عندما ندخل المقابر نلاحظ أن أقارب أهل تلك القبور زرعوا نباتات على قبورهم، ويتعهدون بسقيها بين فترة وفترة، بل رأيت بعضهم وضع خزانا من الماء بجانب القبر يسقي النباتات المزروعة على القبر بوساطة التقطير.

مثل هذا التصرف لا شك أنه لا أصل له في الدين، وإنما مجرد اعتقاد خاطئ لبعض الناس من ان الشجر الأخضر أو النبات يستغفر للميت طالما أنه رطب من غير تحديد نوع الشجر أو النبات وكيفية وجوده.

نعم ورد في الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم وضع الجريدة الخضراء بعد شقها نصفين على القبرين اللذين كانا يعذبان كما ورد في صحيح البخاري، وعندما سئل، قال عليه الصلاة والسلام: يخفف عنهما العذاب ما لم ييبسا وقد علل الفقهاء ذلك بأن النبات يسبح الله تعالى ما دام رطبا، فيؤنس الميت وتتنزل بذكره الرحمة.

ومن أجل ذلك فإن ابن عابدين رحمه الله قال في حاشيته: يكره قلع النبات الرطب والحشيش من المقبرة، لأنها تستغفر وتسبح ما دامت رطبة.

لكننا نقرأ في فقه السنة لسيد سابق رحمه الله قوله: لا يشرع وضع الجريد، ولا الزهور فوق القبر، وقال سيد سابق عن حديث البخاري بما قال الخطابي: وأما غرسه شق العسيب وقوله لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا فإنه من ناحية التبرك بأثر النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه بالتخفيف عنهما.

وكأنه صلى الله عليه وسلم جعل مدة بقاء النداوة فيهما حدا لما وقعت به المسألة من تخفيف العذاب عنهما، وليس ذلك من أجل أن في الجريد الرطب معنى ليس في اليابس، والعامة في كثير من البلدان تفرش الخوص في قبور موتاها.

يقول سيد سابق رحمه الله: ما قاله الخطابي صحيح، وهكذا فهمه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً، إذ لم ينقل عن أحد منهم أنه وضع جريدا ولا أزهارا على قبر سوى بريدة الأسلمي الذي أوصى بأن يجعل في قبره جريدتان كما روى البخاري.

لكن ورد أن ابن عمر رضي الله عنهما حين رأى فسطاطاً على قبر عبدالرحمن قال: انزعه يا غلام فإنما يظله عمله، أي لا تأثير لما يوضع على القبر وإنما التأثير للعمل الذي يصحب الميت عند نزوله في القبر، وهو أحد الثلاثة التي وردت في الحديث الصحيح وهي صدقة جارية أو ولد صالح أو علم ينتفع به.

إذن ما نراه اليوم في بعض المقابر من تصرفات للبعض يؤذي الأحياء والأموات، أما الأحياء فلأنه لم يرد نص يؤيد صحة ما يفعلونه، اللهم إلا اعتقادهم وفهمهم الخاطئ للموضوع.

وأما الأموات فلأن الماء الدائم الذي ينزل إلى القبور من جراء السقي، يجعل الأموات يعيشون في وحل دائم، وفي ذلك إهانة للميت.

والصحيح أن تترك النباتات التي نبتت بنفسها ولا تسقى، وهي تسبح الله كما ورد في الحديث، لكن لا تزرع نباتات بفعل الآدمي، وإذا زرعت في الطرقات بغرض التظليل وتلطيف الجو، فلتزرع بعيدة عن القبور، ثم إن المقابر موضع اعتبار واتعاظ وليست موضع تظليل وتلطيف.

هذا عن النبات المزروعة، فكيف بأكاليل الزهور التي توضع على القبور وتصرف عليها مبالغ من المال؟ أليس ذلك محض جهالة وإسراف وتبذير، وموضع سخرية من الدين الذي لا تخدعه المظاهر؟