منذ طفولتها كانت «زينب» تمتلك وجهاً جميلاً وقواماً ممشوقاً، وكان أجمل ما فيها مكارم أخلاقها وحسن طباعها وأدبها، كما كانت الابنة الوحيدة لوالديها حيث جاءت بعد ثلاثة أولاد.
نشأت قصة حب لها مع جارها «عمرو» منذ أن كانا في عمر الطفولة فقد كانا يلعبان معاً، وكان يشعرها بالأمان فهو يتصرف وكأنه مسؤول عنها، واستيقظت مشاعره على حبها وبادلته الإعجاب، وكلما تمر الأيام يتمكن كل منهما من ترجمة مشاعره وأحاسيسه تجاه الآخر، حتى كبرا وتأكد كل منهما من حبه للآخر.
بذل «عمرو» جهداً فائقاً في دراسته ولم يشغله الحب الكبير الذي يشعر به تجاه «زينب» حتى يستطيع تتويج قصة حبه بالزواج، وبالفعل حقق نجاحاً باهراً والتحق بكلية الهندسة وكانت فرحته طاغية عندما انتهى من دراسته وأمضى فترة الخدمة العسكرية وبدأ رحلة البحث عن عمل. في البداية عمل في إحدى الشركات الخاصة براتب صغير، ومع ذلك قرر أن يتقدم لخطبة «زينب» فقد كانت هي الأخرى متفوقة في دراستها وانتهت من دراستها في كلية الفنون الجميلة وكثر خطابها، وكان يخشى أن توافق أسرتها على أي عريس من الذين يتقدمون لها، لكن والدها أعلن رفضه القاطع بسبب قلة إمكانات العريس المادية فليست لديه شقة، وراتبه لا يكفي للإنفاق على مستلزمات المنزل نظراً لأنه كان في بداية مشوار حياته، وكانت المفاجأة التي أعلنتها «زينب» نفسها عندما قالت لأبيها إنها موافقة على العريس ولن تتزوج غيره، وحاول أبوها وجميع أفراد الأسرة إقناعها بعدم صلاحيته لها وإجبارها على اختيار شخص آخر غيره لكن بلا جدوى، فقد صممت عليه، وأخيراً استسلم الأب لرغبة ابنته ووافق على إتمام الزواج، كان «عمرو» و«زينب» في منتهى السعادة. تم الزواج ومرت أيامهما كلها في سعادة وهدوء لكن دائماً تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فقد كان هناك شيء ينقصهما لتكتمل السعادة حيث مرت ثلاث سنوات من دون أن تظهر أي مؤشرات لحدوث حمل. وبدأت الأسئلة من كلتا العائلتين عن موعد قدوم ولي العهد، وبدأ القلق يتسرب إليهما وتعددت زياراتهما للأطباء، وبعد إجراء عدد من التحاليل والأشعة أكد الجميع وجود مشاكل لدى «زينب» تمنعها من الحمل، ورفض «عمرو» نصائح أشقائه وأمه بالزواج من امرأة أخرى حتى تنجب له الولد، وأنفق على علاج زوجته كل مدخراته، وطال العلاج لمدة وصلت إلى 15 عاماً وخلال ترددهما على الطبيب المعالج فاجأهما بأن «زينب» حامل فكاد «عمرو» يطير من شدة الفرحة وفي اليوم المحدد للولادة اصطحب زوجته إلى المستشفى الحكومي الذي يعمل فيه الطبيب المعالج، وعرض على الطبيب أن تتم عملية الولادة في أحد المستشفيات الاستثمارية مهما كانت التكاليف، لكن الطبيب أصر على المستشفى الحكومي، حيث توجد جميع الإمكانات والأجهزة الحديثة، واصطحبت الممرضة «زينب» إلى حجرة الولادة وتركت «عمرو» خارجها ينتظر وهو في منتهى القلق والخوف، وأخذ يدعو في سريرته أن تتم الولادة على خير، وبعد فترة قصيرة وإن كانت قد مرت عليه كالدهر خرج الطبيب مبتسماً وهنأه بالولد وطلب منه عدم القلق أو الانزعاج فالطفل «مبتسر» وقال له إن هذه حالة عادية وسوف يتم وضعه في الحضانة، وخلال أيام قصيرة سوف يخرج زاهياً متورداً. ترك «عمرو» طفله الرضيع في قسم الحضانات وترك معه قلبه لأن الممرضات طلبن منه مغادرة المكان، حيث لا يسمح في القسم إلا للأطفال وطاقم التمريض فقط. توجه «عمرو» إلى منزله وأخذ يصلي شكراً لله ويتوسل إليه أن يحفظ طفله ويرده سالماً إلى أحضانه.
في الصباح ارتدى ملابسه وأعد ملابس الطفل الصغير وأسرع إلى المستشفى، وبعد أن اطمأن في البداية على زوجته توجه للاطمئنان على فلذة كبده، وهناك كانت المفاجأة التي كادت توقف قلبه عن الخفقان، فالطفل غير موجود..سأل الممرضة بانفعال عنه فأخبرته بلا مبالاة بأن خالته أخذته لكي تراه أمه، فرد عليها بغضب أن أم الطفل ليس لها شقيقات، كما أنه كان مع زوجته منذ لحظات قليلة ولم يكن الطفل معها، وهنا فقط اكتشف الأطباء والممرضات أن امرأة خطفت الطفل، والخطير في الأمر أن الطفل «مبتسر» أي لا بد من وجوده في الحضانة وإلا فإنه سيتعرض للموت الأكيد.
تلقت الشرطة بلاغاً بالحادث وانتقل رجال المباحث على الفور إلى المستشفى لمعرفة ظروف اختطاف الطفل، وأجرى رجال المباحث عدداً من الاتصالات الهاتفية مع جميع مستشفيات الولادة التي توجد فيها حضانات للأطفال المبتسرين للسؤال عن حضور طفل مبتسر مع امرأة ترتدي الملابس السوداء، كما عرفوا من وصف الممرضة للمتهمة بخطف الطفل، وأكد رجال المباحث على المسؤولين في المستشفيات ضرورة إخطارهم فور حضور طفل مع امرأة بهذه الأوصاف، وبعد فترة لم تطل جاء الخبر اليقين من أحد المستشفيات بأن امرأة ترتدي الملابس السوداء حضرت إلى المستشفى منذ لحظات قليلة ومعها طفل مبتسر حالته الصحية سيئة جداً، وأنه تم وضع الطفل في إحدى حضانات المستشفى، وأن المرأة واسمها «كريمة» أفادت بأنها جدته، وبأن أمه وضعته في المنزل بوساطة «الداية»، وعندما ساءت حالته أحضرته إلى المستشفى لوضعه في «الحضانة». أسرع ضباط المباحث بصحبة الممرضة المسؤولة التي سلمت الطفل المخطوف إلى خالته المزعومة للتعرف إلى المرأة والطفل، وبمجرد رؤية الممرضة المتهمة هجمت عليها وانهالت عليها ضرباً. لم تطل مناقشة ضباط المباحث للمتهمة فقد اعترفت بأن إحدى قريباتها «عاقر»، وكانت مهددة بالطلاق من زوجها وكلفتها بالبحث عن طفل تتبناه أوتتخذه ابناً لها مقابل أي مبلغ تطلبه، وأنها اتفقت مع «سمير» عامل «السويتش» في المستشفى على إخطارها عندما يصل إلى المستشفى أي طفل مناسب وتسهيل دخولها حتى تتمكن من خطفه، وتم تنفيذ الاتفاق بالفعل فقد اتصل بها عامل «السويتش» وأخبرها بوجود طفل في قسم الحضانات فحضرت في سيارة أجرة إلى المستشفى وأخذت الطفل وأسرعت بالهرب في السيارة التي كانت في انتظارها، لكن عندما ساءت حالة الطفل الصحية وأشرف على الموت سارعت به إلى المستشفى القريب لإنقاذ حياته.
أحيلت المتهمة وشريكها عامل «السويتش» إلى النيابة وقررت حبسهما على ذمه التحقيق وإحالتهما إلى المحاكمة بعد أن وجهت إليهما تهمة خطف الطفل حديث الولادة وتعريض حياته للخطر، وقضت المحكمة بحبس المتهمين سنة مع الشغل لكل منهما.