يحتاج الحديث عن الرواية العربية المعاصرة الى اكثر من مقال وأكثر من تحقيق. للرواية سحر أدبي خاص وتاريخ مكثف يبدأ بتلازم النهضة/ نشأة الرواية وينتهي بالأزمة/ تراجع الرواية، هناك جدل شديد ومنذ سنوات حول الرواية في الوطن العربي هل نعيش زمن الرواية؟ وهل أصبحت بحق ديوان العرب؟ وماذا عن الانتاج الكمي الضخم الذي تشهده الساحة العربية في حقل الرواية؟ وهل أفرز هذا الانتاج تحولات كيفية في أساليب السرد الروائي في الوطن العربي؟ وماذا عن التحولات المصيرية الذي يعيشها العرب مؤخراً؟ هل استطاعت الرواية رصدها والتعبير عنها؟ اسئلة عدة تتماشى مع نقاط ثقافية حساسة في واقعنا الراهن حاولنا الاقتراب منها في هذا التحقيق.
يقول الناقد الدكتور عبدالمنعم تلمية: على الرغم من أن المجتمع العربي يشهد في زماننا هذا مأزقاً ثقافياً خطيراً، إلا أن الأدب العربي يمر بازدهار ملحوظ، فثمة صحوة في مجالات الرواية والقصة والشعر. ومعلوم أن الأدب والفن عامة يتغلب على القهر والاستبداد بطرائقه الخاصة، فيلجأ إلى الدلالات والكنايات ويعلو بها في درجات المجاز حتى يصل إلى الرموز التي لا يستطيع تفكيك شفراتها إلا القارئ البصير أو الناقد الخبير.
وبرغم ذلك يعترف الدكتور تليمة بأن النقد العربي يمر بأزمة عميقة، ويرجع أسبابها إلى ضيق مساحة الحريات الشخصية والسياسية والعامة، إضافة للتضييق البيروقراطي على حرية الفكر والتفسير والتأويل، وترتد هذه الأسباب من الوجهة الخاصة إلى أمرين، فالناقد لا ينهض بمسؤولياته الفكرية إلا بإعداد علمي منهجي دقيق وهذا الأمر متعثر تماماً في جامعاتنا ومعاهدنا ومفتقد في برامجنا ومناهجنا التعليمية، أما الأمر الثاني فيتعلق بغياب الجماعات والجمعيات والاتحادات الثقافية التي لا ينهض النشاط النقدي بدون مساندتها، إذ تقوم هذه المؤسسات بحماية الناقد وتصون حريته وتنمي نشاطه بالتأهيل الفكري والعلمي اللازم.
يختتم الدكتور تليمة حديثه قائلاً: يؤدي هذا الواقع النقدي إلى نتائج واضحة: كثرة من الإبداعات مع غياب شبه كامل للتقويمات النقدية والثمرة.. لا معايير تحدد القيم الجمالية ولا موازين تميز التيارات والاتجاهات والمدارس الفنية. إنه الاضطراب السائد في ساحة الثقافة العربية.
احكام مطلقة
ويرى الناقد الدكتور محمد عبدالمطلب أن النقد لا يمكن أن يكون مسؤولا عما يشاع عن تراجع القصة القصيرة والشعر في مقابل الرواية، إذ أن النقد تابع للإبداع الأدبي وليس سابقا له، لكنه يرى أن هناك في الفترة الأخيرة خلطاً غير دقيق بين شتى أشكال السرد، بحيث أصبح البعض يخلط بين الرواية الطويلة والمسلسل الدرامي، إضافة للمقولات التي روج لها بعض كبار النقاد بأننا نعيش زمن الرواية، وهي أحكام مطلقة تفتقر إلى الدقة، إذ أن الأجناس الأدبية كلها تتساوى في الأهمية ولا يمكن تفضيل أحدها على الآخر إلا وفقا لالتزام كل عمل أدبي بالمعايير الجمالية.
يستطرد الدكتور عبدالمطلب: بحكم إشرافي على إحدى السلاسل الأدبية الشهرية يرد إلي كم كبير ومتنوع من الإبداع الأدبي يأتي الشعر في المرتبة الأولى من حيث كثافة الإنتاج الإبداعي، يليه القصة القصيرة، فالرواية، وفي ذلك إشارة لضرورة مراجعة ما يطلق حول موت الأشكال السردية الأخرى في مقابل ازدهار الرواية.
أما عن الأسباب التي تدعو النقد العربي لتتبع الأعمال الروائية بصورة تفوق كثيراً متابعة الشعر والقصة فيردها الدكتور عبدالمطلب إلى الطبيعة الخاصة للرواية التي تتيح مجالاً واسعاً أمام الناقد لدراستها فنياً، في حين يبقى الموضوع هو العنصر الأساسي في القصة القصيرة، ولا تتيح بما يميزها من تكثيف الفرصة أمام الناقد لتتبع التقنيات الفنية الأخرى، إذ تعتمد عادة على تقنيات محددة لا تخرج عنها عبر التكثيف والتلخيص واستخدام اللغة الرمزية، وعندما يجد الناقد أن المساحة التي يستخدم فيها أدواته محدودة وما يكتبه الناقد لا يختلف كثيراً من عمل قصصي، لآخر ينصرف نحو الرواية التي تمنحه فرصة أوفر لاستخدام أدواته ولا يختلف الأمر كثيراً فيما يتعلق بالشعر، يضاف إلى ذلك غزارة الإنتاج الشعري بحيث يصعب مواكبته نقديا.
يكشف الدكتور عبدالمطلب عن اتجاه نقدي خطير برز مؤخرا في ظل أزمة النقد العربي الناجمة عن عدم قدرته على مواكبة الإبداع، واتبعه كثير من النقاد الجدد، وكان من أهم نتائجه الاتجاه نحو نقد الأشكال السردية باستخدام التقنيات الغربية الوافدة التي تعمد إلى تقسيم النص الروائي وتتبع عناصر بعينها، بدءاً من العنوان فالسرد فالشخصيات، هؤلاء النقاد يستحضرون آليات النقد الغربي ويطبقونها بآلية شديدة لا تختلف معالجتهم لنص إبداعي عن آخر.
ويحذر الدكتور عبدالمطلب من خطورة ذلك الاتجاه النقدي ودوره في إفساد العمل الأدبي وضياع الفارق بين العمل الجيد والرديء، نتيجة الإفراط في استخدام آلية النقد، ويرى أن النقد الجيد هو الذي يفرض فيه النص على الناقد كيفية معالجته من مدخل اجتماعي أو اقتصادي أو لغوي أو فني، وأن النقد العربي يفتقد إلى ربط النص الأدبي بالأنساق الثقافية باستثناء بعض النماذج النادرة للنقاد الملتزمين الذين لم تستهوهم سهولة التيارات النقدية الوافدة.
مناخ العصر
الشاعر والروائي كريم معتوق يرفض مقولة أن الرواية أصبحت ديوان العرب موضحاً ذلك بقوله: من يقول هذا الكلام لا يفهم أساساً معنى ديوان العرب، لأن الشعر عندما كان ديوان العرب، كان يسجل ويوثق الأحداث والحروب وحتى التاريخ، ويمكننا بسهولة من خلال أشعار وقصائد وجرير أن نلم بعدد الحروب في عصرهما والقتلى ومن كانوا القادة، آلا أن الشعر أيضاً فقد هذه الوظيفة والمسمى مع معطيات العصر وطغيان التقنيات الحديثة ومراكز الابحاث والدراسات التاريخية والبرامج الوثائقية، لذا فالرواية فن سردي يشتغل على اللغة وعناصرها الفنية، وأيضاً الشعر، وعلى سبيل المثال، انتهيت من قصيدة مؤخراً بعنوان حب عراقي على قيد الحياة إلا أنني أصور فيها مشاعر ووجدانيات، ولا أتحدث عن احتلال العراق وكيفية دخول القوات وعددها، ويوجد فيها تواريخ أو أحداث، لذا يمكننا ان نقول ان قناة الجزيرة أو القنوات الفضائية هي التي أصبحت الآن ديوان العرب، من خلال متابعتها وتسجيلها وتوثيقها للأحداث عموماً.
اضافة الى ان الرواية ليست جماهيرية مثل الشعر، ولا يتاح الاطلاع عليها الا عبر القراءة، في حين ان الشعر يكتب ويقرأ ويلقى وله جماهيريته وتأثيره، الا أنه فقد مسمى ديوان العرب للأسباب التي أوضحتها.
أما عن المستوى الروائي في الامارات والوطن العربي عموماً، فقد تراجع دور الرواية كثيراً نتيجة تطور وسائل النشر وسهولة احتضان الاعلام للمبدع لمجرد انه صاحب نية أو رغبة في الشهرة وبالتالي فهو غير مهموم أو مستعد لمتطلبات العمل الروائي فكرياً وفنياً، أضف الى ذلك ان الرواية اذ تبنت الايديولوجيا وحاولت التوثيق تتأثر فنياً في مستواها ويسقط الروائي في ديماغوجية واضحة ومباشرة، ولدينا بعض الكتاب المتخصصين في كتابة الرواية التاريخية، ولكنها فنياً هي أحداث يمتزج فيها الواقع بالمتخيل وبالتالي لا تحقق الغرض المنشود أو المراد توثيقه وتسجيله.
أما القاصة أسماء الزرعوني فتقول: إن الكثير من الروايات العربية تقوم بمواكبة ما يحدث وتتناول أحداثاً ووقائع تاريخية والروائي العربي، غالباً مطلع تماماً على ما يدور حوله في مجتمعه ويتناوله بطريقته الخاصة. ثم إنني لا أوافق على هذه الأطروحة ان الرواية العربية لا تعالج الاحداث الراهنة، لأنها تقترب من تلك الأطروحات للبعض من مثقفينا الذين لا يقرأون الروايات العربية بل يقتصرون في قراءاتهم الروائية على الكتاب الأجانب.. الرواية العربية تواكب ما حولها، وتحلل مجتمعاتها وتاريخ هذه المجتمعات.
وينبغي على المرء ان يطلع على ثقافات اخرى، لكن عليه الا يطلق أحكاماً دون أية مرجعية.. في هذا السياق، من ينكر وجود روايات عبدالرحمن منيف ولأي مجتمعات أرخ لها.
وبالنسبة الى الرواية العربية بوصفها ديوان العرب، فهي مقولة ليست مؤكدة، إنما الرواية تكاد تكون أو تقارب أن تكون ديوان العرب في العصر الراهن.
ويقول الروائي الشاب محمد حسن أحمد ربما يصح ان الرواية قد اتجهت نحو هذا الشكل أو ذاك من الشاعرية والانسانية، وربما ان الكاتب العربي يملك عاطفة تجاه المكان وتفاصيله أكثر من دخوله الى ما يجري حوله من أحداث ووقائع.
بمعنى آخر، أظن ان الكاتب العربي اتجه الى الذاتي اكثر من الموضوعي، فالكاتب الجيد قد لا يتجه الى السياسي المباشر بل أظن، انه اكثر ما يحتاج الى ان يكون باحثاً جيداً، وذلك كي يسرد جيداً ويبني شخصياته جيداً، نعم غياب الروائي العربي موجود في جدله مع السياسي وملموس وقليلة هي الأعمال التي تناولت الواقع الاجتماعي بل إن الرصاصة لا تزال خارج البندقية.
ألق واضح
وترى القاصة عائشة الكعبي ان مقولة الرواية لا الشعر ديوان العرب في العصر الحالي، تتأرجح بين الصواب والخطأ، فالجانب الصحيح منه في رأيها، أن العرب في القرنين العشرين والحادي والعشرين تجرؤوا على اقتحام ميدان النثر وكتابة الرواية بشكل ملحوظ بعدما تهيبوه طويلاً في ما مضى، أو ربما لم تكن الرواية بالنسبة إلى ما خبروه من تجريب المذاهب الأدبية الغربية هي قالبهم الأدبي المسوغ في بدايات تعرفهم على هذا النوع الأدبي الجديد تماماً بالنسبة إليهم، وإن كانوا على دراية بما يشبهه في المحكيات التراثية والسير.
وقد يرجع ذلك إلى أن الرواية لا تزال محافظة على ألقها في الأدب الغربي، بل، تضيف عائشة الكعبي، إن الرواية تتناسب منذ البدايات مع ما عرف عن اليونان من تفكير منطقي ونفس ملحمي لم يتوفر لدى العرب قديماً، ولا يمكن أن تكتمل شروط توفره عند العرب اليوم إلا إذا خرجوا من عباءة التراث بما لديهم من إرث شعري قوي وغالب على أي اتجاه آخر في التعبير.
وتعتبر القاصة عائشة الكعبي أنه بحكم أن العالم بات يخضع تقريبا لأطر ثقافية مشتركة فقد انتقلت حمى الكتابة الروائية للأدباء العرب عبر تأثرهم بالكتاب الغربيين إلى جانب تأثرهم الواضح بالواقعيين الروس في الكتابة الروائية.
وتختم عائشة الكعبي بالقول إنما ورغم هذا فأنا أجزم بأن دفة الرواية لم تكن أبداً بيد العرب وليست كذلك، على الأقل حتى يومنا هذا، بينما كانت دفة الشعر في يدهم فيما مضى وهذا الجانب يؤكد خطأ هذه المقولة.
وتعتبر الروائية سارة الجروان أن الرواية تحقق اليوم فعلا هذا الزخم من الانتشار لتصبح أقرب إلى أن تكون ديوان العرب فعلا لأن الشروط الموضوعية لوجود الرواية العربية كشكل أدبي ينافس الشعر ويتفوق عليه في عدد القراء أحياناً، باتت متوفرة لجهة العمران والتطور المديني الذي يشكل بالدرجة الأولى الأساس الذي تقوم عليه الكتابة الروائية الحديثة.
وتضيف الروائية سارة الجروان أن الرواية كحدث يومي وحالة تعبير اجتماعي باتت أقدر على التعبير من الأشكال الأدبية النخبوية كما هي الحال في الشعر، فالروائي يقترب أكثر من عالم الناس البسطاء ويعيش اليومية بحالاتها المختلفة، ويخاطب القارئ العادي بلغة أقرب وأسهل وإن كانت لا تخلو من الشروط الفنية المفترضة في الرواية.
وتؤكد الروائية سارة الجروان على ضرورة الاعتراف بأن الشعر بالنسبة إلى العرب لا يزال الميدان الأرحب لإبداعهم في فنون المديح والغزل والذاتيات، أما الرواية فهي أكثر تعبيراً عن الذات الجمعية، والأكثر حضوراً في الواقع العربي اليوم، في ظل انخراط العدد الأكبر من الروائيين العرب في الالتزام بقضاياهم الكبرى الوطنية والاجتماعية معبرين عما يختلج في صدور أبناء هذه المجتمعات من مشاعر لا يمكن أن ينقلها الشعر بالدقة نفسها.
أما لميس المرزوقي فتقول: انتشرت القصة بشكل كبير في الثلث الأخير من القرن الفائت ولو قارنا عدد طبعات القصة أو الرواية الواحدة بعدد طبعات ديوان شعري نجد أن الرواية تتفوق على الدواوين الشعرية سواء في عدد الطبعات أو الانتاج الجديد منها.
وفي أفضل الحالات فقد تعاد طباعة الديوان من أربع إلى خمس طبعات في الحد الأقصى بينما نجد قصصاً وروايات فاقت هذا العدد بكثير كما في روايات نجيب محفوظ والكيلاني وغيرهما الكثير.
القارئ يجد نفسه بسهولة في الرواية؛ فهي أكثر مناسبة لطبيعة المجتمع العربي من سائر الفنون، وأن الشعر إذا اعتُبر منافساً قوياً لها فإنه في شكله الجديد قد أخذ يفقد القدرة على هذه المنافسة.
الرواية اليوم تبني مجدها بثبات في العالم العربي إذ أراها عملاً أكثر شجاعة على ملامسة الحقيقة وأجرأ على كشف المستور.
يقول البعض ان الرواية العربية حصلت على هويتها بالتجنس وهذا قول مغلوط إذ أنها عرفت في بلاد العرب منذ حكايات سيف بن ذي يزن غيرها من الإبداعات الأخرى. ونلمح انتصار الرواية العربية في انتشارها العالمي الكبير إذ طرقت أبواب الترجمة العالمية وأصبح لها جمهور من مختلف اللغات.
أزمة للنقد
يقول د. عبدالمنعم تليمة: الثقافة العربية الراهنة تعاني ضيقاً شديداً وتقصيراً واضحاً في نشاط النقد الأدبي وهذا بديهي، ذلك أن النقد أحد دروب الفكر بل هو النشاط الذي يتتبع في حركته كافة دروب الفكر التاريخي والاجتماعي والفلسفي والجمالي، ولا يمكن أن يزدهر النقد إلا في مناخ من الحريات، ولأن هذا المناخ غائم بل غائب في بلادنا، فإن النقد بعيد عن متابعة إنتاجنا الفني وتقويمه، تستوي في ذلك كافة الأجناس الأدبية فلسنا في زمن الشعر ولسنا كذلك في زمن القصة أو الرواية إذ أن الأزمة ليست مرهونة بالمبدع ولا بالمتلقي، وإنما تكمن في وسائل الاتصال التي تقلصت فيها المواد المطبوعة لصالح الفضائيات التي فرضت شروطها وروجت للرواية بشكل غير مباشر لإمكانية تحويلها إلى عمل درامي، بينما يظل المبدع الحقيقي بعيدا عن سطوة وسائل الاتصال وهو يبدع وفقا للمثير الجمالي الذي يختار تلقائياً القالب الذي يلائمه بعيدا عن معايير أخرى خارجية.