يتباهى العالم الغربي المتحضر بما حققه من منجزات حضارية أبرزها إقرار حقوق الإنسان والحيوان . لكن رسول الإنسانية سبق الغربيين وكل المصلحين في العالم في تقرير حقوق الحيوان وفي نشر ثقافة التعامل الإنساني الراقي والرحيم معه .

من بين توجيهاته الكريمة حول الرفق بالحيوان ما جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه، حيث قال صلى الله عليه وسلم: عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها ولا سقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض .

ففي هذا الحديث الصحيح يوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم جميع المسلمين إلى قيمة إنسانية رفيعة حث عليها الإسلام، وجعل الالتزام بها أحد معالم منظومته الأخلاقية وهي قيمة الرفق بالحيوان . فالإسلام من خلال تعاليمه وآدابه وأخلاقياته يحرص على التعامل الرحيم مع الحيوان حتى في حالة الحرب، لا يجوز لمسلم أن يقتل حيواناً أو طيراً، وهذا ليس بالأمر الغريب على دين أرسى القيم الحضارية، وليس بغريب على رسول بعثه الله ليتمم مكارم الأخلاق .

ويروي لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قصة رجل كان يمشي بطريق اشتد عليه الحر فوجد بئرا فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث الثرى . فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان مني، فنزل البئر وملأ خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقي أي صعد فسقى الكلب فشكر الله له وغفر له . وقد أثارت هذه الرواية دهشة الصحابة الذين استمعوا إليها فتساءلوا قائلين: هل لنا في البهائم أجر؟ فقال: في كل كبد رطبة أجر، ويعني بذلك كل كائن حي .

وتمتد رحمة الإسلام بالحيوان إلى طريقة ذبحه، ولذلك يوصي النبي صلى الله عليه وسلم بتخفيف الألم على الحيوان عند ذبحه بقوله: إذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته، وقد رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا يسحب شاة برجلها ليذبحها فقال له ويلك قدها إلى الموت قوداً جميلاً .

الدكتورة آمنة نصير الأستاذة في جامعة الأزهر والداعية الشهيرة تؤكد أن توجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم ووصاياه لأمته تحمل كماً هائلاً من الإنسانية في التعامل مع الحيوان، وتقول: إنسانية هذا الرسول الكريم لا تقف عند مجموعة القيم الإنسانية والحضارية التي يلزم المسلم التعامل بها مع أبناء جنسه . بل يتعدى ذلك إلى جملة الأوامر والنواهي التي ترسم العلاقة الإنسانية الرحيمة بين الإنسان والحيوان، وكل ما في الكون من كائنات ضعيفة سخرها الله عز وجل لخدمة الإنسان، لكنه يتجبر ويتكبر ويطغى في التعامل معها، وتضيف: الأحاديث النبوية الصحيحة التي تقرر حقوق الحيوان وتلزم الإنسان بالتعامل الراقي الرحيم معه لم ترق لما فيها من إنسانية ورحمة حضارة الغرب، فإلى جانب الحديث الشريف السابق الذي ينص على أن امرأة عذبت في هرة حبستها فلم تطعمها ولم تسقها، ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض، هناك توجيهات ووصايا نبوية كريمة أخرى تحدد الأسلوب الإنساني الرحيم في التعامل مع الحيوان ومنها قوله صلى الله عليه وسلم . لا تتخذوا ظهور دوابكم منابر إنما سخرها الله لكم لتبلغكم أي بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس وجعل لكم الأرض لتقضوا عليها حاجاتكم .

شكوى الجمل

وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل حائطاً أي بستاناً لرجل من الأنصار، فإذا فيه جمل، فلما رأى رسول الله دمعت عيناه فأتاه رسول الله فمسح عليه بيده ثم قال: من رب هذا الجمل فقال فتى من الأنصار: هو لي: فقال الرسول: ألا تتقي الله في البهيمة التي ملكك إياها!! لقد شكا إليّ جملك أنك تجيعه وتعذبه .

كما روي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر عن الفاروق قال: كنا مع رسول الله في سفر فانطلق لحاجته فرأى حمرة طائر معها فرخان، وقد جاء من أخذهما فجعلت الحمرة ترتفع وتطل بجناحيها، فقال رسول الله: من فجع هذه بولديها، ردوهما إليها .

وتنفيذاً لوصايا وتوجيهات رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقول الدكتورة آمنة: انتشرت الأوقاف والحبوس على إطعام الحيوانات في وصايا الأثرياء، وبنوا الأسبلة لسقيا الحيوان كما بنوا غيرها لسقيا الإنسان، وقد كان نور الدين زنكي البطل الإسلامي الشهير يتعهد إطعام الحيوانات بنفسه، رغم أعبائه الحربية الشاقة كما كان عدي بن حاتم الطائي يفت الخبز للنمل ويقول: هن ضعيفات لا تجد القوت، وقد روي عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه نظر إلى بعيره عند احتضاره فقال له يخاطبه وكأنه إنسان عادل: لا تخاصمني إلى ربك فلم أكن أجيعك ولا أحملك ما لا تطيق .

وتروي لنا الدكتورة آمنة قصة وردت في كتاب الأم للإمام الشافعي رضي الله عنه تقول: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قدم مكة فدخل دار الندوة يوم الجمعة وألقى رداءه على جدار فيها، فوقع عليه طير من الحمام، أطاره الفاروق عن ثوبه فوقف الحمام على جدار آخر، كانت عليه حية فقتلته فتأثر عمر، وقال لأصحابه: ما أظن إلا أنني كنت السبب في قتله، فماذا أصنع، فقيل له: تصدق بعنزة يا أمير المؤمنين، فقال: هو كذلك . وفعل!

سمة مميزة

إذا كان هذا شأن الإسلام مع الحيوان فما بالنا بالإنسان الذي كرمه الله أفضل تكريم وأعلى من شأنه، وجعله خليفة له في أرضه؟

يقول الدكتور أحمد عمر هاشم أستاذ السنة النبوية وعضو مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر: الرحمة على رأس منظومة الأخلاق التي جاء بها الإسلام، وهي السمة المميزة للمسلمين في ما بينهم، متراحمون يعطف بعضهم على بعض، ويواسي كل منهم أخاه، فمشاعرهم متلاقية، وأحاسيسهم تتلاقى بالتعاون والتساند والتعاطف والتآلف، لا مكان للقسوة بين قلوبهم، ولذلك يؤكد رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا المعنى ويقول في الحديث الصحيح عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى .

وقال صلى الله عليه وسلم: لن تؤمنوا حتى ترحموا . قالوا يا رسول الله: كلنا رحيم قال صلى الله عليه وسلم: إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه، لكنها رحمة العامة .

وقال صلى الله عليه وسلم: لا تنزع الرحمة إلا من شقي وقال من لا يرحم الناس لا يرحمه الله ويقول: أبعد الناس من الله القاسي القلب .

وفي القرآن الكريم العديد من النصوص التي تؤكد ضرورة التخلق بخلق الرحمة والرفق بالإنسان فقد وصف الحق ذاته بأنه أرحم الراحمين في آيات متعددة منها قوله تعالى فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين .

وقد وصف الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه رحمة للعالمين فقال وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين .

وقال سبحانه وتعالى: فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين (آل عمران: 159) .

أي: فبسبب رحمة عظيمة فياضة سكبها الله تعالى في قلبك أيها الرسول الكريم كنت لين الجانب مع أصحابك رؤوفاً بهم، عطوفاً عليهم، فأحبوك حبا يفوق حبهم لأنفسهم، ولو كنت جافياً خشن الجانب، قاسياً في أقوالك وأفعالك، لا تتأثر بأحوال من أرسلت إليهم لتفرقوا عنك، ولنفروا منك، ولكرهوا اللقاء بك . وفي الحديث الشريف يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: إنما أنا رحمة مهداة .