يلاحظ المتابع للرواية النسائية في الإمارات ذلك التوجه نحو التأريخ للتغيرات التي حدثت في المجتمع خلال العقود الماضية، في رواية حلم كزرقة البحر لأمنيات سالم سنجد نوستالجيا عاصفة تذهب بالساردة إلى ذكريات الطفولة والأسرة والمدرسة لترصد منمنمات عالم قوضته الحداثة، لقد كان البحر في وعي البطلة كالحليب ينفتح على عالم مجهول ساحر. أما أسماء الزرعوني في رواية الجسد الراحل فتلتقط صوراً شبه فوتوغرافية تصور فيها فترة المد القومي الناصري وانسحاب

بريطانيا من الخليج وقيام دولة الاتحاد. وربما من منطلق مشابه تتخذ رحاب الكيلاني من متعة التأريخ بالرواية هدفاً للسرد في عملها تثاؤب الأمل حيث تبدأ الرواية بجملة صندوق خشبي مركون على زاوية العمر هو صندوق الذكريات المرتبط بالتأريخ لشخوص الرواية. ومن هذه المفردات وغيرها كما سنلاحظ لاحقاً يمكننا القول إن الرواية الإماراتية تمتلك القدرة ليس فحسب على الرد الشهرزادي على الشهريارية التاريخية ولكن أيضاً التأريخ للمكان الذي تعيش فيه وتتأثر بمتغيراته وتحولاته.

في رواية شجن بنت القدر الحزين لحصة جمعة الكعبي نصادف شابة أخرى في السابعة عشرة، تتنكر بهيئة شاب، وتجمعها المصادفة حين تبيع الذهب لصحافي شاب بحريني، فيشتبه بتنكرها، ويلجئها في شقته، حيث سينفضح التنكر، وينشب العشق، ويعلم خالد ان عائشة التي تلقبت ب شجن هربت من ذويها طلباً للحياة. فمقابل هؤلاء الذين يعيشون لأجل قلتها، تعلن عزمها على أن تتحرر من قيود الذل والهوان، كما تعلن: سوف اخلق قدري بنفسي ولن أعيش بقدري الذي فرض علي.

يعين خالد الهاربة على السفر، وياللمصادفة: هي تنشد الهرب الى البحرين، وهو البحريني يحملها رسالة الى من ستعمل عنده ويؤجرها سكناً، الى أن يحضر خالد، فتتفرع قصة جديدة له مع من كان يعشقها فريدة، لكنها تزوجت، والآن تحاول العودة الى خالد الغارق في قصص شجن، منذ زوجها ابوها من مبارك، فطلاقها منه لسكره وفساده، الى أن تخلى عنها العاشق الذي تزوج من سواها كما شاء أهله، الى تزويج ابيها لها مرة أخرى، فالطلاق.

بين خالد وعايشة شجن لا يقوم العشق فقط، بل التناظر بين هربه من البحرين الى الامارات ليتخلص من فريدة، وهرب عايشة شجن من الامارات الى البحرين للتخلص من ذويها. إلا أن أباها وأخاها سيلحقان بها بعدما يفتضح أمرها وخالد جراء حادث سير، ويجتمع في القضاء عليها أخوها والسرطان في المخ، بينما تستيقظ أخيراً مشاعر الأب فيطلب منها السماح. وقد توشى كل ذلك بالبوليسية وبالسذاجة التي بلغت ان جعلت الحوار بين خالد وشجن المتنكرة باسم فهد في البداية اشبه بالكلام على الناصية. ولأن الحديث هنا يتعلق برواية، فربما لا يبقى من شجن بنت القدر الحزين ما رآه خالد بن محمد القاسمي في خاتمة تقديمه لها، إذ عدها دعوة للخروج من ليل أليل والدخول في نهار مشرق.

أمنيات سالم: حلم كزرقة البحر

ما الذي يتبقى حين تنأى الذكريات وتصير حلماً؟.

بالسؤال تبدأ الكاتبة الاماراتية أمنيات سالم روايتها حلم كزرقة البحر. وسرعان ما تندفق الذكريات لتتماهى الرواية بالسيرة، والرواية تصوغ نخلة من روحها قائلة: وكأنني ألد نفسي. الى الجزيرة الحمراء تفر الراوية من المدينة الحديثة. والجزيرة الحمراء بقعة من امارة رأس الخيمة، حيث نشأت الراوية قبالة البحر. الذي لم يجد غير رأسها بقعة يستوطنها: ربما لهذا السبب لا أرى بوضوح داخل رأسي غير زبد وموج عات وممرات عميقة مملوءة بالمرجان ولؤلؤ منثور بلا صياد ماهر.

وهذه المسكونة بالبحر تعصف بها النوستالجيا الى الطفولة والأسرة والمدرسة، وذلك العالم الذي تقوض منذ هلّ الزمن النفطي بالحداثة وما بعدها، في الطبيعة والمجتمع، في الجسد والروح. ولعل ذلك ما جعل نصيب التداعي في البناء الروائي راجحاً. بيد أن الكاتبة اسلمت السرد ايضاً لغير الرواية، فتعددت زوايا النظر، واختلف القول، وتداخل الزمن النفطي الحداثي بما قبله. وعبر ذلك سمقت شخصيات الأب والجدة والخال، سواء بعلاقتها بالرواية أو بما يندفق من ذكريات كل منها، لتعيد تشكيل الجزيرة الحمراء التي باتت قفراً منفراً، وقد كانت بيوتها صغيرة ومتراصة ومتآلفة، جزيرة ساحرة لا اعرف لم سموها الحمراء، ربما لأن ترابها كان أحمر بشكل مدهش، كنت أرى النوارس على شاطئها كأنها قطع غمام عذبة متناثرة على سطح ازرق لامع كالساتان.

لقد كان البحر حليباً - عنوان الفصل الأول: البحر حليب وأنا البسكوت - لكنه كان ايضاً الأب الذي يعمد طفلته بالسباحة في هذا المجهول الساحر وقد جاء بالقراصنة كما جاء باللؤلؤ. وقد تولى الأب - كما تولت الجدة - في الرواية رسم ذلك الشطر من الزمن قبل النفطي الحداثي، قبل ولادة الرواية، حين كان كل شيء شاقاً، وكان الأب فتى وكان العيب ان يفتتح عربي دكان تجارة بيع وشراء. كانوا يحسونه مقتصراً على القراشية رغم أن والدي كان تاجر لؤلؤ، يعرف كيف يحترم ماله ولا يبذر، ترك لي حرية التجارة. ولما ابتدأ النفط يخلخل ذلك الماضي خمسينات القرن العشرين سافر الأب الى الكويت يدرس ويعمل، ثم عاد عاملاً لدى تجار دبي، فأبوظبي، حيث باتت للرواية ذاكرتها وذكرياتها، لذلك تستعيد السرد. واللعبة عينها تتثنى مع الجدة، سواء قبل أن تكون للراوية ذكراتها وذكرياتها أم من بعد. فتلك هي الحفيدة تشارك جدتها طحن الكحل وتعبئته في زجاجات، وبيعه في أنحاء الفريج. وتلك هي البراقع التي كانت الجدة تخيطها، العلبة السحرية لعدة الخياطة، العلكة ذات الورق الأصفر كأنها عسل مصفى، فبمثل ذلك تؤثث الراوية الماضي، بينما الجدة تنعطف حين تسرد ذكرياتها من ضمير المتكلم الى ضمير الغائب، وتقوم مقام الأب في غيابه، مثلما يقوم مقامه الخال الذي يصطحب الراوية الى الهند. وازاء الحضور الدافئ الغامر لذلك الثلاثي الأب - الجدة - الخال ينتأ غياب الأم إلا أن تقرع وتخيف الطفلة بكلب القيلولة الأسود الذي يلتهم الصغار إن خرجوا من بيوتهم. لكن الراوية ستخرج. ومن الفريج الى المدرسة سيكون لها الفضاء الموار بالصديقات والمدرسات والجيران، وإذا بالحياة فستان فضفاض، ملون ومزخرف بالعجائب، وإذا بعبدالحليم حافظ وإحسان عبدالقدوس وغادة السمان يملأون المراهقة بقصص واغنيات الحب حتى.. حتى تموت الجدة، فيتزعزع كيان الراوية. بل حتى يموت الأب، بل حتى يحل النفط وتتبدد حكايات الجن وكلب القيلولة وترين الكآبة وتنشب المدينة الغارقة بالزحام والأنفاس والألوان.

إنها منافي الغربة كما هو عنوان واحد من فصول الرواية. إنها خطوط الجنون كما هو عنوان فصل آخر. ومن حال الى حال، من زمن الى زمن، هي ذي الذكورة تسوط الأنوثة: ذات ظهيرة والرمال الناعمة تتشرب من الجو سخونته، أخرج لزيارة الصديقات المجتمعات الآن عند آمنة.. يناديني هندي: تعالي. أجري خائفة، يلحق بي، يضع يده على عنقي باحثاً عن سلسلة ذهب، لا يجد شيئاً، يضربني وافلت من يده مسرعة نحوهن. أبكي وأنا اجري اسابق الريح الساكنة ذاك الوقت.. أصل لأخبرهن بما حدث، تذهب احداهن لتخبر الأولاد المجتمعين عند أول الطريق، نركض جميعاً بحثاً عن ذلك الرجل المجهول، كل السكك خالية، اختفى، ننتظر عند دكان البقالة نتربص به، أعود للبيت مرتعشة وخوف ما شل قدرتي على إخبار أمي التي ستمنعني من الخروج بعد أن علمت بالأمر.

لقد ترجحت هذه الرواية في الرهان على السيرية وعلى اللغة الشاعرية، وكبر الرهان في بناء شخصيتي الأب والجدة كما في شخصية الراوية. غير أن فخ الذاكرة قد أوقع بالرواية غير مرة، فحق لناقد مثل عزت عمر أن يصفها بالمحاولة الخجولة التي تختلط فيها السيرة الذاتية بحياة ابطالها، كالعهد بكتاب الرواية الأولى.

ميسون صقر: ريحانة

لشمسة الاماراتية في هذه الرواية مشروعها الكتابي. وفي حوار بينها وبين عاشقها المصري هادف تتحدث عن مشروعها فتقول: أريد أن اكتب سيرة عبدة من خلال العالم القديم منذ الستينات الى الآن، اكتب عن العالم الهامشي الذي ينمحي من الذاكرة، رغم أن العبودية ألغيت. لكن هناك حالات تصل الى اقصى صراع وجودي. وتقول شمسة ايضاً: أريد أن اكتب عن الصراع مع المحور وأريد متاهة بلا نهاية. أما هادف نفسه فيخاطب شمسة: عليك أن ترصدي التغيرات الاجتماعية والسياسية الحادثة، ومدى تغير الطبقات وزحزحة القيم بين السادة والعبيد والمهمشين والوافدين والمقيمين.

فبعد أن تقدم الرواية لمحة في بدايتها عن شجرة الرولة وتمثالها، وعن الحصن والسجن والحاكم والعبيد، تسرع الوثيقة عارية لتقدم المعلومات التاريخية حرفياً، ومضفورة بين الأقواس، مما يتعلق بتجارة اللؤلؤ وتجارة الرقيق والانجليز. وإذا كان مثل ذلك سيلي في الرواية، فسوف يتوالى ايضاً تصريف المعلومة عبر سيرة ريحانة وعلى لسان شمسة نفسها. وحيث ينهض البناء الروائي من التفاصيل اليومية في البيت والجامعة، وبخاصة بعدما تولت شمسة السرد، وتنحت ريحانة جزئياً منذ انتهى ثلث الرواية الأول.

تترك ريحانة زوجها حبيب وترحل الى القاهرة مع عمتها أي سيدتها التي ورثتها عن ابيها، وهي والدة شمسة. وترعى ريحانة شمسة في طفولتها. ومنذ هذا الشطر المبكر في الرواية يتلون السرد، من ضمير المتكلم اليرحانة، الى ضمير الغائب حول صدمتها بزواج زوجها حبيب من سواها، الى عودتها بضمير المتكلم، الى انتقال زمام السرد الى شمسة التي تسرد على هادف ذكرياتها، بينما يقفز الزمن عجلان من الطفولة الى الجامعة.

تتنازل السيدة عن ملكية ريحانة لاختها صفية التي تعود بالعبدة الى البلاد. وعبر علاقة ريحانة بالنوبي الأسود عم عبده، تأتي إضاءة أخرى للعبودية، فينتأ تاريخها منذ عمرو بن العاص والفراعنة وبيبرس. كما تأتي إضاءة مماثلة عبر القصص الفرعية، كقصة عليونة اخت ريحانة التي انضمت الى فرقة خموس للغناء والرقص، فعبر هذه القصة تصرف الرواية مقتطفات من المسعودي والقلقشندي. وثمة ايضاً قصة العبدة صالحة التي تخرج من بيت المعتمد البريطاني حاملة صك حريتها. وهكذا تشتبك قصص الماضي بقصص ما سيلي: صاحبة فرقة المعلاية خميسة/أم ريحانة مهيرة الخبلة والعبد الأسود رشود/العبودية في زنجبار والتي تفرد الرواية لها فصلاً معلوماتياً خاصاً/محراك الذي يلبس لباس امرأة/اعتاق المالكة صفية للعبدة ريحانة واعتاق العبد حبيب/استئجار حبيب وريحانة بعد عودتها له لأسرة تخدمها، وفي هذا الدفق الحكائي والتفريع القصصي تبدو ريحانة مقلدة لسيدتها، كما تبدو لساناً للساردة إذ تقول: أنا أريد امتلاك نفسي من خلال هذا العالم، لكن لا أعرف كيف اسجن بحريتي. وهذه التي كانت عبدة بجسد حر صارت نموذجاً آخر لم تحلم به، وسيلي أن جسدها كان حراً عندما تزوجها حبيب. ولكل ذلك تشترط على حبيب أن يطلق زوجته الثانية فطوم حتى تعود اليه.

تقيم الرواية تناظراً بين عبودية ريحانة وحياة شمسة التي ترى أن المجتمع لم يتحرر، وأن قيم العبودية مازالت قائمة. فها هم الأهل يزوجون في النهاية شمسة لابن عمها المنذورة له. وبينما قالت العبدة ريحانة لمالكتها الأولى والدة شمسة إنها تحب العبد حبيب وتريد الزواج منه، لم يأبه أحد بإعلان شمسة حبها لهادف، فتخاطبه: أنا عبدة، عبدة لتصوراتك وتصوراتهم، لخوفي ورعبي من العالم حولي ويبلغ الأمر بشمسة أن تحاول الانتحار، وهي التي تدرك أنها ستظل ميتة ساكنة واشبه بالنعامة، وترفض ان تكون ملكة عسل تقتل الذكور، كما ترفض أن تكون فقط نحلة شغالة: أنا احب أن أكون ملكة ليل فقط، احب أن أكون شمسة ذات المفتاح الأسود الكبير، ذات الحكايات التي اسقطوها مني دون أن اتخلص منها.

قبل هذه النهاية تقدم الرواية علاقة شمسة وهادف الطالبين في الجامعة، حيث تنشط الجماعات الإسلامية، سواء ضد إسرائيل أم بدعوة شمسة الى التحجب. وبينما تنتهي الجدة شمسة عن التدخل في السياسة متعللة إحنا هنا ضيوف تمضي شمسة في هذا السبيل، كأبيها وشقيقتها وجدتها نفسها. ومن الحياة الجامعية تقدم الرواية حوارات الماركسيين والتروتسكيين، ومحاولة شمسة ان تكتب بحثاً عن ثورة ظفار. غير أن ذلك السبيل سيعطب علاقة هادف وشمسة التي ترى نفسها مشدودة بين اسرتها وعاشقها، فيما لا يرى كل من الطرفين سوى جزء منها. وشمسة ترى أن هادف يعاملها كعجينة يحاول تكشيلها، لكنها ترفض، ويبلغ الأمر ان يتخلى عنها. وبموازاة ذلك تستقطب الجماعة الاسلامية ناصر ابن العبدة ريحانة، فيلتحق بالأفغان العرب، وتنبق التأرخة من جديد بما تحشده الرواية من تاريخ الجهاد في البنجاب. وبعودة ناصر الى القاهرة باحثاً عن أمه ريحانة التي اختفت، تبرز رمزية مفتاح السجن الذي احتفظت به شمسة واعطته لناصر العائد قائلة: هذا ما ظل من ريحانة، يمكن تقدر تفتح به سجنك.

تذكر الكاتبة في خاتمة الرواية أنها اعتمدت بعض المراجع التاريخية وبعض المرويات. وإذا كانت المرويات حكاية السمكة أو حكاية عليونة.. قد وشحت الرواية بالحكي الشعبي والمخيلة الشعبية، فإن المراجع قد اثقلت عليها بالمتناصات، وليس فقط بما يتعلق منها بتاريخ العبودية، بل ما يتعلق ايضاً بتاريخ الحركة الشيوعية المصرية أو اشعار نيرودا أو رواية بجعات برية. لكن ذلك، في الوقت نفسه، اثرى عالم الرواية ولغتها التي تلونت بالعامية المصرية.

أسماء الزرعوني: الجسد الراحل

الى ما قبل النفط تعود رواية أسماء الزرعوني الجسد الراحل فتنقل صوراً من فترة المد القومي الناصري حتى انسحاب بريطانيا من الخليج عام 1971 وقيام وحدة بين الامارات. وقد توسلت الرواية الاسترجاع الذي يقوم به بطلها عيسى خلال ما تستغرقة رحلة عودته من لندن الى الامارات. إنها ساعات معدودات، لكن عيسى العائد مع أبنائه الأربعة يملأ الساعات بما امتلأت به سنوات منذ كان في السادسة عشرة، حين صفعه والده فهرب حاملاً ذكرى زواج أبيه بعد ما رحلت أمه، وذكرى عشقه لبدرية، وذكرى مقامه عند أهل ليلى التي تتعلق به لكنه هاجر الى لندن، وتزوج من ابنة رئيس عمله الباكستاني المتبرطن. وستجمع لندن بين ليلى وعيسى الذي لم تنل لندن من شرقيته، ويدفعه الحنين أحيراً الى العودة الى الوطن، لكن كل ذلك يأتي في إهاب حكائي بالغ التواضع.