هناك جزء من التاريخ لم يكتبه المؤرخون، أغفل الملامح الفردية للبشر، أفراحهم، آلامهم، أحزانهم، آمالهم وطموحاتهم . هل تذهب الرواية التاريخية إلى تلك الأماكن المنسية في كتابات المؤرخين وتؤنسن التاريخ وتخرجه من الأرقام والإحصاءات والرسوم البيانية والمعالجة الوثائقية، تعيد إليه الحياة، تكسو التاريخ بالدم واللحم وتجارب البسطاء والفقراء والمهزومين والمقهورين الذين لم يدون التاريخ حكاياتهم ولم يسجلهم في دفاتره الضاربة في عمق الزمن؟ التاريخ من وجهة نظر البعض هو تسجيل لأخبار المنتصرين ومن وجهة نظر أخرى هو رواية لأحداث من زاوية فردية عايشت الحدث وأسبغت عليه رؤيتها الخاصة، وهو في كلتا الحالتين نسبي ولا يقدم الحقيقة المطلقة، أما الرواية فهي تسبح في فضاءات
وأفق وخيال ورؤى لا يستطيع المؤرخ أن ينفذ منها، لأنه محكوم بالحقائق الموضوعية والأسباب والنتائج . حول إشكالية الرواية التاريخية وعلاقتها بالتاريخ الرسمي انبثقت أسئلة مهمة، مثل: هل يراعي كاتب الرواية التاريخية التزام الصدق والأمانة في نقل الأحداث والاعتماد على الوثائق المكتوبة أم له حرية التصرف بالإبداع والتخيل؟ وما حدود الحقائق التاريخية والمتخيل الدرامي للرواية؟ وهل يمكن كتابة الرواية المضادة للتاريخ التي تشكك في التاريخ الرسمي ويطرح الروائي رؤية ناقدة للتاريخ؟ وما مساحة الحرية المتاحة للكاتب لتناول أحداث وشخصيات حقيقية ضمن أحداث الرواية التاريخية؟ تباينت آراء الروائيين والمؤرخين والنقاد حول علاقة الرواية التاريخية بالأحداث الواقعية .
يذكر الباحث والروائي يوسف زيدان أنه لو التزم الكاتب بالوقائع التاريخية بشكل كامل، فهذا يعني أن هذا الكاتب مؤرخ وليس أديبا . ولا ينبغي أن يغيب عنا هنا، أن التاريخ نفسه هو رواية قدمها أحد الأشخاص، من واقع المنظور الخاص به . ويضيف زيدان أن الوقائع التاريخية الكبرى المشهورة، مثل حروب رمسيس الثاني مع الحثيين في النقوش المصرية القديمة تتحدث عن موقعة قادش على أنها انتصار للمصريين، بينما النقوش الحثية المكتشفة أخيرا تتحدث عن الموقعة باعتبارها انتصارا لهم . وفي الزمن المعاصر نتحدث في مصر عن العدوان الثلاثي عام ،1956 باعتباره لحظة انتصار، بينما الغرب يرى الأمر على أنه ضربة تأديبية عقابا لمصر على تأميم قناة السويس .
ويتساءل زيدان: أين التاريخ هنا؟ التاريخ محض رواية، يقدمها جانب واحد من زاويته الخاصة . أما الأدب فهو المحاولة الدؤوب للفهم وإعادة بناء الوعي التاريخي، بحسب القاعدة الذهبية التي وضعها ابن خلدون في المقدمه ما نصه: ينبغي علينا إعمال العقل في الخبر التاريخي . ويؤكد أن على الروائي أن يُعمل عقله ووعيه في التاريخ، فيعيد بناءه على النحو الذي يؤسس لوعي حقيقي بهذا التاريخ، وليس في وسع المؤرخ أن ينكر واقعة تاريخية ثابتة، وإنما هو يتحرك بخياله وشخوصه حول هذه الواقعة أو تلك لكي يزيدها نصوعا في الأذهان . ويعتقد زيدان أن التاريخ أمر أكثر أهمية من أن نتركه للمؤرخين! لأن إدراكنا للوقائع المعاصرة والحياة المعيشية، يتم وفقا لوعينا التاريخي، وتكمن المشكلة في أن البعض يتوهم أن التاريخ مقدس ولكن التاريخ الرسمي هو الذي كتبه المنتصرون .
ويؤكد زيدان أن هناك مساحة واسعة لحركة التأليف الروائي الذي يتماس مع التاريخ، والمحظور الوحيد هو تغيير الكاتب سواء عن جهل أو عمد، للوقائع التي لا سبيل إلى إنكارها مثل سقوط بغداد على أيدي المغول 656 هجرية، فلا يمكن التشكيك في هذه الواقعة التاريخية . وللروائي من بعد ذلك أفق غير محدود، للحكاية الخيالية عن شخوص روايته الذين عاشوا في هذه الفترة، بشرط إضافي مهم هو أن يعرف الروائي هذه الفترة معرفة جيدة، فلا يقدم لنا شخصيات مشوهة أو غير متوافقة مع طبيعة الحياة فيها .
الرواية المضادة
الروائية سلوى بكر تعرضت إلى أنواع من الروايات التاريخية منها الرواية التأريخية، والرواية ذات البعد التاريخي التي تملأ الفراغات التاريخية التي لم تدون في السجلات التاريخية، وتحاول أن تعيد العلاقة بين المتن والهامش التاريخي . طرحت بكر تساؤلا مهماً ينطلق من أن التاريخ يكتب من وجهة نظر صانعيه ويعبر عن مصالحهم فهل يجب على الروائي أن يأخذ التاريخ المعطى أو المطروح كما هو أم يعيد النظر فيه ويحاول تأويله وتفسيره من جديد ومن وجهة نظر أخرى؟ وحبذت بكر كتابة رواية مضادة للتاريخ لأنه أمر إيجابي أن نطلق العنان للخيال والعقل معا، وإعادة الأسئلة حول المسائل الشائكة والمسكوت عنها، لأن أي كتابة في النهاية تتجاوز المرجعيات الرؤى المحددة المتعارف عليها .
وأضافت أنه من الممكن أن تصبح كتابة الرواية تزييفا للتاريخ، من خلال المبالغة في رسم كل ما هو إيجابي في بعض الشخصيات التاريخية، مثل صلاح الدين الأيوبي ومحمد علي . موضحة أنها مع حرية الكتابة بكل أشكالها حيث إنه لا يوجد طريق واحد لمعرفة الحقيقة، لنطرق كل الطرق والسبل وكل منا يصل إلى الحقيقة من وجهة نظره .
ويذكر الروائي محمد المنسي قنديل أنه ليس من المفروض على الأديب أن يلتزم بالأحداث التاريخية، ولكن يمكن تخيل أحداث موازية للأحداث التاريخية، وفي بعض الأحيان تكون متناقضة لها، فالروائية الإنجليزية الفائزة بجائزة البوكر لهذا العام هيلاري مانتل، عن رواية وولف هال فازت لأنها أتت برؤية مغايرة للأحداث التاريخية، فهي حولت كل الأبطال إلى أوغاد، والأوغاد أصبح لتصرفاتهم مبرر . ويقول قنديل إن مقرر التاريخ الذي يدرس في المدارس الغربية يعطي للطالب روايات عدة ويتعلم الطالب كيف يتوصل إلى الحقيقة وسط كل المعلومات المتناقضة، ولكن التاريخ عندنا أحادي الجانب على الرغم من أنه لا توجد حقيقة مطلقة .
ويتمنى قنديل وجود رواية مضادة للتاريخ لتقوية غريزة التفكير وعدم الأخذ بالمسلمات، لأنه لا توجد قدسية للتاريخ، كل فرد يراه بزوايا مختلفة ومتغيرة حسب الزمن وحتى الوثائق تكون خاضعة لتصور الطبقة الحاكمة .
روح العصر
الروائي إبراهيم عبدالمجيد له رأي مخالف فهو يعتقد أن على الأديب أن يلتزم بالأحداث التاريخية ولكن له مطلق الحرية في تفسير هذه الأحداث . فهو عندما كتب لا أحد ينام في الإسكندرية استعان بالوثائق التاريخية، ومزج بين ما هو تاريخي وماهو درامي، في محاولة منه لاستحضار روح العصر كأنه كان يعيش في تلك الفترة الزمنية .
واتفق الروائي أحمد صبري أبو الفتوح مع عبدالمجيد في أنه إذا تناول الروائي أسماء أعلام وحوادث حقيقية، فهو ملزم بألا يبعد عن الحقيقة، وأما غير ذلك فالأديب حر في ابتداع الشخصيات التي يراها . يقول إنه عندما كتب روايته ملحمة السراسوة فإنه كتب ما يسمى بالتاريخ الموازي وهو التاريخ الاجتماعي للأسرة المصرية، وكان على وعي تام بالفترات التاريخية، واستعان بالعديد من المراجع والوثائق التاريخية ليوثق أحداث روايته . ويشير أبو الفتوح إلى أنه لا يمكن السماح بكتابة التاريخ المضاد على إطلاقه، لأن هناك حقائق تاريخية تشكل الوعي الجمعي لا يمكن المساس بها، وهناك روايات تاريخية تزيف التاريخ، وفيها مغالطات وكذب .
أما الروائي الشاب طارق إمام فيرى أن من حق الروائي أن يطلق لخياله العنان، لسبب بسيط أن التاريخ نفسه منحاز على سبيل المثال عندما يكتب مؤرخ عربي عن الحملات الصليبية، فإنه يعتبرها شراً مستطيراً، ومن وجهة نظر الغرب فهي أحد أسباب التبادل الثقافي بين الغرب والشرق ونقل حضارة الشرق إليهم . ومن يريد الحصول على المعلومات التاريخية فعليه الرجوع إلى كتب التاريخ ليحصل على ما يشاء، أما الرواية فهي شيء مختلف، ولا يجب الحكم عليها بناء على صدقيتها التاريخية، ولكن من خلال البناء السردي للأحداث بحيث تخرج وجهة نظر ورؤية جديدة للتاريخ، لذلك فإن إمام مع حرية الروائي في أن يتناول الأحداث التاريخية من وجهة نظره حتى لو تسبب في هز الثوابت والحقائق المتعارف عليها .
المؤرخ عبدالمنعم الجميعي أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر يشير إلى أن الروائي الحقيقي هو الذي يطلق لخياله العنان كيفما يشاء ولكن من دون أن يلوي عنق الحقائق التاريخية . حتى إذا كان التاريخ يكتب بوجهات نظر مختلفة ومتباينة حسب الأشخاص والجنسيات والمصالح، ولكن من واجب المؤرخ أن يخلع ثوب قوميته ودينه ويمحّص كل المعلومات ليصل إلى ما هو أقرب إلى الحقيقة التاريخية، ويجب على الروائي أيضا أن يلتزم الدقة حتى لا يتسبب في تزييف التاريخ وخصوصا أن الرواية مقروءة أكثر من كتب التاريخ . ويقول الجميعي إن نجيب محفوظ كتب الرواية التاريخية بدقة، خصوصا الثلاثية وحديث الصباح والمساء وغيرهما من الروايات، حتى أن المؤرخ يأخذ من روايات نجيب محفوظ عندما يريد الكتابة عن تاريخ مصر الاجتماعي والسياسي في تلك الفترة، لأنها اشتملت على معلومات ليست موجودة في الكتب التاريخية . كما أن كلا من توفيق الحكيم في عودة الروح وجمال الغيطاني في الزيني بركات كتب روايات تاريخية تفيد المؤرخ كثيرا .
أما المؤرخ عبادة كحيلة أستاذ التاريخ الإسلامي فيرى أن الرواية التاريخية شأنها شأن أي رواية أخرى ولكن الفارق أن الروائي يستدعي عناصره الدرامية من الماضي ويحدد موضوعا بذاته في حقبة تاريخية معينة، لذلك عليه أن يلتزم بالحقائق التاريخية، فيجب ألا يقول على سبيل المثال إن الإنجليز احتلوا مصر ،1950 فهذا تزييف لحقيقة تاريخية معلومة، ولكن من حق الكاتب أن يخلق أشخاصا وأحداثا ليست موجودة في كتب التاريخ، ويمكن أن يكون للأديب رؤية خاصة للواقعة التاريخية ويتناولها من منظور يختلف عن المؤرخ المقيد بوثائق وسجلات لا يمكنه الفكاك منها .
ويشير كحيلة إلى أن الصهاينة عندما عرضوا مسرحية تاجر البندقية لشكسبير على مسارحهم تناولوا شخصية اليهودي بمنظور مختلف عما كتبه التاريخ، كما أن هناك بعض الروايات التي كان لها دور في تشويه التاريخ مثل الروايات التي كتبها بعض الغربيين المنحازين ضد الحضارة الإسلامية، والتي حولت إلى أفلام سينمائية مثل فيلم لورانس العرب الذي يعطي انطباعا بأن لورانس هو قائد الثورة العربية الكبرى على الرغم من أنه عميل مزدوج .
ويؤكد المؤرخ وأستاذ تاريخ العصور الوسطى قاسم عبده قاسم أن التاريخ والرواية يتفقان في الحكي، التاريخ يحكي ويفسر ويحلل ويحاول الوصول إلى قوانين تقدم الإنسان في الحياة والكون، أما الرواية فهي ترصد وتحلل وتفسر وتحتج وتتمرد، لذك هناك علاقة جدلية بين التاريخ والرواية، فالاثنان يتفقان في وجود ثلاثية الإنسان والزمان والمكان، ولا يمكن للمؤرخ أن يفهم التاريخ من دون أن يعرف إبداعات العصر التاريخي الذي يتناوله . والفرق بين المؤرخ والروائي أن الأول لا يمكنه ان يبتكر أو يخترع ولكنه يعتمد على المصادر ومقيد بها، أما الروائي فهو يخلق شخصيات ويبتكر أحداثا ولكنه عندما يكتب رواية تاريخية يحبس نفسه في إطار الحقائق التاريخية للعصر، ولابد للروائي الالتزام بالصدق التاريخي والصدق الفني .
ويشير قاسم إلى أن رواية جمال الغيطاني التاريخية الزيني بركات، والبشموري لسلوى بكر لا تختلف كثيرا عن التاريخ، ولكن مذاقها أجمل، وأكثر تشويقا عن كتب التاريخ الجافة .
ويقول الناقد العراقي خضير ميري إن الرواية التاريخية العربية في حالة انحسار في الكتابة المعاصرة، والسبب يعود إلى أن الروائيين يفضلون كتابة السيرة الذاتية أو الرواية الاجتماعية، أما الرواية التاريخية فتتطلب جهدا وتفرغا ومادة جيدة ومعايشة لأحداث الماضي لاستخلاص الجو التاريخي الذي يريد كتابته، وهذا يتطلب جهدا ووقتا أكبر من الرواية الاجتماعية .
ويشير إلى أن كتابة الرواية التاريخية لا يقوم بها سوى روائيين كبار يمتكلون أدوات وحرفية، وهناك عدد قليل من الكتاب العرب الذين أجادوا كتابة الرواية التاريخية مثل أمين معلوف وإبراهيم الكوني، ومن الممكن الاستفادة من تجربة نجيب محفوظ الذي بدأ بكتابة الرواية التاريخية مثل عبث الأقدار ورادوبيس و''كفاح طيبة وكان يريد كتابة روايات عن تاريخ مصر، ولكنه توقف عن كتابة الرواية التاريخية وتفرغ لكتابة الرواية الاجتماعية والفلسفية .
ويذكر الناقد صلاح السروي أنه إذا اختار الروائي أن يكتب رواية تاريخية فعليه أن يلتزم بالأحداث التاريخية الكبرى، أما في المنطقة الرمادية التي لم يفصلها التاريخ فإن الروائي من حقه أن يتصور ويتخيل شخصيات وأحداثا لم تحدث، والروائي ليس مؤرخا، ولكنه شخص يكتب ما لم يستطع التاريخ أن يدونه من حيث بناء الشخصيات، عالمها الداخلي، انفعالاتها، مصادر القوة والضعف . ليس من حق الروائي أن يعيد كتابة التاريخ من وجهة نظره فسقف الرواية التاريخية هو الحقيقة، وعليه ألا يتجاوزها وألا يكون مزورا للتاريخ، وتشهد الساحة العربية الآن ازدهارا للرواية التاريخية، ويقسم السروي مراحل كتابة الرواية التاريخية إلي ثلاث موجات، كان على رأس الأولى نجيب محفوظ وبدأت بعد ثورة ،1919 والثانية بدأت بعد هزيمة ،1967 ومن أبرز كتابها جمال الغيطاني وسعد مكاوي الذي كتب السائرون نياما، وأبو المعاطي أبو النجا الذي كتب رواية عن عبدالله النديم، والثالثة تبدأ بفتحي امبابي وروايته نهر السماء وسلوى بكر التي كتبت أربع روايات تاريخية، وصنع الله إبراهيم الذي كتب العمامة والقبعة وبهاء طاهر الذي كتب واحة الغروب . ويعتقد السروي أن هناك قانونا يحكم ظهور الرواية التاريخية، وهو انكسار الواقع وضياع الحلم، لذك يلجا الروائيون إلى التاريخ ملاذاً أخيراً وبديلاً عن الواقع المرير .