بخطوات جادة سريعة، يمكن وصفها بوثبات الثقة، تنطلق الرواية السعودية الجديدة، بأجيالها واتجاهاتها وأطيافها المتباينة، نحو لحظة فارقة في مسيرتها، بل هي الأكثر إدهاشاً في تاريخ حركتها، ليس فقط في مضمار الرهان الثقافي النخبوي، لكن في الفضاء المجتمعي ككل، الذي راح يتفاعل مع هذه الرواية، أو على الأقل يتشاكل معها، أو حتى يحاربها ويحاكمها لأسباب تبدو في أحوال كثيرة لا علاقة لها بالفن .

ومن ثم، وإلى جوار الروايات الجادة، فقد تشخصت بعض روايات

الحساسية الجديدة في السعودية، خارج الظاهرة الإبداعية، كمظاهرة احتجاجية أو كحزب معارضة أو كخلية مقاومة، أو كمانفستو عريض للحرية، هادفٍ بنّاء من وجهة نظر البعض، وهدام تخريبي من وجهة نظر آخرين . كما تمحورت روايات أخرى حول فضائحية فجة تعرّي أو تدّعي جوانب سلبية أو سرية لدى المجتمع، وتبنّت روايات أوضاعاً خاصة كقيود المرأة ومآسي الأقليات، وما إلى ذلك، وشكّلت أغلبية هذه الروايات حراكاً اجتماعيّاً فاق الحراك الثقافي المتوقع منها .

هذه المواقف المجتمعية واسعة النطاق إزاء الرواية الجديدة، لم يعتد الجمهور أن يتخذها من قبل، ولا السلطة، إزاء غيرها من الأنماط الإبداعية، المحكوم عليها عادة بالانزواء في دوائر التخصص الضيقة، ولعل هذا التشعب غير المسبوق في التعامل مع الرواية أحياناً كحدث جلل أو كقضية رأي عام، يعود إلى أن مبدعي الرواية أنفسهم ليسوا في جميع الأحوال روائيين محترفين!

ويمكن تفهم ذلك، في ظل اختلاط الحابل بالنابل، ورغبة أصحاب البيانات الثورية والليبرالية، وأيضاً أصحاب التوجهات المهووسة والانفلاتية، في الإفصاح عن أنفسهم أدبيّاً، ولو بصيغ تقريرية جافة أو مباشرة . ويمكن تفهم ذلك أيضاً، في ظل نشوء ظاهرة الكتاب الأكثر مبيعاً، الذي من الممكن أن يكتبه أي أحد من أي ميدان، أو أن يصدر حتى باسم حركي أو مستعار، ويبقى المؤلف وهميّاً حتى بعد تسويق الكتاب، ورواجه، فليس مُهمّاً مَنْ يقول، ولا كيف يقول، فالأهم هنا هو: ماذا يقول!

(1)

بعيداً عن الأحكام المطلقة، المفتقرة إلى الموضوعية، التي تتعامل مع الإنجاز الروائي الجديد في السعودية بوصفه عملاً واحداً من مئات الفصول، وهذا أمر بالغ التسطيح والإخلال، يمكن طرح ومناقشة بعض الشواهد والملاحظات العامة المتعلقة بحركة الرواية السعودية الجديدة، أملاً في قراءة متأنية لنماذج من إفرازات تلك الرواية، ورسم ملامحها الدقيقة، من داخل موجاتها المتفاوتة .

ويُؤخذ في الاعتبار، بالضرورة، أن التنوع والتباين في كل شيء، كيفاً وكمّاً، قد بلغ مداه إلى أقصى حد ممكن، في هذا المد الروائي الطموح الجارف، وأن كل ما يحمل عنوان رواية من تجارب ركيكة فنيّاً يجب ألا يُهدر أو يُستبعد من محيط الرؤية الواسعة، لأنه ببساطة موجود وفاعل ومؤثر، ويتحدث أحياناً باسم الرواية السعودية، بل باسم الثقاقة السعودية كلها، في

أضخم المحافل العربية والعالمية، شئنا أم أبينا .

لقد انطلقت الرواية الجديدة في السعودية كما لم تنطلق من قبل، هذه حقيقة . لقد شغلت هذه الرواية المختصين والمهتمين والعامة على السواء في السعودية وخارجها، هذه حقيقة أخرى . والحقيقة الثالثة، أن هذه الرواية قد فرضت حضورها اللافت بأسلوبين أو في مدارين، أولهما: القيمة الإبداعية المجردة أو التجليات الفنية للنص، وهذا ما يفسر التفوق الكيفي لهذه الرواية، الذي تجلى عبر شواهد متعددة، أوضحها وآخرها فوز الكاتب عبده خال بجائزة البوكر العربية في شهر مارس الماضي عن روايته ترمي بشرر .

وبغض النظر عن ملابسات التحكيم في الجائزة، والانتقادات التي سبقت الإعلان عن نتيجتها، وما تردد عن الرغبة المسبقة في منحها لسعودي، فإنها في النهاية جائزة كبيرة، ومؤلفها في الأصل ذو رصيد إبداعي سابق معتدّ به، ويتمتع بحضور وثقل غير خفيين في ميزان النقد الجاد، وفي دائرة التلقي الواعي العميق في الوطن العربي .

أما الأسلوب أو المدار الثاني الذي يعكس الحضور اللافت للرواية السعودية الجديدة، فهو باختصار كل ما هو خارج الإبداع، ويتسع لعشرات العوامل، منها: مضمون الرواية الجريء أو المقتحم أو المتطاول أو القائم على كسر التابوهات (الجنس، السياسة، الالتزام الاجتماعي والأخلاقي، الخ)، معايير النشر والتوزيع في السوق العربية، مغازلة المترجمين والغرب المتعطش إلى أنساق بعينها تخص المجتمع الشرقي المكبوت المقهور، استثمار قضايا الفئات المهمشة والحركات النسوية المتمردة وتداعيات أحداث الحادي عشر من سبتمبر ،2001 إلى آخر هذه العوامل المتشابكة .

وتفسر هذه العوامل، غير الإبداعية، ذلك التفوق الكمي للرواية السعودية الجديدة، الذي تجلى أيضاً عبر شواهد كثيرة، أبرزها أرقام التوزيع غير المسبوقة لروايات من قبيل بنات الرياض لرجاء الصانع ونساء المنكر لسمر المقرن، والإقبال على ترجمة هذه النوعية من الروايات وطباعتها في دور النشر العالمية الكبرى، إضافة إلى زيادة عناوين الروايات السعودية في الفترة الأخيرة على نحو ملاحظ .

فإذا كان إجمالي عدد الروايات منذ الرواية السعودية الأولى التوأمان لعبد القدوس الأنصاري 1930 حتى اليوم قد تجاوز ستمائة رواية، فإن عام 2010 وحده قد شهد تصاعد معدل الإصدار إلى عشر روايات بالتمام والكمال في الشهر الواحد، وذلك وفق معجم الإبداع الأدبي في المملكة العربية السعودية للباحث خالد اليوسف، وإذا كانت الفترة ما بين عامي 1991 و2000 قد شهدت إصدار 98 رواية، فإن الفترة ما بين عامي 2001 و2006 قد شهدت إصدار 206 روايات . وتكاد تمثل الروايات النسائية، الجريئة بطبيعة الحال، نصف الروايات الصادرة حديثاً، الأمر الذي يفوق بكثير نسبة مشاركة المرأة في الواقع الثقافي، وفي الحياة الاجتماعية عموماً (الذكورية بتعبير الروائيات أنفسهن)، الأمر الذي يؤكد كون هذا المد الروائي، بمعناه الكمي وسمته الشكلي، رد فعل لمطالب خارجية، لا فعلاً نابعاً من المخاض الإبداعي الطبيعي، والراهن المجتمعي الخصب . ويدعم هذه الفرضية أيضاً أن النسبة العظمى من تلك الروايات الرائجة لم تصدر في السعودية، وإنما صدرت في عواصم تحتفي وتتاجر بالكتابة غير المشروطة، على رأسها بيروت، ولندن .

(2)

بقيت ملاحظة بشأن الحساسية الروائية الجديدة في السعودية، هي أن رواية القيمة الإبداعية المجردة في أنقى صورها، أو ما يمكن تسميتها رواية النخبة، كرواية ترمي بشرر لعبده خال على سبيل المثال، قبل أن تمنحها البوكر طابعاً ترويجيّاً جماهيريّاً، هي أيضاً رواية مضمون وموضوع، بقدر ما هي رواية جماليات، وكأن ما تطرحه الرواية السعودية يبقى دائماً سر خلطتها الشهية، حتى في أوج التفوق الكيفي، وهذا الذي تطرحه، يبدو دائماً محدد الملامح، مخطّطاً له، وقد يكون جاهزاً، معدّاً سلفاً، ربما قبل الشروع في كتابة الرواية .

إن رواية عبده خال مثلاً هي رواية غنية، عميقة، جميلة فنيّاً، وهي في الوقت نفسه أريدَ لها أن تكون رواية تعرية الواقع الكابوسي المرير، والسخرية من السلطة والثراء الماجن وأبجديات العبودية الجديدة . وهي، من جانب آخر، تعج بالجرأة والاقتحام، وتفسح للجنس مجالاً كبيراً، بتوظيفه فنيّاً، لا باعتباره غاية بحد ذاته، لكنه يبقى في النهاية جنساً . وللكاتب نفسه روايات أخرى، منها الموت يمر من هنا، مدن تأكل العشب، الطين، وهي لا تكاد تحيد عن دورها الواضح في كشف ما يستره المجتمع المحافظ من مواضع الخلل، وهدم ما يدعيه من حوائط وأسقف باتت متداعية .

على قارئ الرواية السعودية الجديدة أن يهيئ نفسه دائماً لاستقبال الأطروحة المرسومة، فهي حاضرة بالضرورة في أغلبية النماذج، جنباً إلى جنب مع العمق الفني والجماليات في الرواية الجادة الحقيقية، وجنباً إلى جنب مع الإثارة أو الحماسة أو البيان أو التشويق أو الفضائح أو الابتذال أو التعرية الخ الخ، في الروايات الخفيفة أو روايات الشباك، إذا جاز التعبير .

(3)

بالعودة إلى تاريخ الفن الروائي في السعودية، تبدو أولى الروايات الحجازية التوأمان لعبد القدوس الأنصاري 1903-،1982 الصادرة عام ،1930 مستقاة تماماً من الهدف وراء كتابتها، ولذلك صُنفتْ بوضوح على أنها رواية تعليمية إصلاحية .

ومع عبد الرحمن منيف 1933-،2004 نضجت الرواية السعودية الجديدة فنيّاً، وعلا فيها أيضاً الصوت السياسي والحس الاجتماعي الانتقادي، ورسمتْ خماسية مدن الملح بانوراما القمع في المجتمعات العربية، والانهيارات الشاملة المترتبة على ثورة النفط .

ومن منيف، إلى د .غازي القصيبي، صاحب الثقافة الموسوعية، والأنساق الروائية المثيرة للجدل منها: الجنية، العصفورية، شقة الحرية، حيث تبدو رواياته أقرب إلى بيانات معرفية أو منظومة معلومات وحقائق، تتخذ من الفن إطاراً، وتسعى إلى نقل أفكار وتصورات بعينها .

وتلعب القضية دور البطولة في ثلاثية د . تركي الحمد أطياف الأزقة المهجورة، التي تكشف دهاليز حياة السجون، وخفايا التنظيمات السياسية المعارضة، وقد تعرض الحمد للتكفير بسبب ما ورد فيها من اقتحام لتابوهات الجنس والسياسة .

وتغوص رجاء عالم، صاحبة ستر وخاتم والرقص على سن الشوكة وطريق الحرير، في رؤى كونية رحبة، بروح فنية تجريبية، ونزعة تمردية على معطيات الواقع، وتعيد قراءة التاريخ السياسي والاجتماعي لبلادها بوعي مسنون .

وترفع بدرية البشر، في روايتيها هند والعسكر والأرجوحة، شعار لا، معترفة بأن مهنة الكاتب هي صناعة القلق، ودفع القارئ دفعاً إلى التغيير . وتطرح أعمالها مفهوم الحرية، وتواجه التقاليد المجتمعية البالية، وثقافة غسل الأدمغة، التي تحد القدرة على الاختيار والفعل والحب .

وتبدو رسائل الحب السرية، التي تبثها نساء مطلقات ومغرر بهنّ عبر الإنترنت، مفتاحاً سحريّاً للوصول إلى أطروحة شيقة مثيرة، تراهن عليها رجاء الصانع في روايتها بنات الرياض، خارج الظاهرة الإبداعية، هي رواية إزاحة الستار بكل المقاييس، والتزحلق المجاني فوق سطح التقاليد، من دون الغوص فيها، أو نقدها من الداخل، وقد فتحت هذه الرواية البسيطة الباب على مصراعيه أمام جيل جديد، يحلم بالانتشار السريع، والترجمة من خلال دور النشر العالمية، التي يستهويها هذا اللون المنطلي على الشرق، من وجهة نظر الغرب .

وتوجه سمر المقرن روايتها نساء المنكر إلى مناصرة قضية المرأة، وكشف ما تتعرض له من قمع، خصوصاً من المتحدثين باسم الدين، متطرقة أيضاً بلغة جريئة إلى حياة النساء داخل السجون . وتعترف صراحة بأنها تراهن في كتابتها على الحقيقة، لا على المنجز الأدبي، ولعل هذا الصدق مع الذات يُحسب لها .

ويتمثل الجنس محركاً أساسيّاً للحدث الروائي، ومؤسساً للجرأة كغاية بحد ذاتها في حب في السعودية لإبراهيم بادي، وهي رواية ترصد علاقات عاطفية غير مكتملة بين رجل وخمس نساء، تسودها المشاهد الحسية، وإن كان المؤلف يطعّمها بدلالات نفسية، وإسقاطات اجتماعية .

ويطارد يوسف المحيميد، صاحب الحمام لا يطير في بريدة ونزهة الدلفين، سراب الأمل، متحدياً التغيرات الاجتماعية المذهلة في واقع متقلب، ويتسع نتاجه الإبداعي الخصب لما يعتري الحاضر والماضي القريب من صراع مع القوى الرجعية والتنظيمات الإرهابية .

وفي روايته حكومة الظل، التي حققت مبيعات واسعة في أكثر من طبعة عربية، يقدم منذر القباني عالمه الدرامي مغلفاً بالتشويق والإثارة والبوليسية، متأثراً بالرواية العالمية الشهيرة شفرة دافنشي، وهو لا يهمل بقية أركان الحبكة المقصودة، وفي مقدمتها إسقاط الأحداث التاريخية الواردة بالرواية على الأوضاع الراهنة . والمدهش، أن ناشر الرواية نفسه اعتبرها استجابة لأثر معين في الثقافة السياسية .