: فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك .
الراحمون يرحمهم الرحمن
وفي الأحاديث النبوية الكثيرة حث للمسلمين على التعامل مع الآخرين بالرحمة . فنحن مأمورون بأن نتخلق بأخلاق الله، والله رحيم بعباده، فعلينا أن نكون رحماء في ما بيننا . ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: الراحمون يرحمهم الرحمن ويقول أيضاً: من لا يرحم لا يرحم ويقول أيضاً: ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، وهذا قليل من كثير مما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية في شأن الرحمة .
وإذا كان الإسلام يحض على الرحمة ويحث المسلمين على أن تكون أساسا للتعامل في ما بينهم فإنه يوسع من دائرة الرحمة ليجعلها شاملة لكل الكائنات الحية التي هي مخلوقات لله مثل الإنسان . ومن هنا وجدنا النبي عليه الصلاة والسلام يقول في حديثه الشريف: بينما رجل بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئراً فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني فنزل البئر وملأ خفه ماء فسقي الكلب فشكر الله له فغفر له، قالوا يا رسول الله: وإن لنا في البهائم لأجرا؟ فقال: في كل ذات كبد رطبة أجر .
ويؤكد د .زقزوق أن قيمة الرحمة على رأس منظومة القيم الأخلاقية الكفيلة في حال الحرص عليها بصناعة حياة طيبة ويقول: القيم الأخلاقية متنوعة، والالتزام بها من شأنه أن يضبط السلوك الإنساني ويحقق الخير للجميع، وتأكيدا لذلك يصف النبي عليه الصلاة والسلام رسالته بأنها رسالة الكمال الأخلاقي حين يقول: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، والقرآن الكريم يمتدح النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: وإنك لعلى خلق عظيم.
أخلاقيات تنشر الحب
المفكر الإسلامي د .محمد عبدالغني شامة أستاذ الثقافة الإسلامية بجامعة الأزهر يتفق مع د .زقزوق في أن الإسلام جاء بالقيم والأخلاقيات التي تضمن للإنسان كل مقومات الحياة الكريمة وتشعره بالأمن النفسي والاجتماعي والاقتصادي . . ويقول: لا يمكن أن نعيش حياة سعيدة إلا إذا عاش الناس جميعا في ظل قيم وأخلاقيات تنشر الحب والرحمة وقيم التكافل الاجتماعي والإنساني بينهم ولا يمكن أن تبنى حضارة أو يقوم علم إلا إذا كان هناك أمن واستقرار . وإذا سادت الرحمة بين الناس، والتزموا بالقيم الأخلاقية وصيانة الكرامة البشرية أصبح المناخ مهيأً للبناء الحضاري الذي يقوم على العلم والعقل . والمجتمع الذي تسود فيه هذه القيم والمبادئ خاصة أخلاقيات الرحمة والتكافل الإنساني والاجتماعي والاقتصادي والتي يؤكدها الإسلام تأكيدا واضحا، لا يمكن أن يعتدي فيه إنسان على غيره، ومن هنا رفض الإسلام العدوان على الآخرين أيا كان شكل هذا العدوان أو التعصب .
ويدين د .شامة افتقاد كثير من المسلمين للأخلاقيات الرفيعة التي جاء بها الإسلام خاصة خلق الرحمة . . ويقول: للأسف . . نفتقد هذه القيمة العظيمة في كثير من تعاملاتنا اليومية . فالقسوة قد حلت محل الرحمة في كثير من علاقات الناس اليومية وتعاملاتهم الحياتية . والأمثلة على ذلك كثيرة: فهناك الأب الذي يقسو على أبنائه، والأولاد الذين يقسون على آبائهم ويتنكرون لكل ما قدموه لهم، والزوج الذي يقسو على زوجته، والزوجة التي تقسو على زوجها، والرئيس في العمل الذي يقسو على مرؤوسيه، والموظف الذي يقسو على المواطنين . ناهيك عن الإقدام على ظلم الأبرياء واغتصاب حقوقهم وإراقة دمائهم بلا ذنب ولا جريرة أو الإقدام على إزهاق الأرواح لأتفه الأسباب .
وصفحات الحوادث في الصحف اليومية تطالعنا بالكثير من حوادث القتل التي لا مبرر لها، أو التي تنجم عن أسباب تافهة أو متوهمة حتى في داخل الأسرة الواحدة . وقد شبه الله قلوب هؤلاء الذين قست قلوبهم ونزعت منها الرحمة بأنها كالحجارة أو أشد قسوة وهذه ظواهر غريبة على مجتمعاتنا المعروفة بالاعتدال . وإذا كان التعامل في محيط البشر على هذا النحو من القسوة فإن التعامل مع الحيوان ليس أسعد حظا . فالقسوة هي الغالبة حتى لدى البعض من الأطفال الذين يلهون ببعض الحيوانات أو الطيور بطريقة بشعة ولا يجدون من يردعهم عن ذلك . وكثيرون في القرى يتعاملون بشدة مع دوابهم التي تحمل لهم أمتعتهم ومحاصيلهم وأسمدتهم.
أرقى درجات السمو
إن السلوك الذي يخلو من الرحمة لا يليق بالإنسان الذي كرَّمه الله وجعله خليفة في الأرض ليعمرها بالخير وينشر فيها القيم الفاضلة وعلى رأسها قيمة الرحمة، التي إذا تمكنت من النفوس وترسخت في العقول فإنها تتحول تلقائياً ومن دون تكلف إلى أسلوب للتعامل مع كل الكائنات . وتمثل الرحمة أرقى درجات السمو الأخلاقي الإنساني، لأن هذا السلوك مرتبط في الوقت نفسه بالتسامح والحب لكل الكائنات . ولا يمكن لمن يتخلق بهذا الخلق أن يكون ظالماً أو متعصباً أو حقوداً أو متطرفاً في فكره أو سلوكه .
ومن هنا نفهم لماذا كان تركيز الإسلام على القيم الأخلاقية خاصة هذه القيمة بالذات أكثر من تركيزه على أي قيمة أخرى، لأنها المفهوم الجامع لكل قيم الحق والخير في هذا الوجود .ومن أجل ذلك أكد عليها النبي صلى الله عليه وسلم تأكيداً واضحاً في العديد من الأحاديث النبوية . ومن ذلك قوله: ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، وقوله: الراحمون يرحمهم الرحمن . كما أكد في الوقت نفسه على التمسك بهذا الخلق في التعامل مع الحيوان في قوله: اتقوا الله في هذه البهائم العجماوات . لأنها لا تستطيع أن تفصح عما في نفسها، أو تعبر عما تشعر به، فالحياة سواء كانت حياة إنسان أو حيوان لها حرمتها التي ينبغي الحفاظ عليها وصيانتها وإنقاذها من كل ما يمكن أن تتعرض له من مخاطر . وقد جعل الإسلام الاعتداء على نفس إنسانية واحدة بمنزلة اعتداء على الإنسانية كلها، كما جاء ذلك بوضوح تام في القرآن الكريم . والرحمة هي الخلق الذي يمثل سياجاً منيعاً لحماية الحياة في شتى صورها من مختلف الأخطار.