نابلس - رنا خموس:
منذ 154 عاماً وعائلة عايش بمدينة نابلس شمال الضفة الغربية تقوم بصناعة الزلابية، التي اشتهرت بها المدينة، وزينت بلونها البرتقالي أزقة بلدتها القديمة .
4 أجيال متعاقبة تعمل بنفس المكان، ويقول عمر عايش (73 عاماً) إن للحلاوة 3 أنواع، وهي قرعية، وجزرية وحلاوة البيضاء أو ما تسمى بالناطف، وتعرف الحلاوة القرعية بالحلاوة زلابية، وتصنع من نبات القرع (اليقطين) المحلى بالسكر، والزلابية هي عبارة عن عجينة من الطحين تقلى بزيت السيرج المستخرج من السمسم .
يضيف عمر عايش: تلك الحلوى تطلب من نابلس، حيث تعد إلى جانب التمرية سفيرتا نابلس إلى العالم وتوضع بعبوات وتنقل إلى بلدان مختلفة كهدايا مع زوار المدينة وسواحها، خاصة أنها تحتفظ بجودتها لأكثر من عام، يتحدث عن تاريخ "الصنعة" بفخر كبير، حيث منحت الحكومة التركية حينها جده شهادة "شيخ مشايخ الحلاونية"، عما كانت الحلاوة زلابية محط الشعراء .
كما ارتبطت الزلابية بمناسبات أهل المدينة، فكانت تقدم في "الشعبونية"، وهو عرف اجتماعي تجتمع فيه العائلة طول 8 أيام متتالية في بيت كبير العائلة .
ويقول عايش: "عرفت أيضاً بحلاوة نصف شعبان، وكان أهل المدينة يقدمون الزلابية بعد تزيينها بالورود، وارتبطت الحلوى بمناسبات اجتماعية موسمية" .
ويكمل عايش حديثه ولا زالت ذاكرته تنبض ببعض الأحداث التي ارتبطت بالحلوى "في نهاية الثلاثينات مرت على البلد ظروف صعبة للغاية، أتذكر أن السكر ارتفعت أسعاره بشكل كبير، حيث وضع الاحتلال البريطاني أنظمة وقوانين على توزيع المواد التموينية، ولم يستطع السكان شراءها بسبب الغلاء، واستبدلنا السكر الأبيض بسكر البنجر الأحمر" .
ويتابع عايش وهو يقوم بلف بعض الحلوى بخبز الزلابية المزين بالقزحة "كانت الزلابية بهذه الفترة تأتينا من الشام لأنها تحت الاستعمار الفرنسي ولم تعان الغلاء حينها، وكانت تحمل بصناديق خشبية تصلنا على البغال" .
وعن سر لذتها، يبتسم عايش مردداً "هذا سر المهنة، وسرها بأيدنا" . ويوضح أن حلوى الزلابية تستغرق جهداً كبيراً في صناعتها، وكانت أكثر قساوة بالماضي عن اليوم، فالقرع كان يصلهم من الشام ولونه أبيض، مع احتفاظها بالطعم والنكهة التي لا زالت بحلاوتها .
ولا شك أن حلوى الزلابية ليست الوحيدة التي اشتهرت بها نابلس، ففي شارع النصر يستقبل أبو حاتم عرفات (48 عاماً) زوار المدينة بابتسامة كبيرة وهو يقدم لهم التمرية . ويفرد عرفات بمهارة كبيرة العجينة المكونة من الطحين المحشوة بالسميد المخلوط بالسكر والماء مشكلاً فيها "التمرية"، ثم يقوم باسقاطها بالزيت الحار وتخرج ساخنة للتقديم .
ويقول عرفات: "التمرية ارتبطت بعائلتي منذ القدم، بعد أن ابتكرها جدي وأخذت اسم القرية التي هجر منها عام 1948م داخل الخط الأخضر "طمرة"، وورثناها عن والدي من بعده" .
لم ينقطع عرفات عن عمل التمرية منذ أن كان بسن الخامسة، ولم تنقطع التمرية عن موائد أهالي المدينة الصباحية .
ويقول عرفات: "هذه مهنة أجدادي، وذكرى عنهم نحفظها جميعاً، ونورثها لأبنائنا من بعدنا، وهي باب رزقنا، فالحلويات بنابلس معروفة بتوارثها وامتهان العائلات فيها، ولا زالت تقليداً محفوظاً" .