تختلف مظاهر الزواج باختلاف الثقافة التي تمارسها، فالمجتمع الحضري له طبيعته في الاحتفال بالعروسين قبل وبعد الزفاف، وكذلك المجتمع الريفي والساحلي، وهكذا، بحيث تعكس هذه المظاهر تراث الأجداد وتقدم صورة حية لتفاصيل اهتمام المجتمع بالعرس باعتباره من المشروعات المهمة لأي شاب ولكل فتاة.

وتخرج تقاليد الاحتفال من رحم الأعراف التي تحكم المجتمع والأصول المتجذرة في أعماق تاريخه، إذ يحرص الأبناء على السير في نفس دروب آبائهم خلال إتمام إجراءات الزفاف، ولأن مجتمع الإمارات ينتمي إلى المجتمعات البدوية الأصيلة، فيتمسك أفراده بنهج الأهل في احتفالات الزواج كما يقول د. راشد محمد عبيد رشود الباحث في تاريخ الإمارات، ويضيف أن مراسم الزفاف تبدأ بتوجه والد الفتى إلى والد الفتاة ليخطب يد ابنته لولده، فالفتاة التي يراها الأب صالحة لابنه زوجها له، والرجل الذي يرى الفتى صالحاً لابنته زوجها له رضيت أم أبت، فالفتاة ليس لها حق الاعتراض ولا تستشار أبداً، فرأيها عند أبيها الذي يملك زمامها دائماً.
وأحياناً يقوم أهل الفتى بإرسال امرأة ذات عقل وفكر ولباقة في الحديث إلى أهل العروس، فتذهب لهم في زيارة ودية تقصد من ورائها التعرف بالبنت، وربما دخلت على حين غفلة فرأت البنت وجهاً لوجه، لأنه من الصعب الالتقاء بالبنت البكر، فهي لا تظهر أمام النساء سوى جلوسها مع أهلها وذويها، وعند دخول امرأة أجنبية فإنها تسارع بالاختفاء.
وإن رجعت المرأة بلغت الأهل بأوصاف البنت ومدحتها لهم وشرحت لهم مواصفاتها، فإذا رغبوا في خطبتها أرسلوا عدة رجال من كبار السن المعروفين ليعرضوا على أبيها ما جاؤوا من أجله، فيرحب بهم ثم يعدهم برد الجواب، فإذا رجعوا من عنده شاور أهل بيته وفي مقدمتهم أم البنت، وربما انفرد برأيه في الرد أو القبول.
وعن المَهْر يشير د. رشود إلى أن من المتعارف عليه أن أي زواج أو اقتران بين رجل وامرأة لا بد أن يكون هناك مبلغ من المال يدفعه العريس إلى والد العروس، عندما يوافق الأب على زواج ابنته، ويحدث أحياناً أن يقرر الأب أو ولي الأمر إبداء رأيه في نفس الوقت من دون الرجوع إلى والدة البنت أو أي أحد، وعند الموافقة يقوم أحد أبناء القبيلة بإطلاق أعيرة نارية ثلاث مرات بمناسبة الموافقة، وحتى يعرف أهل القرية أو المنطقة أن ابنة فلان خُطِبت إلى ابن فلان، ويقوم الرجال بتقديم التهنئة والمباركة إلى والدي العريس والعروس، وتكثر الصلاة على النبي، ويحدد مهر العروس من قبل والدها، وأحيانا يترك من دون تحديد، كأن يقول والد العروس لوالد العريس «البنت بنتكم والولد ولدكم». ولا بد أن يدفع والد العريس مهراً يليق بما سمعه من كلام، فالنظام القبلي دائماً يقوم على الكلمة، فكلمة الرجل عندما يقولها لا تغيير لها مهما كلف الأمر، وتختلف القبائل بعضها عن بعض في تحديد المهر، والمهور دائماً مهما اختلفت قيمتها مرتفعة، وربما يكون المهر عدداً كبيراً من رؤوس الأغنام أو الجمال، وأحياناً تقدم بعض المجوهرات على سبيل المثال «طبلة ذهب أو مرية»، إذا كان العريس ميسور الحال وتعتبر كدليل على أن البنت مخطوبة.
أما عن الزهبة فيصفها د. رشود بأنها جهاز العروس عند أهل الإمارات وتعني الذهب والملابس والعطور، وتتكون من الحقائب التي تكتظ بثياب وعطور وأحذية وذهب ومجوهرات، وعند أهل الإمارات لها طقوس جميلة تؤلف بعض القيم الجمالية التي تتلاقى وترتبط في وحدة عضوية شاملة، وتنقسم الزهبة إلى قسمين، أحدهما للعروس، والآخر لأهلها، إضافة إلى المواد الغذائية الضرورية والتي تسمى «المير» كالأرز والطحين والسكر والشاي والأغنام وغيرها من المواد الغذائية، وتتلقى عروس الإمارات حظها من الذهب الذي يمثل عنصراً أساسياً عند أي عروس، وأهم هذه الأشياء أبو شوك، أساور عريضة عليها بروزات تظهر أنها تحفة فنية جميلة، والدلال الذي يزين جبين الفتاة وما به من نقوش وحبات تتدلى في وحدات زخرفية بديعة تجملها بعض الأحجار الكريمة أو الفصوص الملونة التي تزيدها جمالاً وإبداعاً، والكواشي أقراط تزين بها المرأة أذنيها وتوجد منها أنواع عديدة في الزخرفة، فهي دقيقة في صنعها ودورانها، ثم انسيابها وتحدبها في مناطق تعكس الظل والنور، والحزام الذي يزين خصر العروس حيث تتشابك حلقاته مع بعضها في تناسق جميل، والطاسة، غطاء للرأس به زخارف متنوعة، وتوجد تصاميم كثيرة لها تختلف حسب الظروف والقدرة، وأحياناً تتكون من شناف من الفضة الخالصة.
وحسب الباحث الإماراتي، تشمل الملابس الشيلة، والبرقع، والمزري، والعباية المصنوعة من الحرير، وأحياناً تسمى صدر، و«سويعية» و«أم الخدود» و«أم الثلايج» الخفيفة أو السميكة إلى جانب «الكندورة» و«السروال أبو بادلة» وغيرها من سراويل مختلفة الألوان.
والكندورة فستان أو جلابية تستخدم قديماً وتصنع من الأقمشة أهمها: «بوطيرة، جف السبع، بوكليم، بونيرة، ميدة، بودكة، سلطاني»، والثوب الذي يلبس فوق الكندورة، أشبه بجلباب واسع مفصل بطريقة معينة، ويزين على الصدر بالتلي، والأقمشة المستخدمة في عمل الثوب أنواع خفيفة، أي أن تكون الكندورة واضحة، ما يزيد من جمال مرتديته، وقديماً كانت تستخدم في تطريزها خيوط فضية أو ذهبية، والبرقع قماش من نوعية الورق، كحلي اللون يفصل على شكل الوجه ثم يغطي به الوجه، أما باقي الزهبة فهي العطور، وأهمها «دهن العود» والصندل الوردي والفل والعنبر والزعفران والمحلب ودهن الورد والنرجس والياسمين إضافة إلى المخمرية وهي خلطة من العطور ممزوجة ببعض أنواع من الأعشاب العطرية تصنع للعروس فقط.
ويضيف الباحث د. راشد رشود: «كانت تنقل الزهبة في الماضي من بيت العريس إلى بيت العروس يوم الأربعاء عصراً في جو غنائي حافل بالبهجة والفرح، فتجتمع نساء المنطقة وأهل العروس ويطوفون بها في المنطقة للتفاخر والمباهاة، ويوضع جهاز العروس في صندوق أو في حقائب تحملها بعض النساء، ويظل الموكب في مسيرته وغنائه إلى أن يصل إلى بيت العروس، وهناك يكون أهل العروس في استعداد تام لاستقبال ضيوفهم حيث تذبح الأغنام، وتحضر الولائم من اللحم والأرز وبعض الحلوى، وتفرش البسطة في ساحة منزل العروس للنساء، وفي خارج المنزل للرجال من الضيوف، وتستقبل أم العروس وأهلها وبعض النساء من الجيران والأهل الضيوف، وتقدم لهم القهوة والفوالة والخنفروش والمحلى، وجميعها حلويات تصنع من الدقيق، وتقوم أم العروس بفتح الصندوق أو الحقائب أمام المدعوات من النساء الزائرات اللائي يتوافدن على بيت العروس لمشاهدة الزهبة، فتعرض قطع الذهب والملابس أمامهم وترتفع أصوات النساء بالتبريكات والصلاة على النبي والدعاء للعروس والعريس».
وفي بعض الأسر نرى الأقارب والأهل والجيران يقومون بمساعدة العريس بالمال، كل منهم يدفع له المبلغ الذي يستطيع دفعه وذلك لمؤازرته في تخفيف أعباء الزواج، كما أن هذه العادة ترد مرة أخرى إلى أصحابها من العريس في مناسبة أخرى.

يحدد أهل العريس موعد العرس فيبدأ أهل العروس الاستعداد، فتحجب العروس عن الناس ولا يراها أحد غير أهلها، وفي هذه الفترة تقوم أمها أو إحدى قريباتها وأحيانا تقوم الماشطة بدهن جسم العروس بالنيل الأزرق المخلوط ببعض الأعشاب، أما وجه العروس فيدهن ب الورس، نبات عشبي لونه ضارب إلى الصفار يعطي البشرة نعومة ورقة، وتكون هناك خلطات خاصة تجهز لليلة الزفاف توضع في شعر العروس تتكون من المدهنات والزيوت العطرية وتسمى الياس أو البضاعة، ويدهن جسم العروس لمدة 4 أو 5 أيام وتغطى العروس بشيلة أو خمار أسود شفاف، وفي ليلة الأربعاء والخميس تُحنّى العروس في قدميها ويديها.
وتختلف التفاصيل بالنسبة لسكان الشواطئ كما يقول د. رشود، فيأتي العريس وأهله إلى بيت العروس في المساء، ويجلس الجميع في مكان مخصص للدخول في بيت أهل العروس، وتمتد بهم السهرة إلى منتصف الليل.

«التصبيحة»

تزف العروس في الإمارات قبيل الفجر ولا ينال منها الزوج إلا ما دون الوطء، ثم إذا أصبح جاءه المهنئون قائلين: «مبروك ما دبرت»، ويقال لهذه التهنئة «التصبيحة» وتدخل المهنئات من النساء، ثم تقدم الفوالة والقهوة والطيب، وتقوم امرأة من الجالسين ومن قرابة العروس فتكشف البرقع عن وجه العروس.

أما أهل القرى والبادية فيدخلون الزوج على الزوجة من أول الليل بعد انتهاء الاحتفال مباشرة وينال منها وطره ليلاً، ويطلق ثلاث طلقات في الهواء عند الصباح إذا كانت زوجته بكراً، أما الثيب فلا، ودخول الزوج على زوجته في منزله بخلاف المدن، فإن الدخول يكون في بيت أب الزوجة ويقيم عندها سبعة أيام، ثم يرتحل بها إلى منزله في موكب إما براً أو بحراً، وغالباً ما ينتقل العريس مع عروسه في صباح الجمعة، حيث تقوم النساء بتجهيز العروس التي تلبس كندورة الزفاف وثوباً، يفرع ويمشط شعرها ويدهن بالحل وتخضب مقدمة الرأس بالزعفران وتلبس البرقع والشيلة والعباءة، وبعد ذلك تخرج مع عريسها إلى بيت أهله، أما ملابس العريس فهي كندورة بيضاء وعباءة، بشت ويتوسط بطنه خنجر ويمسك بيده عصا خيزران.
بعد أن تترك العروس مع عريسها ليلة الدخلة مدة نصف ساعة أو إلى أذان الفجر، تجهز مرة أخرى لتزف زفة الضحى.
ويوضح د. رشود أن العريس ينتقل مع عروسه بعد أسبوع من الزواج ويذهب إلى أهله ليبلغهم بقدوم عروسه حتى يكونوا على استعداد، فيقومون بإعداد العشاء ودعوة الجيران والأهل الذين سيأتون بالعروس إلى البيت، وعندما تأتي يستقبلها الأهل بالحفاوة والترحاب، ويقدم للضيوف العشاء وتدار مداخن البخور ويرش ماء الورد على الحاضرين حفاوة بمقدم العروس، وبعد ذلك تنصرف المدعوات من النساء مباركات للعروس بالسعادة والهناء وتبقى العروس مع أهل زوجها.
ويختتم الباحث د. راشد رشود قائلاً: «تسكن العروس مع أسرة زوجها في بيت واحد وتكون لها غرفة خاصة، ففي الصيف يجهز لها عريش يتكون من جريد النخل وسعفه ومفروش بالسجاد ويوجد به سرير من الخشب عليه طرح من القطن ومغطى بمفرش إما مزخرف أو رداء، ويوجد في غرفة العروس كذلك صندوق لوضع الثياب ومرآة ومبخرة للثياب وبعض العطور».

احتفالات وموائد

يشير د. راشد عبيد رشود، الباحث في التراث الإماراتي، إلى احتفالات الأعراس التي تبدأ فرقة العيالة في أداء فنونها مع بدء الاحتفال بمراسم الزواج، وتستمر الأفراح أسبوعاً، وفي صباح يوم الزفاف الذي عادة ما يكون الخميس، تجتمع بعض نساء القرية في بيت أهل المعرس لمساعدتهم في إعداد الإفطار للضيوف. ويتوافد الرجال والنساء من جميع أنحاء القرية إلى منزل أهل المعرس للسلام والتهنئة، ويقدم لهم الإفطار والقهوة، ويقوم أهل المعرس بذبح الأغنام والجمال. وفي خيام الغداء غالباً ما يكون الحضور من أهل القرية والأقرباء ، أما في المساء فيتوافد المدعوون من جميع القرى على الجمال أو الحمير أو مشياً على الأقدام يرافقهم أطفالهم وبعض النساء ، وقبل وصولهم إلى المكان المخصص للعرس يقبلون جماعة مشياً على الأقدام باتجاه الساحة حاملين بنادقهم في جو غنائي بهيج ، ويقوم الحضور الجالسون في ساحة العرض بملاقاة الضيوف المقبلين. وقبل المغرب تفرش الأسمطة ويقدم العشاء فيجتمع الضيوف على شكل حلقات، ويتقدم أكبر الحضور سناً في كل حلقة بكسر رأس الذبيحة تيمنا به ، ولا يترك الرأس بلا كسر لأن ذلك يعد عيباً في أي وليمة.