أكد اثنان من كبار علماء الإسلام أن إهدار حقوق الحيوان والتعامل معه بعنف وقسوة يمثل مخالفة صارخة لآداب وأخلاقيات الإسلام الذي ألزم المسلم بالتعامل الرحيم مع الحيوان حتى ولو كان ضاراً بالإنسان .

وأوضح العالمان أن الشريعة الإسلامية في احترامها لحقوق الحيوان سبقت كل حضارات العالم الحديث التي تعتبر الرفق بالحيوان من مظاهر تحضرها ورقيها .

وكانت دراسة قد صدرت مؤخراً من جامعة الإسكندرية قد حذرت من استمرار التعامل بعنف وقسوة مع الحيوانات وطالبت بتدريس حقوق الحيوان للأطفال في مراحل التعليم الأولى وحثت خطباء المساجد على توضيح موقف الإسلام من العنف والقسوة مع الحيوانات .

الخليج طرحت قضية حقوق الحيوان التي يتغني بها الغربيون على الداعية والفقيه الدكتور نصر فريد واصل، أستاذ الشريعة الإسلامية ومفتي مصر الأسبق، الذي قال: إن من جوانب عظمة الشريعة الإسلامية أنها لم تقرر حقوقاً للإنسان وتتركه يعبث بكل ما حوله من نبات وجماد وحيوان، بل كفلت لكل عناصر الكون حقوقاً، وألزمت الإنسان بالحفاظ عليها حتى يتحقق التوازن والانسجام بين كل مخلوقات الله من دون عدوان عنصر على آخر .

ويضيف: والحقوق التي كفلتها شريعة الإسلام للحيوان تؤكد عظمة هذه الشريعة وتتفوق على كل ما قررته الأنظمة الحديثة، حيث وفرت للحيوان رعاية تفوق كثيراً ما تقوم به أو تتطلع إليه جمعيات الرفق بالحيوان في الدول الغربية، والحيوان في فلسفة الإسلام كائن حي خلقه الله الذي خلق الإنسان وخلق كل شيء في هذا الكون، والإسلام له قيمه وتعاليمه الراسخة في تعامل الإنسان مع الحيوان والجماد، فلا تجوز إساءة استخدام أي شيء من مخلوقات الله .

والرحمة بالحيوان كما يقول الدكتور واصل من أروع ما جاء به الإسلام، وهذه الرحمة تفوق كثيرا مظاهر الرأفة والرفق بالحيوان التي يتغني بها الغربيون الآن .

ومن مظاهر هذه الرحمة أن الإسلام نهى عن الإساءة للحيوان والقسوة عليه وتعذيبه بأي شكل من الأشكال، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في المرأة التي دخلت النار في هرة بسبب حبسها واضح ومشهور . . فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قوله صلوات الله وسلامه عليه: عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار لا هي أطعمتها ولا سقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض .

نعمة إلهية

ولكي يغرس الإسلام قيمة الرحمة بالحيوان في نفس المسلم جاءت النصوص القرآنية لتوضح أن الحيوانات نعمة من النعم التي أنعم بها سبحانه على الإنسان، وواجب الإنسان العاقل الحريص على إرضاء ربه أن يحسن التعامل مع هذه النعمة وأن يشكر ربه عليها ولا يقسو عليها ويعذبها . . ومن بين الآيات القرآنية التي أوضحت ذلك قوله تعالى: الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون . ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون ويريكم آياته فبأي آيات الله تنكرون (غافر: 79 81) .

وقوله سبحانه: أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً فهم لها مالكون وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون (يس: 71 - 73) .

وإلى جانب هذه الآيات القرآنية الواضحة والصريحة في حث المسلم على الرفق بالحيوان وشكر الله على تسخيره لخدمة الإنسان . . جاءت السنة النبوية تحرض على الرحمة بالحيوان، وتحذر من القسوة عليه، أو إضاعته وإهماله، منذرة بوعيد شديد لمن اقترف شيئاً من هذه الاعمال، وتعد المؤمن، الرحيم بالحيوان، بجزيل الأجر والثواب عند الله على إحسانه وعطفه على الحيوانات . . فقد جاء في الحديث الصحيح أن رجلا قال: يا رسول الله إني لأرحم الشاة أن أذبحها، فقال عليه الصلاة والسلام: إن رحمتها رحمك الله . . وروي أن رجلاً أضجع شاة وهو يحد شفرته، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أتريد أن تميتها موتتين؟ هلا أحددت شفرتك قبل أن تضجعها؟! .

مظاهر الرحمة

ومظاهر الرحمة والإحسان للحيوان في شريعة الإسلام كما يوضح الدكتور واصل تتمثل في مواقف كثيرة حث عليها الإسلام ومنها:

التعامل الرحيم مع الحيوان وعدم القسوة عليه أو تعذيبه، وقد وردت في ذلك العديد من النصوص النبوية الكريمة، التي تحث على الرحمة وتحذر من القسوة، فقد دخلت امرأة عاصية الجنة في كلب من أجل رحمتها به . . والراحمون يرحمهم الرحمن . . وقد روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصفي للهرة الإناء فتشرب ثم يتوضأ بفضلها . . أي بما تبقى منها . . وهذه المعاملة النبوية للهرة كان لها أثرها الفعال في نفوس أزواجه وأصحابه رضي الله عنهم .

استخدام الحيوان في ما خلق له وعدم تحميله أكثر من طاقته، فكل حيوان يجب أن يستخدم في ما خلق له، فما خلق للحرث أو للدر والنسل لا ينبغي أن يستخدم للركوب، إلا لضرورة أو حاجة، كقلة دواب الركوب ونحوها . . وقد جاءت العديد من النصوص النبوية التي ترشد المسلم إلى ضرورة استخدام الحيوان في الغرض الذي خلق له .

الرحمة بالحيوان في ذبحه وعدم تعذيبه، وقد تعددت الأحاديث النبوية التي تحض المسلم على ذلك .

هذه التعاليم والإرشادات النبوية التي تقرر حقوق الحيوان وتفرض على كل مسلم أن يتعامل معه بكل إنسانية ينبغي أن تكون سلوكاً عاماً وثقافة شائعة بين المسلمين .

واقع عملي

يقول الداعية والعالم الأزهري المعروف الدكتور أحمد عمر هاشم، أستاذ السنة النبوية وعضو مجمع البحوث الإسلامية: ثقافة الرحمة بالحيوان والاعتراف بكل حقوقه تحولت في حياة المسلمين الأوائل إلى واقع عملي فكان الخلفاء والأمراء يزجرون كل من يقسو على الحيوان . . فقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر بحمار عليه طوب لبن، فوضع عنه طوبتين، فأتت سيدته (مالكته) لعمر وقالت: يا عمر، مالك ولحماري؟ ألك عليه سلطان؟ قال: فما يقعدني في هذا الموضع؟

وعقب ابن رشد على قول عمر فقال: المعنى في هذا بيّن، لأن المصطفى عليه السلام قال: كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راعٍ وهو مسؤول عن رعيته .

وروي أيضاً أن عمر بن الخطاب ضرب حمالاً وقال: لم تحمل بعيرك ما لا يطيق؟ .

ولم يهمل الفقه الإسلامي حقوق الحيوان، فتحدث الفقهاء في واجبات مالك الدابة من النفقة والرعاية في كتاب النفقات من كتب الفقه، كما فصّلوا ما يجب على الإنسان نحو الكلاب والطير ونحوها تفصيلاً لم يخطر ببال أحد من البشر في تلك العصور، وهو تفصيل لم تدفع إليه المنفعة المادية أو المصلحة الاجتماعية فحسب كما هو الشأن في القوانين الوضعية بل الدافع إليه فوق ذلك كله دافع أخلاقي محض، هو رفع الظلم والأذى والضرر عن كائن حي ذي كبد رطبة يحس ويشعر ويتألم وإن لم يكن له لسان يتكلم به ويشكو، ولذلك رأينا الفقهاء يحددون متى يجوز ضرب الدابة؟ وأين تضرب؟ وبماذا تضرب؟ وكيف تضرب؟

تدخل ولي الأمر

وهنا يوضح الدكتور هاشم نقطة مهمة وهي ضمان حقوق الحيوان ويقول: من حق ولي الأمر أو من ينيبه من الأجهزة المعنية أن يتدخل لرفع الظلم عن حيوان وإلزام الناس بالتعامل الرحيم معه، هكذا فعل عمر بن الخطاب، ومن بعده عمر بن عبدالعزيز، والمرويات التي تجسد مواقفهما في هذا الجانب كثيرة .

وهذا يعني أن من حق الجمعيات أو المؤسسات المعنية بالتعامل الرحيم مع الحيوان أن تتدخل لإزالة الظلم عن الحيوانات وأن تسن من التشريعات العقابية ما يحقق هذا الهدف، كما أن من حق كل مسلم أن يتدخل لمنع الظلم عن الحيوان، فمن واجب أي مسلم شاهد هذا الظلم أو القسوة أن ينهي عنه، ومن حقه أن يرفعه إلى أولي الأمر ليعملوا على رفعه .

وينبه الدكتور هاشم إلى ضرورة نشر الوعي الديني والحضاري باحترام حقوق الحيوان في بلادنا العربية والإسلامية ويقول: شريعتنا الإسلامية سبقت كل الشرائع والحضارات الإنسانية في احترام حقوق الحيوان فلا يليق بالمسلمين ودينهم كله رحمة وإنسانية أن يقسوا على الحيوانات ويظهروا أمام شعوب الأرض في صورة غير حضارية .