إذا كانت الرواية في أحد تعريفاتها هي الفن الذي يُوفق ما بين شغف الإنسان بالحقائق وحنينه الدائم إلى الخيال، فالنص السردي إذاً يقوم على اقتناص الأحداث الواقعية وبلورتها وتحويرها لكينونة لغوية تحيلها من الواقعي إلى الجمالي في إطار بنية سردية محكمة .

عادة ما تتضمن النصوص الأدبية هوية كاتبها، لكنها في المقابل لا تملك حداً فاصلاً واضحاً وملموساً بين الواقع والخيال، أو بين الخيال الذي يصير واقعاً، والواقع الذي أمسى أكثر غرابة من الخيال .

تفصل بين الواقعي والمتخيل شعرة رفيعة، غير مرئية، لكنها محسوسة، تصل الواقع بهواجس الذات وتوجهاتها، وتفرض حقيقة الفعل الواقعي ورد الفعل التخييلي المصاحب له في تعامل الإنسان مع ذاته، ومع ما يدور حوله من ممارسات، قد تكون هذه الممارسات غرائبية بالنسبة إليه، وقد تكون غير مألوفة في واقعه الذاتي، إلا أنها تمثل مرحلة الوعي، ومنطقة الإدراك، وبؤرة التمييز بين ما هو حقيقي، وبين ما يدور في منطقة الهواجس من موضوعات يتمثلها المرء، ويرسم لها حدود الاسترجاع في واقعه الآني . بحسب الناقد قحطان بيرقدار .

وهذا يضيف بيرقدار أن القدرة التخييلية على استرجاع الواقعي تجرنا في بعض الأحيان إلى الإحساس بهذا الواقعي الذي ولَّى ومضى وكأنه حقيقة نراها الآن ونشعر بها ماثلة في أذهاننا، بينما هي في الحقيقة منطقة موجودة في اللاوعي تبدو وكأنها ذات قدرة على التشكل والتلون والظهور مرة أخرى بمظهر مغاير لما كان يدور في المخيلة، وأن محاولة استعادتها مرة أخرى، ومعاودة استرجاع أحداثها التي مرت عليها سنوات طويلة، تجعل التلاحم بين الواقعي والمتخيل مؤسساً لواقع جديد، هو لا شك واقع إبداعي آني له آليته الخاصة، قد يختلف عن الواقع الحقيقي في أنه مشحون برؤية فردية أو جماعية خاضعة لقوانين المكان والزمان في شكلها الذي ينتسب إلى التجربة الروائية في كثير من الأحيان .

ينطلق الروائي في أعماله بدافع التفاعل مع ما يدور في عصره، وبدافع التعامل مع المخيلة في وظيفتها الابتكارية في سرد القضايا الدائرة في حدود عالمه، والتي قد تكون مختزلة ومختزنة في بعض الأحيان في منطقة اللاوعي، وتلح في الظهور من آن إلى آخر، بحيث يصبح تشكيل مفردات هذا العالم بكل ما كان يحمله من تاريخ وقضايا وشخوص هو الحالة الآسرة لهاجس الكتابة، وتكون تجليات هذا التشكيل هي المحور الأساس في التعبير عن واقعه الذاتي والموضوعي من خلال المتخيل، وما ينداح عنه من موضوعات تؤرق الكاتب وتمس جوهر الممكن والمحتمل في عالمه الخاص .

بموازاة ذلك فإن مكمن البراعة يتعلق في استحضار عناصر ومقومات الواقع بقوة في العمل الروائي، لدرجة أن القارئ نفسه يتحول إلى جزء من مكونات الرواية على ستوى المكان أو التكوين المادي أو الحدثي .

يحدث هذا بسبب قوة الأداء الروائي الواقعي، أما مكمن الإخفاق، فغالياً ما يتعلق بالضمور شبه الكلي لدور المخيلة في تأثيث الحدث الروائي عموماً، وهنا عادة ما يحدث تقاطع واضح بين الواقع والخيال، وهو ما يجرد الرواية من رموزها ومؤثراتها الجمالية التي تُستمد من الخيال غالباً، وحينها سنلاحظ غياباً شبه كلي للمزاوجة المتقنة بين الواقع والخيال في كلا النوعين، رواية الواقع ورواية الخيال .

الروائي العالمي غابرييل غارسيا ماركيز صاحب مئة عام من العزلة يصلح كمثال بارز هنا، فقد انطلق في عالمه الروائي من واقعه الذي ينتسب إلى كولومبيا، وإلى قريته، بل إلى تأريخه ووقائعه الشخصية، لكنه بسبب براعته لم يركن إلى تلك المقومات الواقعية البحتة، فتحايل على الواقع ببراعة مماثلة، مع أنه انطلق منه، ليكتب لنا أروع الروايات في تاريخ السرد الروائي العالمي، والسبب كما يشير النقاد هو أنه زاوج بموهبة أصيلة وفذة ين الواقع وسحر الخيال، ليقدم لنا ما اصطلح عليه الدارسون في حينها بالواقعية السحرية .

أما في ما يخص الرواية العربية الحديثة فيرى الناقد المغربي جميل حمداوي أن الخيال لم يُستثمر بشكل فاعل ووظيفي في الرواية العربية إلا مع الرواية الجديد التي حاولت التجريب لتكسير النمط السردي القديم وتأصيل الرواية العربية، وربطها بتراثها العربي القديم والمشاركة في ارتياد آفاق العالمية عن طريق تمويه الواقع والسمو بالخيال وتغريبه بشكل عجائبي واستلهام النصوص العجائبية الموروثة .

ويضيف حمداوي أن أهم عامل وراء ظهور هذا النوع من الأدب في الحقل العربي يتمثل في طبيعة الواقع الموضوعي: التاريخي والسياسي . إن صلة الإبداع الأدبي بمحيطه الاجتماعي والتاريخي هي من القضايا الفكرية المستعصية على التدقيق، وقد نتجت عنها استعمالات نظرية ومنهجية ذات مفاهيم تنتمي إلى عدة حقول معرفية: اجتماعية ونفسية وفلسفية، ولذلك فإن ما تقتضيه تلك الصلة حين يتعلق الأمر بالخطاب الحكائي هو الانتباه إلى حالة التخيل المركب: ظاهر ومضمر، متحقق ومحتمل، محايد ومباشر، لولاها لظل أي تصوّر للتخييل الحكائي بعيداً عن امتلاك قيم ثقافية نوعية ودالَّة .

لكن في المقابل ينبغي ألا يكون الخيال مقيداً في أي فن من الفنون الأدبية خصوصاً في مجال الرواية . إذ يجب على الكاتب أن يتعامل مع الخيال بأسلوب شفيف ويستخدمه كأداة من أدوات العمل الفني المتعددة .