ربانا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم على القيم الإنسانية والحضارية الرفيعة التي ترقى بسلوك المسلم وتبرز إنسانيته ورحمته، ولذا أوصانا خيرا بالحيوان، وحثنا على التعامل معه برفق ورحمة، واحترام حقوقه، بل والإحسان إليه .
أستاذ السنة النبوية بجامعة الأزهر، عضو هيئة كبار العلماء، د .إسماعيل الدفتار، يكشف لنا جانبا من الهدي النبوي في الرفق بالحيوان والإحسان إليه، فيقول: لقد علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم أدب التعامل مع المخلوقات الضعيفة من الحيوانات خاصة ما يستأنس منها ويملكه الناس ويستخدمونه مثل: الخيل، والبغال، والحمير، والدواجن، وغيرها من الطيور وما لا يملك منها مثل القطط والكلاب، وتعلم المسلمون من هدي نبيهم كيف يكون الرفق بالحيوان وكيف يكون الإنفاق عليه بما في ذلك الكلاب الضالة حتى لا تموت جوعاً .
قمة الرقي
وفي مظاهر هذا الرقي الإنساني في التعامل مع الحيوان جاءت أحاديث شتى ومنها الحديث الذي رواه عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت لا هي أطعمتها وسقتها إن هي حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض، والخشاش: حشرات الأرض ونحوها .
وحديث: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعير قد لصق بطنه فقال: اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة فاركبوها صالحة، وكلوها صالحة، وحديث: في كل كبد رطبة أجر، وحديث: إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته، وحديث: إن رجلا أضجع شاة وهو يحد شفرته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أتريد أن تميتها موتتين؟ هلا أحددت شفرتك قبل أن تضجعها .
وفي الحديث أن ابن عمر مر بفتيان من قريش قد نصبوا طيرا أو دجاجة يترامونها، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا، فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ لعن الله من فعل هذا، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن من اتخذ شيئاً فيه الروح غرضاً . كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التحريش بين البهائم كما يفعل بعض القساة الذين يثيرون الحيوانات بعضها على بعض، فتتناطح وتتنافر، حتى يسيل الدم منها، وهم يضحكون . بل نهى رسول صلى الله عليه وسلم عن الضرب في الوجه، وعن الوسم (أي الكي) في الوجه، أي للحمار وغيره من البهائم .
وروي أن عمر رضي الله عنه رأى رجلا يسحب شاة من رجليها ليذبحها فقال: ويلك، قدها إلى الموت قودا جميلا؟ .
وقال المسيب بن دارم: رأيت عمر بن الخطاب ضرب حمالاً وقال: لم تحمل بعيرك ما لا يطيق؟ .
وفي الأحاديث الشريفة كما يؤكد د .الدفتار يوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم جميع المسلمين إلى قيمة إنسانية رفيعة حث عليها الإسلام، وجعل الالتزام بها أحد معالم منظومته الأخلاقية، وهي قيمة الرفق بالحيوان . . فالإسلام من خلال تعاليمه وآدابه وأخلاقياته يحرص على التعامل الرحيم مع الحيوان حتى في حالة الحرب، فلا يجوز لمسلم أن يقتل حيوانا أو طيرا، وهذا ليس بالأمر الغريب على دين أرسى القيم الحضارية، وليس بغريب على رسول بعثه الله ليتمم مكارم الأخلاق .
يروي لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قصة رجل كان يمشي بطريق واشتد عليه الحر فوجد بئرا فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث الثرى . فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان مني، فنزل البئر وملأ خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقي أي صعد فسقى الكلب فشكر الله له وغفر له . وقد أثارت هذه الرواية دهشة الصحابة الذين استمعوا إليها فتساءلوا قائلين: هل لنا في البهائم أجر؟ فقال لهم عليه الصلاة والسلام: في كل كبد رطبة أجر ويعني بذلك كل كائن حي .
والعطاء النبوي في الرفق بالحيوان متنوع وزاخر بكل ما هو إنساني، فالمسلم الذي تربى على هدى دينه وتوجيهات رسوله صلى الله عليه وسلم مرهف الحس، يحمي الضعيف، ويعين اللهيف، ويرفق بالكائن الحي إنساناً كان أم حيواناً، وهو يرفض سلوك غلاظ الأكباد أصحاب الطبائع الشاذة الذين لا يبالون بإيذاء الحيوان وتعذيبه، بل ربما تلذذوا كثيراً بما يتكرر أمامهم من مصارعة الثيران ومهارشة الديوك ولا أدري كيف يكون المصارع بطلا، لأنه هجم بالسيف على ثور مسكين دفع به إلى الميدان من دون أن يدري ما يراد به، وقد تكتفنه عوامل الرعب من ستائر حمر، وسيوف تشرع، وكل ذلك في بلاد يباهي أهلها بالسبق المدني، بين أناس يرون أنفسهم من أعرق الأجناس حضارة وارتقاء .
حقوق الحيوان
وهنا ينقل لنا الشيخ علي أبو الحسن، الرئيس الأسبق للجنة الفتوى في الأزهر بعض ما دوّنه فقهاء الإسلام في مؤلفاتهم من أحكام فقهية تستهدف حماية الحيوان وهم جميعا يستندون في أدلتهم إلى ما قاله وما فعله رسول الله:
- حق الحيوان في الطعام والشراب المناسب: وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل حائطاً (أي: بستاناً) لرجل من الأنصار، فإذا فيه جمل، فلما رأى رسول الله دمعت عيناه فأتاه رسول الله فمسح عليه بيده ثم قال: من رب هذا الجمل؟ فقال فتى من الأنصار: لي: فقال الرسول: ألا تتقي الله في البهيمة التي ملكك إياها؟! لقد شكا إليّ جملك أنك تجيعه وتعذبه .
- عدم تحميل الحيوان أكثر من طاقته، وعدم استخدامه فيما لم يخلق من أجله، والنصوص في ذلك كثيرة، ومنها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تتخذوا ظهور دوابكم منابر، إنما سخرها الله لكم لتبلغكم أي بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس وجعل لكم الأرض لتقضوا عليها حاجاتكم .
- وقد حدد الفقهاء متى يجوز ضرب الدابة؟ وأين تضرب وبم تضرب؟ وكيف تضرب؟ فنراهم يقولون: تضرب الدابة على النفار ولا تضرب على العِثار، لأن العِثار لا يد لها فيه، بخلاف النفار والحرونة، ويقولون: لا تضرب في الوجه، ولا تضرب بحديدة أو بمقرعة في أسفلها حديدة .
- كما يحرم لعن البهيمة لما روي عن عمر: أنه صلى الله عليه وسلم كان في سفر فلعنت امرأة ناقة فقال: خذوا ما عليها ودعوها، فإنها ملعونة .
- تجب النفقة للبهائم المملوكة، سواء كانت مما يؤكل لحمها، أو مما لا يؤكل، فإذا امتنع مالكها أجبره الإمام على بيعها، ولو كان لها ولد ولم يكف لبنها سوى إطعامه فلا يجوز أن يحلبها أحد ولو أجدبت أرض فضاقت عن علف البهيمة، وجب على المالك أن يبحث عن طعام لها، كما يبحث عن طعام أولاده .
وقد فصل الفقهاء ما يجب على مالك الدابة من النفقة والرعاية في كتاب النفقات من كتب الفقه، كما فصلوا ما يجب على الإنسان نحو الكلاب والطير ونحوها، تفصيلا لم يخطر ببال أحد من البشر، وهو تفصيل لم تدفع إليه المنفعة المادية أو المصلحة الاجتماعية فحسب، كما هو الشأن في القوانين الوضعية، بل الدافع إليه فوق هذا كله دافع أخلاقي محض، هو رفع الظلم والأذى والضرر عن كائن حي ذي كبد رطبة، يحس ويشعر ويتألم وإن لم يكن له لسان يتكلم به ويشكو .
- يحرم خصاء البهائم لما يلحقها من التعذيب، ويحرم متابعة السفر عليها، من دون أن ترتاح، لأن لها حق الاستراحة والأمن، كما يحرم أن يتخذ الحيوان هدفاً للرمي تعلماً للصيد، فقد روي أن ابن عمر مر بفتيان من قريش قد نصبوا طيرا يرمونه، فلما رأوه تفرقوا، فقال ابن عمر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن من اتخذ شيئاً فيه روح غرضاً .
- لا يجوز الحمل على ما لم تخلق للحمل كالبقرة والغزالة والجاموسة ونحوها إنما ينتفع من الحيوان بما يطيقه، كأن تحرث البقرة الأرض، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع القلائد من أعناق الإبل، مخافة أن تخنق الدابة من شدة الركض ومخافة أن تمر بشجرة فتعلق بها فتخنقها في المسير .
سلوكيات مدانة
وإذا كان من مظاهر الرأفة والرحمة بالحيوان كما تعلمناها من رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه إحسان التعامل معه والاعتراف بكل حقوقه، فقد علمنا أيضاً أن الإساءة إلى الحيوان والقسوة عليه أو تعذيبه بأي شكل من الأشكال يحبط أعمال الإنسان ويعرضه لغضب الله وعقابه، ومن هنا يرى الرئيس الأسبق للجنة الفتوى بالأزهر ضرورة سن تشريعات تعاقب كل من يعتدي على حقوق الحيوان ويتعامل معه بغلظة في بلادنا العربية والإسلامية فالتوعية الدينية مطلوبة وضرورية لكنها لم تعد وحدها كافية لحماية حقوق الحيوان .
ويضيف الشيخ أبو الحسن: إن سلوك المسلمين الآن في التعامل مع الحيوان لا يجسد الموقف الإسلامي الصحيح، فقد اختفت مظاهر الرحمة في تعاملنا مع الحيوان . مع ما أنعم الله به علينا من حيوانات نركبها ونسوقها لتتيسر أمور حياتنا وننتفع بلحومها وجلودها، ولا يمكن بأي حال أن تستقيم حياتنا من دونها .
ويقول: مظاهر القسوة في التعامل مع الحيوان في بلادنا العربية والإسلامية كثيرة ومتنوعة، وتؤكد بعدنا عن تعاليم ومبادئ الدين العظيم الذي ننتمي إليه . . ولذلك لا بد أن يقوم دعاة الإسلام بواجبهم في هذا المجال . . بأن يوضحوا للناس كيف كانت رعاية الإسلام لحقوق الحيوان وكيف حثنا رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه في العديد من الأحاديث النبوية على الرفق بالحيوان وعدم القسوة عليه والرحمة به حتى ونحن نذبحه من أجل أكل لحومه .
وهكذا يتضح لنا العطاء الإنساني النبوي في مجال حقوق الحيوان والرفق به والإحسان إليه، كما يتضح لنا اهتمام فقهاء الإسلام بحقوق الحيوان وتفصيل الحديث عنها في كتب الفقه مما يؤكد عظمة الإسلام ورقيه وتحضره . . فما أحوجنا نحن المسلمين إلى التخلق بأخلاق الإسلام والاهتداء بهدي رسول الله في التعامل مع الحيوان.