اهتم المربون منذ القدم بعملية التربية، لأنها تلعب دوراً مهماً في تحديد هوية المجتمع، وتوجيهه، وضبط سلوكه، ورسم غاياته، ولا شك ان لكل منهج تربوي أهدافاً يسعى لتحقيقها تختلف باختلاف توجهات القائمين عليه، ويختلف المربون في أهدافهم ولكنهم يتفقون جميعاً في ان هدفهم الرئيس من عملية التربية هو تحقيق صلاح الفرد والمجتمع.
ولما كان صلاح المجتمع في صلاح أفراده، فإن الله عز وجل لم يوكل لأحد منهم وضع أصول الهداية والإصلاح، بل تولى الله عز وجل ذلك من خلال إرسال الرسل بالبينات والهدى قال تعالى: ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة (النحل/36)، فعبادة الله عز وجل أصل كل خير يحصل للعبد في الدنيا والآخرة، لذلك كان غرس هذا الامر في نفوس العباد وجعله المحور الذي تدور حوله وتنطلق منه أفعالهم هو صلب دعوة الرسل صلوات الله تعالى وسلامه عليهم. وعلى رأسهم خاتمهم رسولنا محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، فقد شكل القرآن الكريم النظام الرباني الشامل الكامل الدائم المناسب لأحوال الناس على اختلاف مشاربهم المنزه عن الهوى والنقص الذي احتوى على أصول الهداية والرشاد للبشرية، وقام الرسول صلى الله عليه وسلم ببيان ما نزل عليه منه أحسن بيان وأتمه.
أرسل الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بمنهج متكامل شامل فيه الهداية والصلاح لجميع الناس وفي كل العصور قال الله تعالى: هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم (الجمعة /2-3).
وقد استخدم النبي صلى الله عليه وسلم في إبلاغ ما نزل اليه وبيانه أساليب متعددة مثل: الحوار المقنع الهادف، والقصة المؤثرة، وضرب الأمثلة التوضيحية المقربة للمعاني، والمواعظ البليغة، والترغيب والترهب، هذا بالاضافة الى التطبيق الأمثل لما في القرآن الكريم من تعاليم ليمثل بذلك الأسوة الحسنة لجميع المسلمين، وفي مواقفه التربوية نماذج عظيمة يجد فيها المربي ما لا يجده عند غيره من الشمول والدقة ومناسبتها لحال المتلقي مع بعدها عن القصور والشطط وحسبي هنا بعض النماذج المضيئة التي زخرت السنة بالكثير منها.
تقوى الله
روى الترمذي عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن فقوله صلى الله عليه وسلم اتق الله وصية جامعة خالدة، جمعت الخير كله لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم دائما يوصي بها أصحابه وهي وصيته لأمته عندما شعر بدنو أجله. روى الترمذي عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً بعد صلاة الغداة موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال رجل: إن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا يارسول الله؟ قال: أوصيكم بتقوى الله وهي وصية الله عز وجل للأولين والآخرين من عباده قال الله تعالى: ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله (النساء/131) وتقوى الله عزل وجل هي: أن تجعل بينك وبين ما يغضب الله عليك حاجزا يقيك غضبه عليك، فإذا حققت ذلك التزمت طاعته سبحانه في ما أمر به، وبالتالي حققت الرسالة التي خلقت من أجلها، وأصبحت عضوا صالحا في المجتمع تسعى لخيره. ولا يتم الصلاح والخير حتى يكونا وفقا لمراد الله سبحانه، ومن أجله، لذلك قال طلق بن حبيب: التقوى ان تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله وقوله صلى الله عليه وسلم: حيثما كنت عالج فيه ما قد يعرض للمرء من حالات يضعف فيها عن تحقيق التقوى، كوجوده بعيدا عمن يذكره ويعينه على طاعة الله عز وجل، أو وقوعه بين من يغرونه بالبعد عنها فبين صلى الله عليه وسلم ان تقوى الله عز وجل لا تكون انتقائية بل ينبغي ان تكون في كل مكان وعلى أي حال.
تكفير الذنوب
ولما خلق الانسان ضعيفا، وأمر بالتقوى، فلا بد وأن يقع منه التقصير، ولذلك أرشده النبي صلى الله عيه وسلم إلى السبيل الذي من خلاله يتدارك ما فاته بقوله: وأتبع السيئة الحسنة تمحها وذلك كما في قوله تعالى: وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين (هود/114) وقد بينت السنة الكثير من الحسنات التي تكون سببا في مغفرة الذنوب ولكن ذلك بشرط اجتناب الكبائر كما في صحيح مسلم الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر أما الكبائر ذاتها فلا يكفرها إلا التوبة قال الله تعالى: والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون (آل عمران/135).
وقد يتوهم البعض انه إذا أحسن علاقته مع الله عز وجل، وانه متى تنبه لضعفه وجبر ما لحقه منه بفعل الحسنات وعلى رأسها التوبة إلى الله سبحانه وتعالى، فقد حقق التقوى وغفل عن حقيقة مهمة وهي ان من لوازم التقوى معاملة الناس بالحسنى ولذا نبه النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الأمر بقوله: وخالق الناس بخلق حسن ولك ان تتصور ما يندرج تحت قوله: بخلق حسن من وجوه الإحسان إلى الناس من طلاقة الوجه عند اللقاء، وتفقدهم والسؤال عنهم عند الغياب، وقضاء حوائجهم إذا دعت الحاجة لذلك ونحوه.
وإذا تأملت وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه وجدتها رسالة تربوية اتسمت بالدقة والشمول والعمق فهي تشكل منهجاً متكاملاً ينظم علاقة الانسان بخالقه، ومع نفسه، وبمن حوله، وعلى الرغم من كونها موجهة لشخص أبي ذر إلا انها تصلح للناس جميعاً على اختلاف فئاتهم، وأجناسهم، وأزمانهم، إلى جانب كشفها لمواطن الضعف التي قد يقع فيها المرء.
فوائد الدعاء
ومن النماذج التربوية الفذة ما رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في بيت ميمونة فوضعت له وضوءا من الليل قال: فقالت ميمونة: يا رسول الله وضع لك هذا عبد الله بن عباس فقال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل. أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية خالة ابن عباس رضي الله عنهم تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم وابن عباس عمره إذ ذاك عشر سنين. وفي دعائه صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما توجيه بأهمية الدعاء كوسيلة تربوية متعددة الفوائد، فمن فوائدها: أن يتعود الطفل على سماع ذكر الله تعالى ودعائه فتقوى صلته بربه، ومنها انه ربما وافق الدعاء داعيا من دواعي الاجابة فأجيب، ومنها تدعيم أواصر الصلة بين الداعي والمدعو له. وعلى العكس من ذلك تماما الدعاء عليه ولذا حذر منه النبي صلى الله عيه وسلم فقال: لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم ولا تدعوا على أموالكم لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم ومن فوائد الدعاء كوسيلة تربوية انه ينسجم وما ينبغي ان تكون عليه الأسرة من صلة بالله عز وجل خوفا ورجاء واستعانة وتوكلا. وفي قوله صلى الله عليه وسلم اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل تفعيل لمواهب السامع ليشغل ذهنه بما جاء في الدعاء فيسعى لتحقيقه، وفيها ان العلم نعمة من نعم الله عز وجل ينبغي ان يستعان بالله تعالى على تحصيلها ومنها انه على المسلم ان يحرص على العلم النافع، وأنفعه ما كان متصلا بالدين. وهكذا ترى أن الدعاء يمكن ان يكون وسيلة تربوية متعددة الفوائد.
أسلوب الحوار الهادئ
ومن النماذج التربوية السامية ما رواه البخاري رحمه الله تعالى عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: أيكم مال وارثه أحب اليه من ماله؟ قالوا: يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه قال: فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر. ففي هذا الحديث يستخدم النبي صلى الله عليه وسلم اسلوب الحوار الهادئ المقنع الذي من خلاله يستدعي أفكارا تكون بعيدة عن فكر المتلقي ولكنها مهمة بالنسبة له فعند السؤال أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟.
لا يفكر أحد في أبعد من كون ماله ما يملكه الآن ويغفل عن حقيقة مهمة أنه مهما عاش فإنه سيغادر، ويترك المال الذي يتشبث به ويسعى إلى جمعه من كل مكان وبأي وسيلة، وعندما يجيب الصحابة بالمعنى القريب ما منا أحد إلا ماله أحب إليه يلفت النبي صلى الله عليه وسلم انتباههم إلى المعنى البعيد الذي يغيب عن الكثير من الناس وهو أن مالك الجدير بالاهتمام هو المال الذي يبقى لك نفعه حتى بعد الموت، وهو ما قدمته لله عز وجل فتجد ثوابه عنده، ولك أن تتصور ما في هذا الحوار من سمو بالنفس الانسانية الى معالي الأمور وزجرها عن التعلق بسفسافها.
هذه بعض النماذج التي جرت الاشارة إلى بعض ما فيها من خير ينفع الناس في معاشهم ومعادهم وإلا فسيرته صلى الله عليه وسلم كلها خير وصدق الله تعالى إذ يقول: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا، (الأحزاب: 21).
منهج متكامل
أرسل الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بمنهج متكامل شامل فيه الهداية والصلاح لجميع الناس وفي كل العصور قال الله تعالى: هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم. (الجمعة: 2-3).
وقد استخدم النبي صلى الله عليه وسلم في إبلاغ ما نزل اليه وبيانه أساليب متعددة مثل: الحوار المقنع الهادف، والقصة المؤثرة، وضرب الأمثلة التوضيحية المقربة للمعاني، والمواعظ البليغة، والترغيب والترهيب، هذا بالاضافة الى التطبيق الأمثل لما في القرآن الكريم من تعاليم ليمثل بذلك الأسوة الحسنة لجميع المسلمين، وفي مواقفه التربوية نماذج عظيمة يجد فيها المربي مالا يجده عند غيره من الشمول والدقة ومناسبتها لحال المتلقي مع بعدها عن القصور والشطط.